أول مراحل الثورة، والتغيير والإصلاح، وأقوى دوافعها، هو رفض الوضع القائم، ومطاردته والسعي لهزيمته.
وبرغم وجود كثرة في معظم المجتمعات تتمسك بالوضع القائم سواء لاستفادتها منه أو بدافع الاستسلام له وتردد دائمًا "خليك واقعي"، فإن الفئة المؤهلة لرفع لواء التغيير هي التي تتمتع بأكبر قدر من المثالية.
مثالية تستحضر القيم والمثل وتتعالى على صعوبات الواقع، وتعيش بكل كيانها حلم التغيير، وتخرق بأحلامها حجب الزمن، وترى التغيير الذي تتمناه، والقيم التي تسعى إليها كأنها واقعة لا محالة.
تمامًا كما عبر الزعيم الشاب "مصطفى كامل" عام 1907 في خطبة له أمام الجماهير المتطلعة للاستقلال في مدينة الإسكندرية: "نحن نرى من الآن هذا الاستقلال المصري، ونبتهج به، وندعو له كأنه حقيقة ثابتة، وسيكون كذلك لا محالة، ومهما تعددت الليالي وتعاقبت الأيام فإننا لا نمل ولا نقف في الطريق، ولا نقول أبدًا: لقد طال الانتظار".
هذه هي المثالية التي نتحدث عنها، روح متفائلة لا تعرف اليأس والقنوط، واثقة من نفسها ومن أمتها، وقبل هذا وبعده، واثقة من نصر الله لها لا يوهن عزمها تهديد، ولا وعيد، ولا سخرية، ولا خيانة.
وبرغم أن الحلم والخيال غذاء المثالية، إلا أن مثاليتنا لم تعد خيالاً وأحلاماً فحسب، بل صارت مثلاً حياً تتحرك على الأرض، جنود يزيدون يوماً بعد يوم، يسيرون في المقدمة، يرفعون الراية، يدفعون الثمن من دمائهم وأموالهم وأمنهم، رايتهم المرفوعة في وجه الظلم، تهدي الحائرين، وتحسم أمر المترددين، وتشجع الخائفين.. هؤلاء هم من يضع مستقبل الأمم وإن كانوا قلة.
فلو خضع الناس للواقع، وتركوا المثل والقيم، لما تقدم المجتمع البشري خطوة واحدة .
والأمم في مراحلها الفاصلة في طريق التغيير تحتاج إلى "مثالية متطرفة" ونعني بالمثالية المتطرفة، تلك المثالية التي لا تفرط في المبادئ، ولا تساوم عليها، ولا تنخدع بغيرها .
وهكذا كان قواد الأمم في المراحل الفاصلة من تاريخها.
فسيدنا أبو بكر الصديق الرجل الرقيق كان متطرفًا في مثاليته لدرجة أذهلت من حوله من أكثر الناس ثورية، كسيدنا عمر بن الخطاب، حين قرر محاربة المرتدين في مرحلة من أحرج ما يكون، وأطلق صيحته المعبرة عن قمة المثالية: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".
وهكذا كان "إبراهام لينكولن" يقرر خوض الحرب ضد الولايات الجنوبية التي قررت الانفصال اعتراضًا على سياسته المناهضة للرق والعبودية، وأعلنها صريحة أنه ماض في طريق إلغاء العبودية، وفي ذات الوقت يفضل الموت على أن تنفصل الولايات الجنوبية، ومن هنا قرر خوض الحرب حفاظًًا على وحدة الولايات المتحدة الأمريكية.
هكذا تكون زعامة الأمم في الفترات الحرجة، زعماء يملكون من المثل والقيم؛ ما يجعلهم ثابتين صامدين، لا يساومون ولا يتنازلون، ولا ينخدعون مهما كانت الصعوبات، وحتى لو كانوا خلف القضبان.
ومن وارئهم طائفة من الشعب، يواجهون الدبابة والمدفع، بمثالية القيم والمبادئ، ويواجهون كابوس الظلم والطغيان، بحلم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
والذي يراه الواقعيون بعيدًا، نراه قريبًا، والذي يرونه صعبًا، نراه ثمرة حان وقت قطافها، والمسافة التي تفصلنا عن قطف الثمرة صبر ساعة.