لعلها من اللطائف القدرية أن يقرر العلمانيون معركتهم الفاصلة ضد النظام الشرعي في "شهر شعبان".. شهر تحويل القبلة.
لحظة التمايز والاستقلال الفارقة في حياة الأمة هي لحظة ملهمة؛ حيث ميز الله قبلتها إلى البيت الحرام بعد ما كانت مشتركة مع اليهود، في إشارة جديدة لتكون الأمة شهيدة على غيرها من الأمم، ويأتي ذلك بعد سنوات قليلة من حادث "الإسراء" الذي نصّب الله فيه الأمة قائدة على سائر الأمم.
ورغم أن تحويل القبلة لم يشتمل أي تبدل في الشرائع، ولا أي مفاجأة في العقائد، فإن الحدث كان "صدمة كونية" بكل ما تعنيه الكلمة من "أصداء".
وكأن الله- عز وجل- ينبهنا إلى تحديات التحولات الكبرى في الاستقلال.. وقيادة "مصر"-الآن - تحول قبلتها السياسية من التبعية إلى الاستقلال، وتحول قبلة الحكم فيها من الاستبداد والعسف إلى الشورى والشفقة بالناس، وتحول قبلتها في الاقتصاد من احتكار أولى الأمر إلى ملكية أبناء الشعب، وتحول قبلتها تجاه الاستعمار بكل أشكاله من الرضا والخنوع إلى الرفض والمقاومة.
إنه تحول تاريخي سيلحق كل جنبات الحياة... عبرت عنه المقالة الرئيسية لمركز "معهد واشنطن"؛ حين ذكر أن النظام المصري الجديد قد تحول موقفه إلى تهديد أمن إسرائيل، بعد أن كان التعاون والتفهم للوجود الإسرائيلي هو الذي يحكم العلاقة قبل قدوم حكم د. مرسي".
وتمامًا كما واجه "السفهاء اﻷوائل" التحول الأول رغم أنه وحي من السماء... يواجه "سفهاء العلمانية" هذا التحول رغم أنه رغبة شعبية وثورية في اﻷصل.
وكما لم يستطع "السفهاء الأوائل" أن يواجهوا الحقيقة فأطلقوا الشائعات والأضاليل، كذلك يواجه التحول المصري الآن كمًا هائلاً من إهانات وأضاليل وشائعات الرافضين، الذين يرون أن تبعية مصر وانهيارها بأيدٍ علمانية أفضل من استقرارها واستقلالها بأيدٍ إسلامية.
بل هم يرون الشر كل الشر في هذا الحكم الوليد الذي ظنوه للوهلة الأولى لن يخرج من قبضتهم، وأن سيره في طريق "الديمقراطية" كان يعنى انسلاخه من هوية الوطن الإسلامية... وأنهم بالتدريج يستطيعون أن يضعوه على قبلتهم العلمانية، لاسيما في حالة الضعف الشديدة التي يعانيها البلد في أعقاب ثورة على نظام أفسد كل شبر فيه.
لكن "ساكن القصر" بدأ مستقلاً واعيًا للفوارق بين بناء أمته من جديد بقرار مصري خالص، وبتبادل المصالح مع الأصدقاء، وبين أن يستسلم لتبعية من نوع جديد، تحل له مشكلاته وأزماته الطارئة، شريطة أن يظل مرهونًا بالعجلة الغربية مع مكافأة بسيطة وهي الانتخابات الحرة التي ستأتي بأي فصيل... ﻷنه لا يهم من ستأتي به هذه الانتخابات طالما ارتهن الوطن من جديد بقرار الدول الكبرى.
وفي ظل هذه المعركة الشرسة سترى فرقاء عديدين صورهم النسق القرآني في تحويل القبلة.
أما الفريق اﻷول فهو (من ينقلب على عقبيه)
ذلك الذي يضعف إيمانه بثورته ووطنه بسبب آلام البدايات، وستسمع من يقول "أين أيام مبارك"... لمجرد اللعب على وتر الأزمات، وستجد من يقول "كانوا حرامية ولكن حكامًا أشداء"، وستجد من يقول "إللى مش قادر يحكمها يسيبها".
وهؤلاء نوعان: الأول مصدر ترويج مثل هذه العبارات اليائسة، وهم رؤوس الفتن في كل العصور.
ونوع آخر لا حيلة له، من الغلابة والمطحونين والمستورين الذين أنهكهم الظلم ويترقبون الفرج.
وينبغي "لصاحب المشروع اﻹصلاحي" أن يثابر، ولا يتأثر بهذه الصيحات فهي مرتبطة بالتحولات الكبرى، وأنت لا تستطيع أن تقنع البسطاء أبدًا بأهمية هذه التحولات في وقت يفقد فيه بسببك ضرورات حياتية كالكهرباء والوقود.
ولكن الأهم أن تعرف أن هذه طبائع البشر، وأن حامل المنهج يرى الضوء البعيد الذي تقصر أعين البسطاء عن رؤيته.
واﻷكثر أهمية ألا تتركهم نهبًا للفقر والعوز، وأن تكون بجوارهم طيلة الوقت تدفع عنهم ما استطعت من غوائل الأيام.
وأما الفريق الثاني فهو (ما تبعوا قبلتك)
وهو فريق قد تلبسته عقائد سياسية وأيديولوجية ومصلحية، غير تلك التي تؤمن بها أنت.
وإذا كان من المنطقي أن يكون "الإسلاميون" هم أصحاب المنطق السائغ الوحيد؛ لأنهم نابعون من هوية الوطن الأصيلة والأصلية، إلا أن "الشغب الأيديولوجي" لن يتوقف عن إعلان العداء.
ويكفيك نظرة على الحرب الدائرة على رموز الدعوة حتى تنهار رمزيتها في قلوب الناس، بل انظر إلى فرحتهم لمظاهرات نظرائهم في "تركيا"... تلك التي بدلت أقلامهم في وصف "التجربة التركية" وقائدها "أردوغان".. التي كانوا يُعيّرون بها "الرئيس" لعظمة إنجازاتها، ولكن تتبدل الكلمات لتنطق زورًا... فيصل اﻷمر ﻷن يسميها أحد كبارهم "اللاتجربة التركية".
وتفتح "جريدة الشروق" صفحاتها للمذيع الفكاهي المشهور ليقوم بالتنظير السياسي، والذي يفاجئنا بخوفه الشديد من قدوم الإلحاد!
ثم ينصحنا- بعد كلام غث كثير- أن نفتح له الوطن باعتبار أن كل طرق المنع ستؤدى إلى انتشاره وسيغزونا في أبنائنا وبناتنا..!!
يا له من مدافع عن الهوية وعن الدين وعن الوطن... ويا له من ذكي رأى أن كل وسائل توطين الإلحاد قد فشلت في مصر، فرأى أن يدخل من باب "محاربة الإلحاد"، و"حماية الأمة منه"، وذلك عبر تركه يترعرع ويظهر!!... ألم أقل لك (ما تبعوا قبلتك).
ثم سترى فريقًا ثالثًا وهم (يكتمون الحق وهم يعلمون)
ولكي ترى هذا الفريق يكفيك أن تنظر إلى معركة "وزير الثقافة" ضد الفساد، أليست هذه هي وكر الخيانة؟... أليست هي من امتلأت بالأقلام والعقول التي ضللت الأمة وأحاطت الحكم البائد بالحماية الثقافية والإعلامية؟... نعم بالطبع.
فلماذا- إذن- تجد "رفاق الثورة" من العلمانيين وقد هبوا لحمايتهم من "الوزير"؟
وقال: ع "الأسواني" بلسانه- منذ أيام- ويصرخ بأنها فعلاً وزارة غارقة في الفساد؟
لكنه كتم الحق... وقال: لكن المشكلة أنهم يريدون عزل الفاسدين وتمكين أتباعهم "الإخوان"…. أي كلام!
وهب أنه أتى باﻹخوان.. أليسوا أقل سوءً- على اﻷقل– من هؤلاء الغارقين في الوحل؟
وأنت وأنا نعلم أن "الأسواني" وضرباءه موقنون بأن هذا باطل وليس حقًا... وأن الحق هو أن "الوزير" في معركة حقيقية مع الفساد في أخطر قلاعه؛ وهي "قلعة العقل والوجدان".
ألم ترُعْهم الملايين التي تغدق على متعطلين مناكير يزعمون أنهم أرباب اﻹبداع؟
ألم يصدمهم- كما صدمنا- هذه الرموز المشتراة بالمال، والتي كنا جميعًا مخدوعين فيهم؟
الجواب أن العلمانيين- حتى ولو كانوا ثوريين- رأوا أن المسافة بينهم وبين فلول النظام الفاسد أقرب من المسافة مع أركان النظام الحالي؛ الذي يدركون تمامًا أنه جاد في بناء صرح ثقافي حقيقي يمثل اﻷمة.... من أجل هذا لم يستحوا أن (ينكروا الحق..... وهم يعلمون).
ولكنك في النهاية سترى فريقًا يتصدى لكل هؤلاء وهم (فلا تخشوهم واخشوني):
تلك الفئة المعنية بالصمود وتحمل مسئولية هذا التكليف الكبير.. تكليف "التحول"، وهي الفئة التي وعد الله بإتمام النعمة عليها وهدايتها إلى توفيقه.
وهي الفئة التي ينبغي أن يسعى "أنصار الرئيس" اليوم لتوسيعها بالعمل والصبر وعدم اليأس؛ فكل المخلصين ينبغي أن تظلَّهم مظلة الانتماء "لمشروع الاستقلال الوطني".
وعلى الفئة القليلة الصابرة أن تحتضن كل مخلص، وألا يشرد عن الاصطفاف الوطني أي إنسان في قلبه مثقال ذرة من وطنية.
وعليهم واجب أهم في أن يواجهوا الناس بكل ثقة أن هذا النظام جاء لمصلحتهم، وأنه مهما توالت الأزمات فإنه على الشعب أن يصمد لينال نتائج الغرس الذي يغرسه "النظام"…... فلطالما انتظر هذا الشعب وعودًا من رؤساء سابقين ولم تتحقق.
ولطالما وُعد بأحلام استحالت كوابيس…
والآن نحن في لحظة "الغرس" الحقيقي... في هذه اللحظات لا ينبغي أن يتخلف واحد عن بذل الغالي والنفيس.
وأن يستلهموا تاريخهم ليعلموا أن الذين عرفوا الحق وأنكروه ليسوا أهلاً لأن نصدقهم في المستقبل.
وأن الذين يتحملون المشاق والتجريح وتجرع اﻵلام في سبيل الله من أجل شعبهم هم المستأهلون لقيادة شعبهم.
30/6 سيشهد بإذن الله توجه "مصر" إلى هويتها من جديد، وإلى نهضتها بعزم أكيد، وسيفتضح أهل النفاق والمصالح.... وقد اجتمعوا في صعيد واحد ليسقطوا مرة واحدة .
قد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود... فأبشروا.
-----------