هذا العنوان مقتبس من كتاب لأستاذنا المستشار الدكتور علي جريشة- رحمه الله- كتبه بعد خروجه من معتقلات الهالك قائد انقلاب 1952م، وقد كان أول معتقل من الإخوان يحصل على تعويضٍ من الدولة بسبب ما طاله من عنتٍ وتعذيبٍ حتى شارف على الموت، وهو القاضي الجليل والوطني الشريف.
وقبل التعويض الذي حصل عليه جريشة، فإنه استنطق المحكمة التي حكمت لصالحه بإدانة هذا العصر البائد، عصر عبدالناصر ورجاله من العسكر، الذي قضى على كل معاني الوطنية والانتماء لدى المصريين؛ حيث أعلنت المحكمة- باسم الشعب- براءة البلاد من هؤلاء المجرمين، وناشدت رئيس الجمهورية أن يأمر بهدم وإزالة مبنى السجن الحربي "الذي سيظل- ما بقي قائمًا- شاهدًا على إذلال الشعب وتعذيب أبنائه، ومشيرًا وقبرًا لذكريات قضية أليمة مؤسفة حزينة، وأن يأمر بإقامة منشآت اجتماعية وثقافية فوق أرضه".
واليوم، وبعد نحو ستين عامًا، يحاول الأغبياء تكرار التجربة نفسها، التي رصد مآسيها الفظيعة الدكتور علي جريشة وغيره كثيرون في عشرات الكتب، وقد بانت نتائجها على حال بلدنا الذي لم تعد له قدرة على النهوض، وقد استكثروا عليه الخروج من هذه الهوة السحيقة، إذ بعدما اختار الشعب رئيسًا مدنيًّا شرع في استرداد قوة البلاد وعافيتها، تكالبوا عليه وسجنوه، وحاكموه ولاحقوا أنصاره والوطنيين من أبناء الأمة بالقتل والسجن والتنكيل.
ورغم قسوة وفظاعة ما فعله الأغبياء القدامى، فإنه لا يرقى بحالٍ إلى ما يقوم به الآن أغبياء اليوم، صحيح المدرسة واحدة والعقلية هي العقلية، لكن ما يحدث اليوم يفوق ما يفعله الأعداء، حتى بت أعتبر ما يقومون به احتلالاً وليس انقلابًا سياسيًّا كما يصوره البعض.
إن الذي يحرق الجثث، ويشوه معالمها ويلقيها في القمامة بعد كنسها بالبلدوزرات ليس إنسانًا- بكل مقاييس الإنسانية- بل هو حيوان بلا عقل، بل الحيوان أرحم وأرق، فالأبقار والجواميس تدافع بحوافرها عن صغارها، والقطط والكلاب تدافع عن أجرائها بشراسة، فإذا احتدم الخطر نقلوها بأسنانهم إلى مكان آمن، وهكذا باقي الحيوانات، إلا هؤلاء فقد قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوةً، أو هم كالأنعام بل هم أضل.
والذي يحرق بلده لصالح العدو، نظير منصب أو جاه أو حظوة، هو بلا شك أبو الأغبياء الضالين، وهل وجدت أغبى من فرد يقاتل شعبًا بأكمله، صحيح لديه قوة وعتاد ورصاص، لكن هل باستطاعته استخدام هذه القوة طوال الوقت؟!، ألا يعلم هذا الغبي أن كل قطرة دم تسال تضيف رصيدًا كبيرًا إلى قوة شعبه، وتدق- في المقابل- مسمارًا في نعش حكمه؟!
الأغبياء الجهلة؛ فاقدو البصيرة، من لا أمانةَ لهم.. لا يقرأون التاريخ، ولا يعرفون شيئًا عن ناموس الله فى كونه، ويتصورون- لفرط غبائهم- أنهم يحسنون صنعًا، وهم- في الحقيقة- الأخسرين أعمالاً، وبم نسمى ما جرى من مذابح في: رابعة الأبية، النهضة، الحرس الجمهوري، رمسيس.. وغيرها؟!، هل هذه إنجازات يا (خير أجناد الأرض!!)؟!، وهل حبس النساء وتلفيق التهم الباطلة إلى الشريفات العفيفات، رجولة يا من يغنون لكم (تسلم الأيادي)؟!.. أنا أسمي هذا عارًا لن تمحوه السنون، بل أتصور أن ما جرى سوف ينقش في التاريخ نقشًا، يشير إلى ثبات وبطولة من وقعوا شهداء ومصابين وأسرى في تلك الوقائع، ونذالة وخسة وخنوثة من قاموا بهذه الأعمال المخزية التى لا يقوم بها إلا جاهل غبي منزوع الدين والضمير.
أقول للأغبياء: لو أنكم تحبون مصر- كما تدّعون- فخلوا بينها وبين بنيها، يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ويديرون شئونهم بمعرفتهم، وهم جديرون بذلك ولا يحتاجون منكم شيئًا.. أما إن أصررتم على البقاء فى الساحة بدباباتكم ومجنزراتكم، فاعلموا أن مصيركم الهلاك كالذين سبقوكم وكانوا أشد منكم قوةً وغباءً؛ ذلك لأن الله لا يرضى لعباده الظلم، ولا يقبل بأن يتسيد عليهم الجبابرة الطواغيت، وإن تسيدوا لفترة فهى الإمهال، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.. أسأل الله أن تكون دماء الشهداء لعنةً عليكم وعلى مَن (فوضوكم)، في الدنيا والآخرة.. آمين.