1 - مدخل: المحاولات كثيرة..
كثيرة هي المحاولات التي حاولت فحص أبعاد الشخصية المصرية، اضطلع بعبئها عدد كثير من علماء علوم مختلفة، يقع في القلب منها علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ وعلم الحضارة وعلم الفلسفة.
ولا تزال أسماء كثيرة استطاعت أن تسبر غور هذه النفس المصرية العظيمة من أمثال الدكتور الساعاتي والدكتور عبد الواحد وافي والدكتور زكي نجيب محمود والدكتور محمد عمارة والدكتور يحيى الصاوي والدكتور جلال أمين وغيرهم.
ومع تقدير منطلقاتهم المختلفة بحكم تنوع اختصاصاتهم، فإن ثمة اتفاقًا عبروا عنه جميعًا، واستقر حقيقة علمية ثابتة تقرر أن الشخصية المصرية تطير بجناحين جامعين هما:
أ- جناج التدين والإقبال على الله تعالي وتقدير عطاء السماء.
ب- جناح الإبداع والإقبال على الحياة وترجمة ذلك إلى صورة منجزات حضارية ومادية متنوعة.
وقد كان ذلك ممن اتفق على إقراره ناتج تأمل عميق لتاريخ هذه الشخصية العبقرية العظيمة..
2- للميدان كلمة داعمة
والتحرك ميدانيًّا على أرض رابعة العدوية تعيين كاشف عن أدلة دامغة تؤكد هذه الطبيعة المتدينة والمبدعة للشخصية المصرية، وفيما يلي محاولة لالتقاط العلامات التي تدلل على ذلك:
أولا– تنامي مظاهر التدين الإيجابي على أرض الميدان، وهي مظاهر ضاربة بجذورها في عمق الوجدان المصري وهي مظاهر لم تقف عن حدود العبادات بمعناها الضيق المتمثل في طقوس الصلاة أو الصيام أو إلقاء التحيات وما شابه، ولكنها تعدت إلى التدين بمفهومه الأخلاقي والحضاري الذي تمثل في الإيثار والتواد والتعاون والتسامح والتراحم بشكل عجيب ومدهش.
لقد استطاعت الفكرة الدينية مع تنوع تياراتها ومذاهبها، أن تساعد على تعايش ملايين المعتصمين من دون تشاحن أو ما دونه وهم قد جاءوا من بيئات ومحافظات ومستويات تعليمية مختلفة، مما يعكس القدرة الهائلة للفكرة الدينية الإسلامية على خلق مجتمع متماسك ومتآلف ومسالم.
ثانيا– تطور المنجز الحضاري المادي
لقد ابتدأ المعتصمون أمر اعتصامهم بخيم بدائية ربما بإحساس فطري أولي يقول إن الاعتصام لن يطول ومع تبدل هذا الإحساس تطورت الخيم لتبني من ألواح خشبية وأعمدة حديدية بمقاييس هندسية تراعي قدرًا معقولا من التهوية وباتساع مناسب يستوعب عدد من يقيمون فيها.
أضف إلى ذلك أمر تطور الحمامات التي بدأت بدائية اعتمادًا على توصيلات سريعة الأنابيب بلاستيكية مع إعادة تدوير زجاجات المياه الفارغة الكبيرة ليصنع منها حمامات للتبول وقد تطورت ليحل محلها حمامات أخرى مبنية من غرف معدنية على هيئة أكشاك تليفونية معروفة.
ومن جهة أخرى استطاع المعتصمون صناعة مخدات أسطوانية من الإسفنج وتوزيعها على المعتصمين للنوم.
إن هذا البعد الحضاري المادي كاشف بدرجة مذهلة عما يتمتع به العقل المصري من قدرة فائقة على الإبداع لدرجة اختراع المعتصمين طائرة صغيرة حاملة للكاميرات لتصوير أعداد المعتصمين في الميدان بعد حالة التعتيم الإعلامي الانقلابي ضده.
ثالثًا– تنامي مظاهر البعد الإنساني، ولعل أظهر ما كان لتجليات هذا المحور كان هو المستشفى الميداني.. ففيه قصص إنسانية رفيعة المستوى تقدر الألم الإنساني وتحنو عليه وتسرع في التخفيف عنه.
رابعًا– تنامي مظاهر الإقبال على الحياة
وهي سمة أصيلة تميز الشخصية المصرية وتدفعها دفعًا إلى الإبداع، ومن مظاهرها إقامة الملاهي وتنظيم دورات للألعاب الرياضية وإقامة خيمات للفنون القولية مثل خيمة الفهامة، الأمر الذي تطور ليتحول إلى منتدى ثقافي.
إن المصريين يدهشون العالم ويسترجعون في ظروف بالغة القسوة تاريخًا من الحضارة والعبقرية والإبداع.
----------------------
كلية الآداب / جامعة المنوفية
رئيس دار الكتب والوثائق القومية المستقيل