رغم تفكك الاتحاد السوفيتي السابق واستقلال دول الكومنولث الاثنتي عشرة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، فما زالت روسيا الاتحادية بمساحتها البالغة 17 مليون كيلو متر مربع، تحتل المركز الأول بين دول العالم من حيث المساحة.

إلا أنها تحتل المركز التاسع بين دول العالم في عدد السكان البالغ 5ر142 مليون نسمة، وبالطبع لا يقارن عدد سكانها بسكان العملاقين الصين والهند الذي يتجاوز المليار نسمة. فسكان الصين تسعة أضعاف سكان روسيا، وسكان الهند ثمانية أضعاف روسيا، وحتى أمريكا فإنها أكثر من الضعفين.

 

وينعكس ذلك بالطبع على قوة العمل التي تبلغ 75 مليون شخص بروسيا بينما تصل إلى 799 مليون شخص بالصين، ولعوامل أخرى تتصل بالإنتاجية، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بالعام الماضي 2 تريليون دولار، لتحتل المركز الثامن دوليًّا بعد أمريكا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا وإنجلترا والبرازيل، رغم انخفاض عدد سكان بعض تلك الدول عنها، مثل إنجلترا البالغ سكانها 63 مليون شخص، وفرنسا البالغ 64 مليون نسمة ونفس الأمر لألمانيا.

 

- وعلى صعيد التجارة السلعية الدولية تحتل روسيا المركز الثالث عشر، ليصل نصيبها النسبي من التجارة الدولية 3ر2% فقط، رغم احتلالها المركز الثامن دوليًّا في قيمة الصادرات السلعية الدولية، إلا أنها قد احتلت المركز السادس عشر دوليًّا في  الواردات السلعية.

 

وخلال العام الماضي حققت روسيا الاتحادية فائضًا تجاريًّا سلعيًّا بلغ 195 مليار دولار، وهو فائض متكرر بسبب الإيرادات الضخمة لصادراتها من البترول والغاز الطبيعي، فروسيا تحتل المركز الأول دوليًّا في إنتاج البترول الخام.

إلا أن استهلاكها المحلي الكبير منه جعلها تحتل المركز الثاني دوليًّا، في صادرات البترول الخام بعد السعودية، لكنها احتفظت بالمركز الأول دوليًّا في إنتاج وصادرات الغاز الطبيعي بل وفي الاحتياطي العالمي للغاز.

ولقد أدى الفائض التجارة السلعي الروسي إلى وجود فائض متكرر في ميزان المعاملات الجارية الروسي، إلا أن الميزان الكلي للمدفوعات به عجز خلال السنوات الأخيرة، وذلك بسبب العجز المزمن بالميزان التجاري الخدمي، وعجز ميزان دخل الاستثمار وعجز التحويلات وعجز الحساب المالي.

- وحين نستطلع التوزيع النسبي لمكونات الصادرات السلعية الروسية بالعام الأسبق، نجد الوقود والمنتجات البترولية يمثلون نسبة 70% من الصادرات السلعية، لتتدنى نسبة  المنتجات الصناعية والزراعية الأخرى ضمن الصادرات وبما يشير من ناحية أخرى إلى مستوى الصناعة للبلاد.

حيث بلغت نسبة المعادن والمنتجات المعدنية 9% من الصادرات، والكيماويات والمطاط 6% والآلات والمعدات ومركبات النقل 5%، والمواد الغذائية والمواد الخام الزراعية أقل من 3%، والأخشاب ولب الخشب والمنتجات الورقية 2% والأحجار الكريمة والمعادن النفيسة 2%.

- وهكذا تحتم طبيعة مكونات الصادرات تركيز التجارة الروسية على دول أوربا وآسيا، لإمداد الدول الأوربية المتعطشة للوقود بجانب من احتياجاتها، ولهذا فقد احتلت روسيا المركز الأول في صادرات الغاز الطبيعي بالأنابيب، والتي توصل غازها من خلالها إلى: ألمانيا وأوكرانيا وتركيا وبيلاروس وإيطاليا وبولندا وبلجيكا وفرنسا والتشيك، بينما تصدر الغاز المسال إلى اليابان وكوريا الجنوبية والصين.

ولعل ذلك يفسر أيضًا عدم وجود أية دولة عربية ضمن الدول الستة عشر الأولى التي تصدر إليها روسيا أو تستورد منها.

- ولقد أتاحت الفوائض من التجارة السلعية لروسيا تكوين احتياطيات من النقد الأجنبي بلغت 538 مليار دولار حتى العام الماضي، كما مكنها ذلك من الخروج باستثماراتها المباشرة  إلى دول أخرى، والتي بلغت 51 مليار دولار بالعام الماضي لتحتل المركز الثامن دوليًّا. لتصل قيمة أرصدة استثماراتها المتراكمة بالخارج 413 مليار دولار حتى العام الماضي.

- إلا أن الأوضاع الاجتماعية داخل روسيا لم تكن بنفس المستوى، حيث بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالي 12 ألف وسبعمائة دولار، لتحتل المركز الثاني والسبعين بين دول العالم،  وهكذا بلغت نسبة السكان تحت خط الفقر 7ر12%،

فى ضوء تركز الثروة، حيث يصل نصيب أدنى 10% من السكان  أقل من 6% من الدخل، بينما بلغ نصيب أعلى نسبة 10% من السكان  42% من الدخل.

- وكانت النتيجة أن مؤشر التنمية البشرية الذي يعده البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والذي يصنف الدول حسب حالة الدخل والصحة والتعليم، قد صنف روسيا  بالمركز الخامس والخمسين بين دول العالم بالعام الماضي، حيث أشار تقرير البرنامج الإئنمائي إلى أن نسبة الرضا عن نوعية الرعاية الصحية بروسيا بلغت 35%، ونسبة الرضا عن نوعية التعليم 38%، وبطالة الشباب 7ر15%، ومعدل التسرب بالتعليم الابتدائي 9ر3%.

ومن هنا لا نتعجب أن تشهد الموازنة الحكومية الروسية عجزًا بالعام الماضي، وإن كانت نسبته محدودة إلى الناتج المحلي، كما نجد الدين الخارجي الروسي قد بلغ 638 مليار دولار بالعام الماضي، مقابل 543 مليار بالعام الأسبق، أي أن الدين الخارجي يفوق في قيمته حجم الاحتياطيات من العملات  الأجنبية البالغة 538 مليار دولار.

- وكان الاقتصاد الروسي قد شهد انكماشًا نسبته 8ر7% عام 2009 مع الأزمة المالية العالمية، ثم دخل في هبوط متكرر لمعدل نموه، لينخفض معدل نمو الناتج الروسي من 5ر4% عام 2010، إلى 3ر4% بالعام التالي، ثم إلى 4ر3% بالعام الماضي، وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضه إلى 3ر2% خلال العام الحالي.

وهذا أيضًا يفسر الدعوات المثارة بالداخل الروسي بالاهتمام بالمحيط الجغرافي المجاور أولاً، وعدم الاستغراق في القضايا الدولية مثلما كان الأمر إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أي مثلما يقول المثل الشعبي "إللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع".

ولقد أوضح وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف عام 2004 الأمر صراحة حين قال "السياسة الروسية لا تدعم أيًّا من إسرائيل أو العرب، وأنها لا تكترث سوى بتحقيق المصالح الروسية"، كذلك يلاحظ وجود مصالح مشتركة بن روسيا وأمريكا وإسرائيل في مواجهة التشدد الإسلامي، مثلما حدث في موقف روسيا تجاه الإسلاميين في باكستان، ومن ناحية أخرى بسبب مخاوفها تجاه الإسلاميين في الجمهوريات الإسلامية في  وسط آسيا، وهكذا كان لروسيا علاقات تجارية مع كل من العرب وإسرائيل.

= وفيما يخص العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا، فخلال الربع الأول من العام الحالي، كان نصيب روسيا من إجمالي قيمة الصادرات المصرية 5ر1%، كما بلغ نصيب روسيا من قيمة الواردات السلعية المصرية نسبة 5ر2%، ليصل نصيب روسيا من التجارة الخارجية المصرية 2ر2% فقط.

وخلال العام الماضي احتلت روسيا المركز الخامس والثلاثين، بين الدول التي صدرت لها مصر، وبنسبة أقل من 1% من إجمالي قيمة الصادرات المصرية.

أما فيما يخص الاستثمارات الروسية في مصر فلعل عدم ورود اسم روسيا في بيانات البنك المركزي المصري الخاصة بالاستثمار الأجنبي المباشر خير برهان على تدني تلك الاستثمارات.

- ويبقى الجانب البارز في العلاقات المصرية مع روسيا، والمتمثل في احتلال روسيا المركز الأول بين السياح الواصلين لمصر بالعام الماضي، بنصيب 5ر2 مليون سائح يمثلون نسبة 22% من إجمالي السياحة القادمة لمصر، كما بلغ نصيبهم في عدد الليالي السياحية خلال العام الماضي 17% من الإجمالي محتلين المركز الأول أيضًا.

وكانت الخارجية الروسية قد حذرت السياح الروس من القدوم إلى مصر في أعقاب إعلان الطوارئ بعد الفض الدموي لاعتصام ميدان رابعة العدوية، وهو التحذير الذي تحاول حكومة الانقلاب تغييره، خاصة مع ما تردد عن استمرار شركات سياحية روسية في إرسال بعض الرحلات لمصر، في ضوء سياحة الاصطياف الشتوي التي يقوم بها الروس في  الغردقة وشرم الشيخ.

وفي ضوء العزلة التي تواجهها حكومة الانقلاب وتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة، تحاول حكومة الانقلاب تقديم بعض التيسيرات أو  التنازلات للجانب الروسي في  محاولة لكسر العزلة الدولية، وهي التيسيرات التي تسرب إعلاميًّا أكثر من شكل لها.

 وهي تسريبات وأشكال يمكن أن تهدد الأمن القومي  المصري، في ظل حكومة لا تهتم بالآثار السلبية المستقبلية لتلك التيسيرات أو التنازلات، سعيًا نحو تحقيق مكاسب آنية إعلامية، تساعدها على تخفيف أثر  المظاهرات  الداخلية الرافضة لها إلى جانب العزلة الدولية.

----------------------

Elwali.mamdouh@gmail.com