ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- الذي أقرته الأمم المتحدة ووقعت عليه مصر- على الحظر المطلق للتقييد التعسفي لحريات الأفراد في المادة التاسعة تحت نص "لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا"، وهو ما رأته مصر فور انقلاب 3 يوليو الأسود، وما ترتب عليه من جرائم أخرى لتقنين الاعتقال السياسي وفق هوي الانقلاب وقائده وعشيرته!.
وطالت الاعتقالات السياسية التعسفية، رئيس الجمهورية المنتخب ورئيسي مجلس الشعب والشوري، وقيادات سياسية بارزة ومخضرمة واستمرت حتي الان دون دليل قانوني، وبتكرار فاضح في الاتهامات، حتي وصلت الاعداد بحسب آخر التقديرات الحقوقية إلى 12 ألف معتقل سياسيا، كلهم يحملون صفة المعارضة للانقلاب وتضم قامات سياسية واعلامية وحقوقية وعلمية ومهنية ومجتمعية بارزة .
ومن النكبات التي تسبب فيها قائد الانقلاب مؤسس العلوم "السيسية"- والتعبير للدكتور سيف الدين عبد الفتاح -، انه لم يكتفي باهدار حقوق الانسان والغائها خاصة للمعتقلين المناهضيين للانقلاب، ولكن حول مراكز حقوق الانسان الي مراكز عقوق للانسان، واجبرها علي مخالفة ابجديات حقوقية مستقرة عالميا، وهو ما ظهر جليا في قضية المعتقليين، حيث تنفي المراكز الحقوقية اليسارية والليبرالية في مصر وجود اي حالات اعتقال في مصر طبقا للمفاهيم "السيسية، وهو نفي مشين وغير اخلاقي أو حقوقي ولا يمت للحقيقة بصلة وثبت كذبه .
وكان اعتقال الحقوقيين البارزين خلف بيومي مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، وعبد المنعم عبد المقصود مدير مركز سواسية لحقوق الانسان، وملاحقة بعض الحقوقيين المتمسكين بالحقيقة والحقوق وبعض اعضاء هيئة الدفاع عن المعتقليين والصحفيين والاعلاميين الداعمين للحريات، رسالة واضحة في هذا السياق لمن يريد أن يختار بين الدفاع عن الحقوق وبين الخضوع، في مصر.
أضف إلى ذلك اصدار سلطات الانقلاب الي قانون جائر يسمح بمد الحبس الاحتياطي للمعتقليين المناهضيين للانقلاب والمؤيديين للشرعية، بحيث يقنن الاعتقال السياسي ويغير اسمه، ليكون بمصر اعتقال سياسي بـ"نيو لوك" جديد تحت عنوان "الحبس الاحتياطي " الي مالا نهاية، وهو في حقيقته حبس سياسي تعسفي هو والاعتقال السياسي سواء ولكن بتغيير في الاسماء.
ولم يتوقف الأمر علي ذلك، فكان عدم قيام النيابة العامة بمهامها في التفتيش علي السجون ومقارات الاحتجاز والتدقيق في القرارات التي تصدرها وابعادها عن التسييس، عاملا مساعدا في انتشار الانتهاكات ضد المعتقلين السياسين وارتقاء شهداء في مجزرة سجن ابو زعبل ووفاة العديد من المرضى المعتقلين جراء الاهمال الطبي المعتمد والتعسف في مد الحبس دون مبرر قانوني.
وبات الظلم مركبا، حيث لم يستهدف الانقلابيون المعتقل السياسي ذاته فحسب، بل يستهدفون معه راصد الانتهاكات الحقوقي، والمحامي المدافع عن المعتقليين، والصحفي الفاضح للانتهاكات "الاعلامي شريف منصور فاضح الانتهاكات في موقعة مسجد الفتح كمثال "، بالاضافة الي القضاء الذي رفض بعض اعضائه ما يحدث وطلبوا الذهاب للمنصة بعيدا عن النيابة .
ولقد أحسن المعتقليين السياسيين صنعا عندما اعلنوا عن الاضراب الجزئي عن الطعام في سجني وادي النطرون وابو زعبل ضد المد الفوضوي للحبس الاحتياطي "السياسي"، في استحضار لمعركة "الأمعاء الخاوية" التي نازل فيها الاسري الفلسطيين اعداء الانسانية في الاراضي المحتلة اشد المنازلة، وفي اصرار واضح علي التمسك بالحقوق ورفض القمع الانقلابي الغاشم .
ولعل الرسائل التي تسرب من السجون ومقار الاحتجاز، تكشف عن روح صمود قوية، في مواجهة انتهاكات عتية، يجب التصدي لها فورا، والعمل علي وقفها كلية، وهو ما لن يتأتي الا بتضافر الجهود الحقوقية والقانونية والقضائية والشعبية الثورية، كل في مكانه، رفضا للانقلاب العسكري المناهض للحقوق والحريات واستقلال القضاء والقانون حتي اسقاطه واعادة الشرعية، وهو أمر اقترب وعلاماته تتزايد يوما بعد يوم.
لم يطل عمر نظام قمعي، خلفه سجون مسيسة ومكتملة العدد، تضرع بالدعاء عليه وتضرب عن الطعام ضد القمع والغباء، وقد تختلف النهايات لقادته الا ان المشهد الأخير يدل علي أن الجزاء من جنس العمل .
فتحية اجلال وتقدير لرهائن مصر في سجون الانقلاب، الصامدين المضربين عن الطعام من اجل الحرية، المسطرين لتاريخ وطني مجيد، المشاركين في ثورة وطن يتحرر خلف الاسوار، وكل الداعمين لهم في القضاء ومراكز الحقوق في الداخل والخارج، والهيئات القانونية .
وبقيت كلمة ..
إن صبر المعتقليين خلف الاسوار وصمودهم ينبغي ان يواجه بصبر اكبر وصمود أشد من الثوار الاحرار والثائرات الحرائر، فالمعارك متوازية ومتصاعدة، والسلك الحاجز في السجن والشارع خلفه عصابة جبانة ومرتعدة، تري قرب النهاية والانحسار كما يري الثوار قرب الحسم والانتصار، والله غالب على امره ولكن قادة الانقلاب لا يعقلون!.
-------
* منسق حركة صحفيون من اجل الإصلاح.