إن السياسة عند محترفيها تعني فن تحقيق الممكن، ويرتبط بها مجموعة من القيم الزائفة، مثل "الذرائعية- الغاية تبرر الوسيلة- المصلحة أولاً- ازدواجية المعايير.. إلخ"؛ مما يعني أن السياسة عندهم تعد صراعًا بين المبادئ والمصالح داخل النفس والجماعات والمؤسسات.


ومن هنا تتضح لنا حقيقة مواقف القوى السياسية الداعمة للانقلاب والذين تحكمهم المصالح لا المبادئ، ورأينا حجم المتحولين بعد الانقلاب العسكري، وتساقط الأقنعة عن الكثير ممن خدعنا فيهم، ومن فضل الله أن الإخوان كفكرة ورسالة، وكجماعة وحزب، لم تلزم نفسها بهذا التعريف السطحي للسياسة، ولم تخض يومًا هذا الصراع بين المبادئ والمصالح عند ممارسة السياسة، بل كانت تميل إلى تعريف السياسة بأنها فن تحقيق المستحيل؛ حيث إنها تبنى على قاعدتين أساسيتين (التكتيك الإستراتيجي- مراعاة المبادئ) كمحصلة لتحقيق المستحيل ضمن مراحل متحركة وثابتة تحكمها مبادئ وقيم راسخة، ومن أجل ذلك قبل الإخوان النزول لانتخابات الرئاسة، وقدموا د. محمد مرسي في محاولة لإنقاذ مصر من براثن السياسة الخادعة لحكم العسكر وأذيالهم، رغم أنهم يدركون أن قيادة مصر في هذا التوقيت يمثل انتحارًا سياسيًّا، ولكن فقه الواقع المستنبط من ضوابط الشرع ومصلحة مصر العليا ومواجهة الدولة العميقة كل ذلك فرض على الإخوان النزول، وهدفهم من ذلك تحقيق السياسة الشرعية والتي هي "سياسة الأمة بما لا يخالف الشرع"، ومن هنا آمن الإخوان بالإسلام عقيدة تحكم توجهات المسلمين ومنهجًا شاملاً لكل جنبات الحياة ونادوا بإقامة الدولة الإسلامية التي تسعى لإعلاء كلمة الله في الأرض.
ويشهد التاريخ أن دعوة الإخوان المسلمين نادت منذ نشأتها بالرجوع إلى الإسلام، وإلى تطبيق الشريعة الإسلامية في واقع الحياة، ووقفت متصدية لسياسة فصل الدين عن الدولة ومنابذة موجــة المد العلماني في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، في الوقت الذي كانت فيه بعض القوى الأخرى تعزل الدين عن ممارسة العمل السياسي وتجرم ممارسته، وتحرم التنظيم وتقبل أن تعيش كالنمل في جحورها وتستسلم لما رسم لها من غيرها، في حين أن جماعة الإخوان انتهجت سياسة ثابتة منذ نشأتها، وكانت أدبياتها تشهد بأنها تتميز بالبعد عن هيمنة الكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب، فلا سيطرة لأحد من هؤلاء على الجماعة ومبادئها، وهذه السياسة هي التي جعلت الجماعة تتعرض لكل محاولات الإقصاء والإبعاد والقضاء عليها، فقد حاولت المؤسسات والحكومات والمنظمات السيطرة والتأثير على الإخوان وتسييسها وفق منظوماتها بالإغراء والمغانم تارة وبالإساءة والتشويه تارة أخرى وبالحصار والتضييق تارة ثالثة، إلا أن الإخوان كانوا يستعصون عليهم جميعا، ولم يستطع أحد- مؤسسة أو حكومة أو هيئة أو حزب- طوال ثمانين عامًا أن يحتوي الجماعة أو يسيطر عليها أو يغير من مبادئها وقناعاتها، مهما اعتقلوا الرئيس الشرعي أو مرشد الجماعة ومكتب إرشادها وقياداتها بكل المحافظات، يحكمهم في ذلك قوله تعالى "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم".


إن جماعة الإخوان كانت وما زالت عصية على كل تلك المحاولات سواء كانت سياسة العصا أو الجزرة، ولم يستطع أحد أن يغريها أو يفتنها بزخارف الحياة وشهوات السلطة، أو يخيفها بالقتل والإعدام أو السجون والاعتقالات أو الحظر والإلغاء، وتم لها ذلك بفضل الله عز وجل أولا، ثم بفضل المنهجية التي اعتمدتها الجماعة في ممارساتها السياسية القائمة على (ضوابط الشرع- الانسجام مع هوية الأمة- المؤسسية والعمل التنظيمي- نهج التربية- اعتماد الشورى- الوسطية والاعتدال- الاستقلالية- الحفاظ على مصالح الوطن العليا.. إلخ)، وتحقق للجماعة بفضل ذلك نوع من الامتداد التاريخي واكتسبت العديد من الخبرات طوال 80 عامًا قدمت خلالها الكثير من التضحيات وقوافل من الشهداء والمعتقلين، وتحقق لها الانتشار الجغرافي في أكثر من 80 دولة وأقبلت عليها جموع الشباب والتفت حولها جماهير الأمة العربية والإسلامية، ولا زالت تقود الشارع الثوري في مصر ودول الربيع العربي، وسيشهد التاريخ كما أن أبا بكر الصديق وقف أمام المرتدين، وكما أن صلاح الدين الأيوبي وقف أمام الصليبيين، فإن الإخوان وقفوا أمام الانقلابيين في مصر وحالوا بينه وبين استمراره في الحكم بإذن الله.


إنها رسالة نوجهها لكل جماهير الأمة ولكل القوى السياسية الإسلامية والعلمانية والليبرالية والوطنية، ولكل أجهزة الإعلام المتآمرة، وهي رسالة في المقام الأول للعسكر وقادة الانقلاب ومؤيديه ومفوضيه، حتى يعرف الجميع من هي جماعة الإخوان، ومفاد هذه الرسالة: إن جماعة الإخوان المسلمين- بتاريخها ومبادئها وقيادتها وأفرادها- خارجة عن الطوق وليست تحت السيطرة أو الإقصاء أو الحظر أو الإلغاء، ولن يقوى أحد على احتوائها أو التأثير فيها أو تهديدها أو تغيير سياستها أو مبادئها أو أن يجعلها تحيد عن أهدافها، ولن يقوى أحد على أن يجعلها تعيش كالنمل في جحورها، ولذلك فإن جماعة الإخوان ماضية في طريقها نحو تحقيق أهدافها العليا وتطبيق شرع الله ومناصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية واستكمال أهداف ثورة 25 يناير، واستعادة الشرعية الدستورية بعناصرها الثلاث (الرئيس والدستور ومجلس الشورى)، وشعارها في ذلك "وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المؤمنون".


أتمنى أن تصل الرسالة واضحةً وأن يستوعبها الجميع، فنصر الله قادم وقريب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.