انخُدع ملايين من المسلمين فى مصطفى كمال أتاتورك بعد النصر المزعوم- الذى هلل له الغرب- على اليونان، وزعموا أنه استرد مجد تركيا بعد أن تمرد على قوات الاحتلال ورفضه ما أملته على تركيا من شروط قاسية فى معاهدة "سيفر"، وفى مصر والعالم العربى استقبل الناس هذه الانتصارات المزعومة بالتهليل والتمجيد، فيقف أمير الشعراء أحمد شوقى موقفا ايجابيا من أتاتورك وينشأ له قصيدته:
لله أكبر كم في الفتح من عجب ** يا خالد الترك جدد خالد العرب
حذوت حرب الصلاحيين في زمن ** فيه القتال بلا شرع ولا أدب !
ولكن سرعان ما اكتشف الناس خداعهم فى مصطفى كمال أتاتورك الذى كان بالأساس صنيعة استعمارية صليبية، ماسونية، صهيونية، جاء ليقوم بدور رسم له بدقة متناهية وهو إلغاء الخلافة الاسلامية التى استمرت قرابة 13قرنا إلا من بضع سنوات بعد اجتياح التتار لبغداد عام 656هـ ، بعد ذلك وجدناه يلغى ما هو إسلامى فى تركيا وسلخها من تاريخها الإسلامى المشرف،وحكم الشعب التركى بالحديد والنار والإرهاب، وقد أغرى أتاتورك بأفعاله العديد من قادة الجيوش المراهقين الذين حذوا حذوه فى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتكررت سلسلة من الانقلابات العسكرية التى حكمت الشعوب بالحديد والنار، وزرعت الشقاء وكان أكثرها دموية وشقاء فى مصر، والعراق، والجزائر، وتونس، وسوريا، وموريتانيا، وليبيا، ومازالت الجيوش فى هذه الدول تسير على النهج الكمالى بالحقد على الإسلام وتراثه ومنهجه، تقف له بالمرصاد، تسير عقيدته على اتخاذ العلمانية ديناً بديلاً عن الإسلام ..لذلك يقف الجيش فى هذه بالمرصاد لكل تجربة ديمقراطية تتخذ حضارة الأمة المتمثلة فى الإسلام منهجا حياتيا.
ومثال على ما حدث فى مصر فى 30/6/2013، إذا خرج فصيل معارض يحتج على نظام الرئيس محمد مرسى وهو موقف سياسى بالأساس كان يجب أن التعامل معه سياسيا ، ولكن قائد الجيش أراد أن ينهى الأمر لفصيل فشل أن يكسب ود الشعب فى أكثر من التزام ديمقراطى خلال عامين، وهو نفس الفصيل الذى صدعنا بانحيازه للديمقراطية والدعوة إليها خلال العقود الأخيرة ودوما ما اتهموا التيار الإسلامى بأنه العدو اللدود للديمقراطية ولما رضخ الإسلاميين للديمقراطية وجدناهم يكفرون بهذه الديمقراطية التى أتت بغيرهم .. وكذلك وجدنا كهنة الدعوة إلى الديمقراطية يراوغون ويفسرون المفاهيم الثابتة السياسية على أهواءهم المريضة، لينسلخوا من أستاذيتهم للعلوم السياسية إلى التبشير بالعلوم السيسية.
وجدنا إعلاميو البيادة يشبهون قائد الانقلاب الأخير بالرئيس جمال عبدالناصر، لمجرد القبض على رموز الأخوان المسلمين، ويكتب أحدهم وهو من عبيد القذافى فى مصر، تحت عنوان "ضربة معلم"، وللعلم أن جمال عبدالناصر خلال حكمه لم يقتل فى سجونه نصف ما قتل فى ثلاث أسابيع من عمر الانقلاب الأخير حيث وصلت ضحاياه إلى 500شهيد وأكثر من سبعة آلاف مصاب، لم نرى جمال عبدالناصر يحاصر المساجد ويقتل الساجدين بداخلها ويطلق عليهم القنابل المسيلة للدموع ويحاصر المصلين بداخلها لأيام ، ثم يقتحم بالجنود المدججين بالسلاح وبالأحذية ويتم القبض على المحاصرين والمصابين وإيداعهم السجون..وجدنا ناصر يلجأ إلى المساجد فى بداية حكمه حينما وقع العدوان الثلاثى 1956، ويصعد منبر الأزهر معلنا الجهاد ضد الغزاة .
لم نجد جمال عبدالناصر يناشد أمريكا للضغط على خصومه السياسيين، ولم نجده يتصل يوميا برؤساء أمريكا المتعاقبين المصرى: الجنرال أيزنهاور، وكيندى، وجونسون يومياً يطلعهم على الشأن .. فهو فى الظاهر كان يعادى أمريكا ويعادى الاستعمار ويعادى إسرائيل، لم نجده يرسل بنائبه إلى إسرائيل بصحبة قادة كبار فى الجيش المصرى، ولم نجده ينسق مع الكيان الصهيونى لتعقب ما يسمى بالجماعات الإرهابية فى سيناء.
والعجيب أن "المطبلطية" من إعلامى البيادة والعسكر يتجاهلون هذا من أجل تمرير مصالحهم فنجد الحزب الليبرالى العريق الذى اكتوى فى الماضى من العسكر وتعرض قادته للقهر والعسف والسجن بدء من زعيم الأمة النحاس باشا، وإبراهيم فرج، وفؤاد سراج الدين، ومحمد صلاح الدين .. نراهم يدفعهم حقدهم على الأخوان الذين تعاونوا معهم أيام حكم مبارك، فأيدوا حكم العسكر تحت زعم أن الشعب طلب مهم التدخل لعزل مرسى ،ولم يستح السكرتير العام المساعد لهذا الحزب الليبرالى المزعوم، أن يخلع على قائد الانقلاب النعوت مما يؤكد أن ما حدث هو انقلاب فج مهما برروا ومهما راوغوا فقال بعد حواره مع الواشنطون بوست : " أن السيسي " فعلا " غير طامح في السلطة فهو صادق في تصريحاته، ويكفيه فخرًا الشعبية الجارفة والحب الذي ناله من كل أطياف الشعب بعد 30 يونيو لانحيازه لإرادة الشعب الذي طالب بإسقاط الإخوان بعد فشلهم الذريع في إدارة البلاد مشيرًا إلي أن الجيش حمي الشعب في ثورة 25 يناير وانحاز لإرادة الجماهير الحاشدة في 30 يونيه، وأضاف أن السيسي بعد 30 يونيه، أصبح رمزًا وزعيمًا ومن الفطنة والذكاء أن ينأي بنفسه بعيدًا عن صراع السلطة والرئاسة فهو يكفيه حب الناس له أكثر من السلطة والمال وغيرهما، وأشار الخولي أيضًا إلي أن تصريحات السيسي لصحيفة "الواشنطن بوست" كشفت العلاقة القوية بين الولايات المتحدة وجماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا بحق على حد زعمه عملاء لأمريكا والصهاينة لتنفيذ مخططاتهما بالمنطقة، وأن الإخوان خدموا الأهداف الإسرائيلية والأمريكية أثناء فترة حكمهم والدليل علي ذلك موضوع سيناء."
هذا هو ناصرهم المزعوم الذى نكب الاقتصاد بعد بضع أسابيع من انقلابه فخسر بعد ثلاثة أسابيع 120مليار جنيه، ووجدناه يقتطع من رواتب الموظفين تحت مزاعم دعم الاقتصاد، ولم يحتج على الدولة المارقة التى أذاعت على قنواتها تبرع بمائتين درهم لتكفل أسرة مصرية، ولو حدث هذا أيام مرسى لوجدنا هؤلاء الموظفين يخرجون للشارع يضربون ويتظاهرون، لأنهم كانوا يتكأون على عدل مرسى ونظامه الديمقراطى.. أما فى العصر الحالى فهم يخافون من بطش البيادة ومن تهمة الإرهاب، ونرى صحف الانقلاب التى تأتيها الأخبار من دهاليز الأجهزة الأمنية (تصهين) على هذه الكوارث وتكتفي بإبراز مواهب قائد الانقلاب كل يوم ويتحمل المواطن هذه التكاليف من ضرائبه وأمواله ولا أحد يقوى على الاحتجاج.
وبالرغم من هذه المقارنة بين ناصر الأمس وناصر اليوم إلا أننا لا نعفى الأول من الكوارث التى حدثت فى عهده ومن المظالم والهزائم وأبرزها نكبة 1967التى ما نزال نعانى منها إلى اليوم ولكن لجانا إلى هذه المقارنة لنعرف من الذى صنع مزيدا من الكوارث؟!!!