كانت دماء المجزرة التي قام بها الانقلاب العسكري الدموي الفاشي في ميداني رابعة والنهضة يوم 14/8/2013 لم تجف بعد، وكانت رائحة الحريق الذي أشعلته قوات الجيش والشرطة في أجساد الشهداء بعد قتلهم أو طبخهم حسب تعبير روبرت فيسك، لما تزل نفاذة؛ وخرجت تصريحات الملك السعودي تتجاهل الدماء والرائحة وتعلن تأييد الانقلابيين القتلة الدمويين، وتدعو إلى التضامن معهم ودعمهم أو حسب تعبير الملك "ليعلم العالم أجمع، بأن المملكة العربية السعودية شعبًا وحكومة وقفت وتقف اليوم مع أشقائها في مصر ضد الإرهاب والضلال والفتنة، وتجاه كل من يحاول المساس بشئون مصر الداخلية، في عزمها وقوتهاـ إنشاء اللهـ وحقها الشرعي لردع كل عابث أو مضلل للبسطاء الناس من أشقائنا في مصر. وليعلم كل من تدخل في شئونها الداخلية أنهم بذلك يوقدون نار الفتنة، ويؤيدون الإرهاب الذي يدعون محاربته، آملاً منهم أن يعودوا إلى رشدهم قبل فوات الأوان فمصر الإسلام، والعروبة، والتاريخ المجيد، لن يغيرها قول أو موقف هذا أو ذاك، وأنها قادرة ـ بحول الله ـ وقوته على العبور إلى بر الأمان. يومها سيدرك هؤلاء بأنهم أخطئوا يوم لا ينفع الندم".

 

صاحب الجلالة الملك لم يشر بكلمة إلى الدماء التي سالت على يد الانقلابيين، بل وضع الشعب المصري الذي يدافع عن الحرية والديمقراطية والإسلام في خانة الإرهاب والضلال والفتنة وفقدان الرشد، وتجاهل جلالته أن هناك أكثر من خمسة آلاف شهيد قتلهم الجيش والشرطة وأكثر من عشرة آلاف جريح بعضهم إصابته خطيرة، ونحو عشرين ألف أسير اعتقلتهم قوات الأمن لأنهم خرجوا يدافعون عن الإسلام والحرية والكرامة!

 

الانقلابيون الدمويون يا صاحب الجلالة ليسوا هم الشعب المصري، وقد جاءوا بانقلابهم لاستئصال الإسلام وشطبه من الوجود، والشعب حين قام بثورة يناير ضد الحاكم الطاغية، كان يسعى لتحرير إرادته وإسلامه، وصنع مستقبله عن طريق العدل والمشاركة الجماعية التي تحقق أفضل ما يحتاجه الناس، وتوفر عليهم كثيرًا من الخسائر والعناء. أعلم أن ذلك لا يروق لك ولا للطبقة الحاكمة في بلادك، ولكنه يروق لشعبك ويراه شعبنا ضرورة حيوية بعد ستين عامًا من الارتهان للاستبداد والديكتاتورية والطغيان والهزائم والخسائر والتخلف ومد اليد إلى محدثي النعمة والحقراء، ولذا استغربت أن تنشط حكومتك في دعم الانقلاب على الشرعية وإرادة الشعب ودستوره ورئيسه بصورة غير مألوفة، بل إن وزير الخارجية السعودي يدافع عن الانقلابيين القتلة ويرى أن ما فعله الانقلابيون هو انتفاضة شعبية أو حسب تعبيره: انتفاضة 30 مليون مصري لا توصف بأنها انقلاب عسكري، فالانقلابات تجري تحت جنح الظلام. وهو كلام عجيب من الوزير الذي لا تسمح حكومته– أي حكومتكم- بالتظاهرات، ولا نعلم من الذي قام بتعداد المنتفضين وتأكد أنهم ثلاثون مليونًا، وعلى فرض صحة كلام معاليه فليته تأمل الجانب الآخر، ورأى ميادين القاهرة والمحافظات وهي تضم عددًا أكبر ممن زعم أنهم يمثلون انتفاضة شعبية. ثم هل يقبل وزيركم الموقر أن يحدث لكم ما حدث للرئيس المصري الشرعي المنتخب بالأغلبية الديمقراطية؟

 

هل يرضى وزيركم الموقر أن ينهض وزير الدفاع أو وزير الداخلية في السعودية لتغيير القيادة القائمة التي حصلت على بيعة الأمراء والكبراء، ويضع حاكمًا يروقه ويحركه وفق هواه؟

 

لكم يا صاحب الجلالة أن تكرهوا الإخوان المسلمين كما شئتم، ولكن ليس لكم أن تحاربوا الإسلام بمصر تحت مسمى محاربة الإرهاب، فالملايين التي خرجت تدافع عن حريتها وكرامتها وإسلامها لا يمكن أن تكون إرهابية وضالة وصانعة فتنة وفاقدة للرشد كما أشرت في تصريحك العدواني الذي تناقلته وسائل الإعلام يوم 16/8/2013 على نطاق واسع.

 

إن استئصال الإسلام في مصر غير ممكن، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تنال منه مهما تسلحت بالمال والرصاص الحي والإعلام الكذوب وفي مقدمته قنواتكم العبرية وصحفكم الأمنية، لأن أهل مصر يفهمون الإسلام فهما يقوم على العدل والإحسان وإيتاء ذي القربي، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهو فهم يختلف عن الإسلام الذي يكتفي بتقصير الثوب وإطالة اللحية وتكميم الأفواه واعتقال المعارضين ووضع أموال المسلمين في بنوك الأعداء، وموالاة الغزاة الصهاينة وحماتهم الأمريكان والغربيين.

 

لقد نشرت وسائط الإعلام تصريحات لممثل سياسة المملكة، وهو رئيس المخابرات السعودي بندر بن سلطان؛ تؤكد مفهوم الإسلام في المملكة، وهو مفهوم مدمر وبعيد عن طبيعة الأخوة الإسلامية وإقامة الدين على النحو الصحيح. لقد كشف بندر المقرب من المخابرات الأميركية والموساد في لقائه مع رئيس خدمة الاستخبارات السرية البريطانية (Mi6)، السير روبرت جونساورز، تفاصيل ما قامت به السعودية لكبح جماح المد الإسلامي، بعد ثورات الربيع العربي، والخطط التي قامت بها السعودية للقضاء على السلفيين والإخوان المسلمين في آن واحد، وكيفية دفعها بحزب الله للمشاركة في الحرب على سورية لتوريطه؛ حيث أكد رئيس جهاز الاستخبارات السعودية أن بلاده ترسل السلفيين إلى سوريا ليقتلوا، مؤكدًا أنهم بطبعهم يتمنون الموت. وأضاف بندر،أن السعودية تمكنت من جر جماعة الإخوان المسلمين إلى صراع مسلح حتى يتم القضاء عليهم، موضحًا أن المملكة العربية السعودية تمكنت من توريط حزب الله في الحرب السورية، حيث يصبح حزب الله في مواجهة مع العالم السني أجمع، بالإضافة إلى دفع الجيش السوري إلى حرب أهلية، مؤكدًا أن كل هذا تم برعاية الاستخبارات البريطانية بشكل مباشر. وأن هذه الإجراءات الإقليمية التي قامت بها السعودية في الشرق الأوسط تحظى باستحسان بريطانيا وجميع حلفاء الصهاينة في فلسطين المحتلة وأن "المساعدات المالية السعودية توفر هامشًا آمنًا للكيان الصهيوني".

 

وأضاف بندر رئيس جهاز الاستخبارات السعودية: "أن أمريكا والكيان الصهيوني تجاوزا الربيع العربي، بسبب إدارتنا ومساعداتنا المالية، حيث يعيش الكيان الصهيوني بأمان"، مستغربًا أنه بعد كل هذا يقول الكيان الصهيوني للسعودية مبتسمًا: هل ما زالت لديكم مشكلة الديمقراطية في السعودية؟

 

كنت أتمنى يا صاحب الجلالة أن تقف إلى جانب الشعب المصري بدلاً من الوقوف إلى جانب الانقلابيين العسكريين الدمويين، وكنت إلى وقت قريب أظنك رمزًا للعربي الشهم الذي يرى أبعد مما يراه الآخرون، ولكنك تبدو للأسف قد تراضخت بحكم السن والمرض ومستشاري السوء لوجهة نظر بندر بن سلطان حبيب اليهود والأميركان، ثم تصورت أن الأمر استتب للانقلابيين الدمويين فراح وزير خارجيتك يهين الشعب المصري كله في تصريح بذيء للفوكس نيوز؛ حيث طلب من المصريين أن يكفوا عن مد أيديهم لطلب المساعدة من السعوديين!

 

يا صاحب الجلالة مصر المسلمة كبيرة بأبنائها وعطائها، والانقلاب لن يبقى إلى الأبد!