بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على الانقلاب الدموي الغادر، تكشفت سوءات الانقلابيين وسوءات من ساندهم أو فوضهم أو حرضهم على حكم الإخوان، لم يعد هناك منطق يستند إليه كل من كان يدافع عن هذا الباطل الذي لبس رداء الحق وادّعى زورًا أنه المنقذ والمخلص.
أربعة أشهر مرت على المصريين كأنها الدهر، فالدبابات التي نزلت لتحمى- حسب زعمهم- شرعية الشعب، انتهكت حرمات هذا الشعب؛ حيث قتلت رجاله، واعتقلت نساءه، وخاضت في مناطق محظورة لم يكن يقترب منها أحد من قبل، فإذا جيشنا (الوطني!!) يكسر هذا الحظر، بل يبالغ في تجاوزاته حتى تصاغرت أمامه أفعال جيش الصهاينة مع الفلسطينيين، وانظروا إن شئتم ما فعله ضباط القوات البحرية مع فتيات الإسكندرية، وما يفعله الجيش- كل يوم- منذ الانقلاب مع أبناء سيناء الذين يعتزون بحرماتهم وكرامتهم كما لم يعتز بهما أحد.
بعد ثورة 25 يناير شعر الناس بقدر كبير من الحرية والكرامة الإنسانية، وانفتحت أمامهم طاقات الأمل من أجل التغيير، ومن أجل مستقبل يليق بأبناء أمتنا الأكرمين الذين ذاقوا الويلات حتى تمت هذه الثورة.. لقد عشنا ما يقرب من سنتين ونصف السنة في هذا الحلم الجميل حيث لم يكن هناك فراعنة من هذا النوع المجرم الذي رأيناه بعد الانقلاب، ولم يكن هناك تخلف كالذي نراه الآن والذي يتمثل في المحاولات المستميتة للعودة لعصور الظلام المشهورة بالكبت والاستبداد وتفعيل دولة المخابرات التي تحصى على الناس أنفاسهم وتعيش على التسول ومد أياديها لمن له شأن ولمن ليس له شأن.
أنظر إلى 30 يونيو على أنها (عورة) أظهرت أقبح ما فينا، وإذا كان الناس يفجرون الثورات للارتقاء بفكرهم وعيشهم، فإن هذه (الثورة المفتعلة) كانت حربًا على الفكر والعيش الكريم، وليدلني مؤيد لها ماذا فعلت بنا تلك الثورة حتى الآن، وماذا أنجزت؟!.. إنها بالفعل أنجزت الكثير والكثير، لكن في مجال الاعتداء على حقوق الإنسان، وبث الرعب والإرهاب في أنحاء المحروسة، أما في المجالات الاقتصادية والاجتماعية فحدث ولا حرج، خصوصًا ما أصاب البلاد والعباد من غلاء وبلاء لم نشهدهما من قبل.
مصر التي كانت فيما مضى تساعد أخواتها من الدول العربية، وتقدم لها أيادي العون والخبرة، صارت تستجدى فتاتها، وتنتظر تعليماتها، وصارت هذه الدويلات- على حقارتها- تحيك المؤامرات ضد كرام المصريين، وما كان لهذا أن يحدث لولا ما جرى في هذا اليوم الأغبر (30 يونيو) الذي جعل المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فصار سد النهضة مصدر خير لمصر، وصار (أمن الدولة) ضرورة ملحة، وصارت قوانين الإرهاب والتظاهر وغيرها غاية في الأهمية لحماية الشعب وصون الأمة.. إلخ هذه المضحكات المبكيات.
ولو بقى الحال على ما هو عليه- لا قدر الله- فسوف تتحول مصر إلى غابة لا مكان فيها للصالحين، بل البقاء سيكون للفسدة والإباحيين وعبد الطاغوت.. والأمل في الله- تعالى- ثم في أنصار الشرعية الذين قام هذا الانقلاب ووقعت تلك (العورة) من أجل تغييب صوتهم.. لا مفر من الوقوف في وجه هذا التيار المتخلف، وكسره، ومحاكمة أعوانه وأنصاره.. وإلا فإنها ستكون فتنة.. نسأل الله السلامة.