يحكي جلال أمين في مقاله بـ"الشروق" 21/9/2013 عن أبيه أحمد أمين رحمه الله، قصة وقعت أحداثها منذ سبعين عامًا، كان في الحادية عشرة من عمره، ولكنه ما زال يذكر بعض تفاصيلها بوضوح: "كان أبي (أحمد أمين) كاتبا مرموقًا، اشتهر على الأخص بكتبه عن تاريخ الحياة الفكرية في الإسلام، وقد شبه هذا التاريخ بتطور يوم كامل، فسمى الجزء الأول فجر الإسلام، والثلاثة التالية ضحى الإسلام، ثم أربعة أجزاء بعنوان ظهر الإسلام، ولخصها كلها في كتاب واحد أخير سماه (يوم الإسلام)"..
وبعد أن يصف أباه بالعالم والمؤرخ الكبير، والرجل الحكيم وكان من سمات الحكمة عند أحمد أمين (في رأيه) أنه كان يعلق أهمية كبيرة على أثر تطور الظروف الاجتماعية على سلوك الناس وأفكارهم ولهذا كان يرى، ضرورة "الاجتهاد" في تفسير الدين، أي ضرورة أن يواكب تفسير قواعد الدين، هذا التطور في الظروف الاجتماعية.
ويشير إلى مقال نشره الشيخ حسن البنا في جريدته حوالي عام 1946 يثني فيه على مؤلفات أبيه عن تاريخ الإسلام ويدعوه للانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين.
وكان رد أحمد أمين رفض العرض في أدب، وأضاف أن رأيه (الذي عبر عنه في مناسبات مختلفة بعد ذلك) أن جماعة الإخوان المسلمين كان يجدر بها أن تقتصر على نشر الدعوة للإسلام، والعمل في مجالي الأخلاق والخدمة الاجتماعية، وأن يبتعد عن السياسة، لأن إقحام الدين في السياسة يفسد السياسة والدين على السواء.
هذه القصة تعضد موقف جلال أمين من رؤيته لعمل الإخوان المسلمين، وهي وجهة نظر مقبولة على كل حال ومن حق الإخوان أن يأخذوا بها أو يرفضوها، ولكن جلال أمين يوظفها لإقصائهم عن الحياة العامة من خلال الحديث عما يسمى جواز استخدام الخطاب الديني في الدعاية السياسية... وهذا جوهر مقاله، ويحسب له أنه لا يشعر بالارتياح لفكرة حل الجماعة التي يطالب بها بعضهم الآن بعد الانقلاب العسكري الدموي الفاشي في الثالث من يولية الماضي، وإن كان يؤيد بشدة ضرورة الإصرار على أن تلتزم الجماعة بحدود الدعوة الدينية والعمل في مجالي الأخلاق والخدمة الاجتماعية، ولا يستسيغ أن تستخدم الخطاب الديني في الدعاية الانتخابية وفي تأييد مرشح ضد مرشح آخر، كالذي رآه من استفتاء مارس 2011، مرورًا بانتخابات مجلس الشعب في السنة نفسها، ثم في انتخابات رئيس الجمهورية في 2012، وفي خطب وتصريحات الرئيس المنتمي للإخوان المسلمين وقادة الجماعة في السنة التالية لانتخابه.
والمشكلة لدى جلال أمين والنخبة العلمانية على تعدد مشاربها وغاياتها أنها تنظر للإسلام نظرة غربية تحوله إلى مسألة شخصية ترتبط بأربعة جدران هي جدران المسجد، ويظن بعضهم أن عالم الدين الإسلامي هو نفسه رجل الدين غير المسلم الذي يملك صلاحيات مطلقة تسمح له بالحرمان والغفران، وهو ما يجافي حقيقة العقيدة الإسلامية التي تجعل التكليف منوطًا بصاحبه وحده، حيث العلاقة مباشرة بينه وبين ربه لا وسيط فيها، ثم إن المفهوم العقدي الإسلامي يؤصل لفكرة الشمول الديني ورفض الفصل بين ما هوزمني وما هو ديني " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" (الأنعام: 163), والحقيقة التي يتجاهلها كثير من الكتاب أن استخدام الخطاب الديني في الدعاية الانتخابية لم يخرج من المساجد بقدر ما خرج من الكنائس، وكانت البداية في استفتاء 19 مارس 2011 حيث وجه رجال الدين غير المسلمين أتباعهم لرفض الإعلان الدستوري لأنه من وجهة نظرهم يؤسس لعصر الجزية من جديد! وترتب على ذلك نزول أتباعهم بكثرة غير مسبوقة في الاستفتاء وبقية عمليات التصويت الأخرى.
الخطاب الإسلامي مرتبط بالنظرة الإسلامية إلى مفهوم السياسة بصفة عامة، فالسياسة في المفهوم الإسلامي جزء من الحركة اليومية الواقعية والمستقبلية ويصعب فصلها عن المعتقد والتصور، والتراث الإسلامي الذي تناول مفهوم السياسة منذ بدء الدعوة الإسلامية يؤكد على حضور التصور الإسلامي في سلوك المسلم كله سواء تعلق هذا السلوك بالعمل اليومي أو بالعبادة، وقد عرف ابن سينا السياسة تعريفًا مدهشًا حين وصفها بأنها علم تدبير المنزل، وهو تعريف يحقق منتهى الواقعية وعمق الاعتقاد في آن واحد، كما يستجيب لفكرة الاجتهاد التي طرحها أحمد أمين وآخرون قبله وبعده، ولكن من منظور الثوابت والمتغيرات، فثوابت العقيدة راسخة مثل فروض الصلاة والزكاة والصيام والحج على سبيل المثال، وهناك أمور وأحوال وأحداث مستجدة أو لم يرد فيها نص قاطع عرف علماء الدين وفق أسس علمية متفق عليها كيف يجتهدون فيها وفق مصالح الناس.
المشكلة الخطيرة التي تتنافى مع حقوق الإنسان وللأسف يدعو لها جلال أمين في سياق تأييده للانقلاب العسكري؛ هي إقصاء الإسلاميين، بل إقصاء الإسلام من الحياة العامة، وهو أمر ينقلنا إلى التفكير العنصري الفاشي (الآبرتايد) الذي مارسه البيض في جنوب إفريقية بكل قبحه وبشاعته. لا أدري هل يمكن أن أقصى البعثيين المصريين الذين ينتمي إليهم جلال أمين أو كان ينتمي إليهم من العمل السياسي بحجة أنهم عنصريون فاشيون؟ إن حزب البعث السوري أو العراقي يرى أنه يملك الحقيقة المطلقة وفقًا لاجتهاده البشري الذي لا يمكن مقارنته بالوحي الإلهي، فهل يمكن إقصاء أتباعه، ومنعهم من العمل السياسي كما يري جلال أمين إقصاء الإسلاميين؟ إنه يتهم الإسلاميين باحتكار تعريف شرع الله، وهو اتهام غريب روج له بعض الماركسيين منذ عقود طويلة.
هناك كما قلت ثوابت توافقت عليها الأمة منذ أربعة عشر قرنًا، ولا يمكن لأحد أن يدعي احتكارها، وهناك مذاهب تتيح للناس فرصة اتباعها والأخذ بما يروقهم وييسر عليهم العبادات والمعاملات وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي (المخالفة في الفروع) ولا يقدح في ذلك أن يأتي شخص أو أشخاص حُرموا نعمة التفقه في الدين لنأخذ منهم-خطأ- علامة دالة على الإسلام كله والمسلمين كلهم. ثم إن المجتمع يموج بعشرات الجمعيات والجماعات الإسلامية التي يهتم كل منها بجانب من الجوانب الإنسانية أليس ذلك دليلاً على رحابة الفكر الإسلامي وتفتحه؟
في الكيان الصهيوني يمنحون المتدينين المتشددين فرصة العمل والحركة والوصول إلى الكنيست وتشكيل الحكومة، والإصغاء إلى آرائهم وأفكارهم، وفي النهاية يحتكمون إلى التصويت أو الصندوق! عندنا يريدون أحزابًا موالية للعسكر وأجهزة الأمن فقط ولو كانت لا تمثل إلا الأقليات وحدها.
إن إقصاء الإسلاميين عن الحياة العامة من أكبر الجرائم العنصرية الفاشية التي اقترفها الانقلاب العسكري، واستبعاد أغلبية الشعب المصري لحساب الأقليات عمل مشين بكل المقاييس، وقد أدان العالم المتحضر بل العالم الثالث الانقلاب العسكري الذي لا يمكن الدفاع عنه باتهام الغرب ووسائل إعلامه بالتحامل والعداء للشعب المصري وتأييد الخطاب الديني المتعصب, ورحم الله أحمد أمين.