ساقتني الأقدار إلى زيارة نادي القصة بالقاهرة بعد أن أغراني صديقي الأديب فرج مجاهد عضو النادي، ذهبت معه لأشهد توزيع جوائز النادي التي سيشهدها الشاعر سعد عبد الرحمن رئيس هيئة قصور الثقافة، والدكتور جمال التلاوي رئيس هيئة الكتاب، وعرفني بالجميع ثم أخذني إلى حجرة يقبع بها بعض الأدباء، وعرفني بهم أيضًا، ثم غادرنا فرج مجاهد فترة من الوقت، ووجدتهم قد بدءوا النقاش حول أزمة وزير الثقافة!! واقترح أحدهم عدم استقبال وزير الثقافة إذا جاء بصحبة جمال التلاوي، واقترح الآخر عدم استقبال التلاوي نفسه الذي خان المثقفين وجرى وراء الإخوان، وأخذ يكيل له الاتهامات والسباب، وأخذ يتساءل: لماذا لم يأخذ الوزير رأيهم في التعيينات الأخيرة؟

 

وهنا أعلن كبيرهم بأنه يجب التعامل بحنكة مع الواقع حتى نطبع مجلة النادي (التي تقوم بطباعتها الهيئة المصرية العامة للكتاب)، وسألهم هل تريدون استمرارها وطباعتها أم غلقها؟ وهنا تدخل آخر وتحدث بعصبية بعدما خبط على المائدة التي أمامه وقال: يجب أن تزيد منحة النادى عن 75 ألف حتى نتعامل مع التلاوي، ويؤكد لنا هذا على الملأ، ولما رأوا ارتسامات الغضب قد بدت على وجههي، أخذ كبيرهم يسألني: (نحب نتعرف على الأستاذ)، فقلت لهم: أجيبكم مرة أخرى أنا فلان وأربأ أن يهان أستاذي الدكتور جمال التلاوي في جامعة المنيا، وهو الذي فتح لي الآفاق المتسعة من الأدب والنقد وحببنى الاطلاع على الآداب العالمية مثل الأدب الانجليزى تخصصى الرفيع، ومنه عرفت الآداب الأخرى مثل: الفرنسية، والأسبانية، والألمانية، والروسية، والايطالية، واليونانية، أقرأ المترجم منها، وهو فى الأساس زميلكم الذى تعرفونه منذ زمن بعيد، هو لم يهبط على الثقافة بالبارشوت، فهو يشارك فى الأنشطة والفعاليات منذ كان طالباً فى بداية الثمانينيات،كما أنه كان من المعارضين لكثير من سياسة وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، وهنا أعلن كبيرهم أنه اجتماع مجلس إدارة، فقلت يعنى أغادر المكان، فقال لى بكل بساطة (حاجة ذى كده)، فقلت له: أنا مند أكثر من عشرين أعرك مجال الأدب والنقد، ولم أسمع عن معظمكم، فكيف تصلون للشعب وتؤثرون فيه وتزرعون له الأمل والوعى والفكر الرفيع؟ وهنا انسحب أحدهم من لسانه وقال لى: أتتهمنا بالفشل؟؟، إذا أردت أن تجلس في النادى تتعامل فيه بأدب، ورددت عليه وهل أنا أسأت الأدب، أنا أقرر الواقع وأنقل لكم نبض الشارع، أنا أربأ بنفسي أن أجالس من يريدون إقصاء الأطياف الأخرى من أجل أن يظلوا هم في المشهد يستنزفون ميزانية الثقافة، ممن لا يقوون على تحمل النقد.

 

وبينما أنا أغادر المكان اصطدمت بأطنان من المطبوعات ملقاة في ممرات النادي، وقلت في نفسي: صدق من قال عليكم إنكم تكتبون لأنفسكم وتجاملون بعضكم البعض في الجوائز والمنح والكتابة والنشر!!.

 

بعدها ذهبت إلى وقفة مؤيدي قرارات وزير الثقافة علاء عبد العزيز الذي قرر أن يجتث ينابيع الفساد المتجذر في وزارة الثقافة، ويمنعها عن المرتزقة، ولاعقي أحذية السلطان وهم الذين كانوا يباركون ظلم الفرعون مبارك وسلفه من الحكام في الحق والباطل.. تخيل أن هؤلاء انتفضوا عن بكرة أبيهم ووقعوا على بيان لإجبار فاروق حسني على البقاء بعدما حدثت كارثة مسرح بني سويف، مثلما فعلوا قديمًا عندما انتفضوا أيضًا وهرعوا إلى الشارع ليؤيدوا بقاء الزعيم المهزوم الذي تسبب في كارثة 5 يونيو 1967، هؤلاء شعارهم (المصلحة هي الحل)، و(المصلحة العامة تتحطم على صخرة المصالح الشخصية)، ومثلما حشدوا لناصر المهزوم الحافلات التي أتت برجال النظام من الصعيد ومن مديرية التحرير لتهتف بعودته، وكلفوا مخرج الروائع (حين ميسرة- كلمنى شكرًا- زواج بقرار جمهوري، وغيرها) لحشد المزيد من الكومبارس وفتيات الليل الذين رأيناهم يشيروا إلينا بالصوابع، ويهتفون بالألفاظ الجنسية وألفاظ سب الدين والحركات الخادشة للحياء!!.

 

والعجيب أن رجال جبهة الإنقاذ مثل: خالد داوود، وحازم عبد العظيم، ومخرج الروائع، وشادي الغزالي حرب، كانوا شاهدي عيان على هذا الإسفاف، ومثلما يحدث في أرض الميعاد حيث اقتلاع أشجار الزيتون، فعلوا هم نفس الإجرام قطعوا النباتات النادرة التي توجد في حديقة قصر الوزارة، كناية عن البرسيم الذي يأكله الخرفان (الإخوان)، ورفع أحدهم شعارات منها "الشعب يريد تحرير مصر من الإخوان"، وشعارات أخرى يعف قلمنا عن ذكرها؛ لأنها لا تسمع إلا في الخمارات والمواخير وعلب الليل، وقد ذكر لي أحد المتظاهرين أن هذه الوجوه هي التي كانت في المقطم وهي التي ارتكبت واقعة الجبل، وما إن رأى هؤلاء الناشط أحمد المغير وعمرو عبد الهادي حتى انقضوا عليه بتحريض من مخرج الروائع ومن خالد داود؛ الأمر الذى جعله ينسحب حتى لا تحدث مجزرة لأنصار الوزير عندما يحل الظلام، مثلما يحدث فى كل فعالية، ولأنه قد نما إلى علمنا بأن هؤلاء يحيزون السنج والمطاوى والخرطوش، والعصي الكهربائية والهراوات، وتبعهم هؤلاء بالضرب والطوب وسط تخاذل الشرطة التي فتحت لهم الحواجز، وكانوا حملان عليهم إلى أقصى حد.

 

وحدث ما حدث من إصابات لمؤيدي الوزير السلميين الذين لم يعتدوا على أحد بل كانوا في غاية الأدب، وإذا تجاوز أحدنا كانوا يضغطون عليه بعصبية ليكف عن تجاوزه، وكان الحضور من مؤيدى الوزير من كافة الأطياف ومن موظفي وزارة الثقافة، وكان معنا الأديب الكبير والمفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس صاحب التاريخ الطويل من النضال والذي وقف في وجه الطاغية في عز أن هؤلاء يهتفون له "اخترناه وديها كمان حرية"، ويذهبون إليه يبايعونه لفترة رئاسية سادسة مثلما حدث يوم 30/9/2010، في وفد تكون من 11 من كبار كهنة الفرعون وسدنته.

 

حدث هذا على نيل الزمالك الذي كان ملهما لأدباء مصر الحقيقيين في زمن القوة والأبطال يوم أن كانت مصر تصدر الأدب والفنون لكل الإنسانية، وقد سمعت المكان الذي كان يرتاده أمير الشعراء أحمد شوقي وفيه ألف روائعه: النيل نجاشى ومسرحياته الشعرية الرائعة وقصائده الرائعة، وكان الأددباء يهرعون إليه ليلتقوه في هذا المكان، رأيت المكان يصرخ من الهوان وتصدر البلطجية باسم الأدب، رأيت الراقصات وبائعات الهوى ينصبون أنفسهم بحماة الثقافة، رأيت ورأيت ورأيت.

 

وبعد.. إلام سكوت العقلاء الذى صمتوا على إدانة الباطل فتجرأ وتمادى؟ أين أساتذة الأدب في الجامعات المصرية الذين اكتووا بنار مثقفي الحظيرة لقيموا الهذر الذي ينتجه هؤلاء؟ أين رئيس الدولة وأجهزته الأمنية التي ينبغي لها محاسبة المخطئ مهما كان؟ أسئلة ينبغئ الإجابة عليها فئ أقرب قبل أن تقع الواقعة.