"اختصار الأخطاء والعثرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيها شيء من الكسب لها, إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية.

 

إن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ- مهما يكن الخطأ جسيمًا وذا نتائج مريرة- لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها؛ فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة.

 

إنها في هذه الحالة- اختصار الأخطاء والعثرات والخسائر- تتقي خسائر مادية وتحقق مكاسب مادية ولكنها تخسر نفسها, وتخسر وجودها, وتخسر تربيتها, وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية؛ كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي- مثلاً- لتوفير العثرات والخبطات أو توفير الحذاء!" "الأستاذ/ سيد قطب بتصرف".

 

هذا الكلام كان تعقيبا على غزوة أحد وهو بمثابة التفسير لما حدث بمصر منذ 25 يناير وإلى الآن بعد أن لوّح الشعب بقبضته في وجه مبارك ونظامه ثم استُغْفِل بإسقاط الرأس دون الجسد الذي كان عفيًّا ويسيطر على مفاصل الدولة، في الوقت الذي لم يكن الشعب قد قويت إرادته وهضم التجربة الماضية لتصبح درسًا عميقًا يجب أن يحفر في ذهنه حفرًا لا يمحوه نصر عاجل أو انتصار طارئ.

 

وزاد الطين بلة تخليه عن ميدان التحرير وتقاعس الكثير عن إثبات حضوره وأنه صاحب الكلمة الأولى في هذا البلد، تاركين مصيرهم بيد نخبة فاسدة وإعلام مأجور قد صُنعا على عين أمريكا واليهود وحلفائهم في الداخل والخارج؛ يدفعهما حقد دفين لهذا الشعب وأسف على فقد الكنز الإستراتيجي وتم خداع الكثير بمهارة؛ فكان هذا بداية الشر والسطر الأول من المأساة التي كانت تنتظره.

 

وكان ما كان حتى وقع الانقلاب، وللانقلاب فوائد كما كتب الأستاذ: عامر شماخ ليرمي الناس من الآن سهامهم تجاه الهدف الصحيح وحتى لا يُخدعوا كما خُدعوا من قبل ليكون التغيير أسرع وكي لا تفشل الثورة أو تتضعضع مرة أخرى.

 

وما أشبه الليلة بالبارحة!! "فلقد كان هذا درسًا من دروس غزوة أحد الكبار وهو رصيد للأمة في أجيالها كلها؛ حيث كان الله يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم، فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية؛ فالطريق أمامهم طويل والتجارب أمامهم شاقة والتكاليف عليهم باهظة والأمر الذي يُندبون له عظيم.

 

ولقد كان الله سبحانه قادرًا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى، وبلا كد من المؤمنين ولا عناء وكان قادرًا على أن ينزل الملائكة تقاتل معهم- أو بدونهم- وتدمر على المشركين، كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط.

 

ولكن المسألة ليست هي النصر.. إنما هي تربية الجماعة المسلمة, التي تعد لتتسلم قيادة البشرية.. البشرية بكل ضعفها ونقصها; وبكل شهواتها ونزواتها؛ وبكل جاهليتها وانحرافها وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادًا عاليًا من القادة، وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق, وثبات على الحق, وصبر على المعاناة, ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية, وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف ووسائل العلاج، ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة، وصبر على الشدة بعد الرخاء، وطعمها يومئذ لاذع مرير!!.

 

فتلجأ إلى الله، وتعرف حقيقة قوتها الذاتية، وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله، وتجرب مرارة الهزيمة؛ وتستعلي مع ذلك على الباطل، بما عندها من الحق المجرد؛ وتعرف مواضع نقصها وضعفها، ومداخل شهواتها، ومزالق أقدامها؛ فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة، وتخرج من النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد، ويمضي قدر الله وفق سنته لا يتخلف ولا يحيد، وقد كان هذا كله طرفًا من رصيد معركة أحد، وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال المسلمين.

 

وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس رضي الله عنه فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم، وقالوا له: إن محمدًا قد مات؛ فقال لهم: "فما تصنعون بالحياة من بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (الظلال سيد قطب/ بتصرف).

 

فكأنه بدد سحب الهزيمة وأودع عقول وقلوب أصحابه فقه الإيمان والجهاد، قائلاً:

 

في يدينا يضيء هذا الزمان   ***   نحن فيه السطور والعنوانُ

إن خطونا فللمكارم نخطو  ***   أو نطقـنا فللخـلود بيــانُ

 

وليس من الجهد ما يُهدر ولكن النجاح قد يتأخر (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا).