لا يمكن لمنصف محايد أن يصف ما حدث في مصر يوم 3 يوليو بغير أنه انقلاب عسكري دام مكتمل الأركان وواضح وضوح الشمس في رابعة النهار، غير أن بعض معتادي التزوير وقلب الحقائق يحاولون تسويقه على أنه امتداد لثورة 25 يناير واستجابة لرغبة شعبية.

 

فبكل أسف تناسى هؤلاء رغبة الشعب التي عبَّر عنها في العديد من الاستحقاقات المختلفة بدءًا من الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011م، وحتى الاستفتاء على الدستور، كما تناسوا الجماهير الغفيرة التي خرجت مؤيدة للشرعية الدستورية وانحازوا لفئة معينة ودعموها في تعمد مشين لإهدار الإرادة الشعبية، وكأنهم يعاقبون الشعب على خياراته وأنهم أعلى من الشعب وأوعى منه.

 

فهل الجماهير الغفيرة التي ارتكن إليها أباطرة الانقلاب العسكري، والتي تسابقوا في المبالغة في عددها هي السبب الرئيس في القيام بهذا الانقلاب أم أن هناك أسبابًا أخرى لا يريدون الإفصاح عنها؟! وهل لم يروا الجماهير الحاشدة التي ملأت الميادين لتأييد الشرعية الدستورية والتي ما زالت في تزايد مستمر وتفوق أضعاف ما ركنوا إليه في انقلابهم المشئوم؟

 

إن السبب الحقيقي في هذا الانقلاب هو إفشال المشروع الإسلامي وإجهاضه هو والتحول الديمقراطي والتمهيد لترسيخ حكم دكتاتوري، وهو ما عبَّر عنه المستشار الجليل طارق البشري في مقاله القيم "الصراع القائم الآن هو بين الديمقراطية والانقلاب العسكري"، وهو قد وصف ما حدث بأنه انقلاب عسكري مكتمل الأركان في تصريحٍ سابقٍ له.

 

فما حدث هو انقلابٌ على كل ما هو ديمقراطي وتسليم البلاد لمن فشلوا في نيل ثقة الجماهير مرات ومرات وانحياز للتيار العلماني الفاشل ضد التيار الإسلامي الذي نال ثقة الشعب في كل الاستحقاقات التي تمَّت. فكلما يتم الشعب بناء مؤسسة ما بطريقة ديمقراطية يتسابق الفاشلون شعبيًّا في إفشاله بكل الطرق؛ بدءًا  من حل مجلس الشعب والشورى وتعطيل الدستور ومحاولة إقصاء الرئيس الشرعي المنتخب في انقلابٍ عسكري غاشم، وما صحبه من إغلاقٍ لفضائيات واعتقال شرفاء الوطن والتضييق على النشطاء الإسلاميين وملاحقتهم بمختلف الوسائل، وبلا أي سند قانوني حقيقي في ظلِّ تلفيق واضح لتهم باطلة.

 

فأين من طالب بالدولة المدنية في حين أن مَن ألقى بيان الانقلاب "عسكري وشيخ وبابا"، وأين مَن طالبوا بالحريات من إلغاء الديمقراطية والاعتقالات وإغلاق وسائل الإعلام وملاحقتها؟، وأين مَن طالب بعدم تكريس السلطات في يد الرئيس المنتخب من تكريس كل السلطات في يد رئيس غير شرعي ومعين ويصدق فيه وفيمن عينه "من لا يملك أعطى مَن لا يستحق"، وأين هم من استخدام البلطجة والعنف لإرهاب المواطنين من التعبير عن رأيهم المؤيد للشرعية. فهم بكل أسفٍ تسابقوا في تبرير ما حدث على أنها إجراءات استثنائية ضرورية، هكذا نكصوا على عقبهم وباعوا كل القيم والمبادئ التي تشدقوا بها لعشرات السنين فقط لكرههم للمشروع الإسلامي وأصحابه.

 

وهم مَن ثاروا على إعلان دستوري للرئيس المنتخب لتحصين مؤسسات الدولة والمسار الديمقراطي ولم نسمع لهم صوت على كل الإجراءات الاستثنائية والفاشية التي تتخذ الآن في استهداف واضح للتيار الإسلامي.

 

ومحاولة بعضهم الدفع بالطائفية البغيضة لواجهة المشهد وتغذيتها بلا أدنى حس وطني لخطورة فتح هذا الملف على مصر واستقرارها وأمنها القومي. فهذا لعب بالنار التي ستحرق كل من أشعلها بإذن الله.

 

بل وأين هم من الدماء الطاهرة المسالة على أرض مصر المباركة وبرصاص الجيش والشرطة، في مذبحة يندى لها الجبين بالاعتداء على المصليين الساجدين، فلم نسمع لهم إدانة أو مطالبة بمحاسبة أحد أو سحب شرعية من أحد، فالحقيقة بكل وضوح أن هؤلاء جميعًا جبنوا عن تحميل الجهات المسئولة عن الجريمة لأنهم لم يستطيعوا معارضة ومواجهة "البيادة" بكل أسف، فانكفئوا لتقبيلها.

 

إن الديمقراطية وتداول السلطة عبر الصندوق الانتخابي هي أساس عملية التحول الديمقراطي وما استقرت عليه كل الديمقراطيات في العالم فإذا بجهابذة الفشل الشعبي يكفرون بها وينقلبون عليها عندما تأتي بغيرهم، وخاصةً إذا كانوا إسلاميين، وكأنَّ الديمقراطية لا بد أن تأتي بهم وبما يرون وإلا فليذهب الوطن والمواطن إلى الجحيم.

 

فالآن لا دستور ولا مجالس تشريعية منتخبة ولا رئيس منتخب ولا أي من آليات الديمقراطية ولم نجد أي ممن يدعون بالنخب أو الساسة أو الإعلام يصرخ أو حتى يعترض أو حتى يتكلم فقط فهم إذن الدكتاتوريين وهم رعاة البلطجة السياسية ورعاة بلطجية القتل والتخريب، وهذه هي الحقيقة المرة.

 

إنَّ الرئيسَ الشرعي المنتخب وهو رهن الاحتجاز الجبري أقوى من الانقلابيين الذين خانوه ونكثوا بإيمانهم، فالحق اﻷعزل أقوى من الباطل المدجج بأعتى اﻷسلحة التي لا يمكن أن تحول الباطل لحق ولا الظلام لنور ولا الظلم لعدل ولا الدكتاتورية لعدالة ولا القيود لحرية.

 

إن التجارب التاريخية والسنن الكونية أثبتت أن الحق أبقى من الباطل، وأن الشعوب أبقى من جلاديها، وأن مصير جميع الانقلابات العسكرية الفشل الذريع، فلا يمكن الالتفاف على إرادة الشعب وسرقتها وتشويهها فحكم التاريخ أقسى وأشد من الانقلابيين الغاصبين.

 

كلنا ثقة بنصر الله وبإعادة الشرعية الدستورية وبتصحيح المسار وبإعادة الرئيس الشرعي المنتخب وبإعلاء قيمة الإرادة الشعبية وباستعادة حق الشعب في اختيار مَن يمثله عبر انتخابات حرة ونزيهة، لا أن يأتي بالتعيين كل "عبده مشتاق "ليحتل الكرسي محمولاً على الدبابات وسابحًا في بحور الدم الطاهر الذكي لرجال مصر الأطهار.

 

لا يمكن لأي قوى أن تتحدى الإرادة الشعبية مهما امتلكت تلك القوى من أسلحة وعتاد، فالشعب بسلميته أقوى من منها جميعًا.

 

سنقاوم الظلم والطغيان والتجبر والغدر والخيانة بسلمية وتحضر وبإعلاء قيمة الإرادة الشعبية وكلنا ثقة في ربنا وفي شعبنا ومنهجنا الوسطي السلمي (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ).