الكثير من الأسئلة باتت مطروحة بعد الانقلاب العسكري على العملية الدستورية والديمقراطية في مصر، حول السياسة الخارجية للدولة بعد عقود من موالاة الغرب وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها في الشرق الأوسط "إسرائيل".


فمصر منذ أواخر عهد الرئيس الراحل أنور السادات اعتبرت أن أوراق اللعبة السياسية في المنطقة مع أمريكا، واستمر الحال طوال سنوات حكم الرئيس حسني مبارك؛ حيث أصبحت مصر شبه مجمدة دوليًّا، على مستوى الفعل السياسي، ولا دور لها إلا في حدود المسموح والمرسوم لها دوليًّا من قبل القوى الكبرى.


وبعد فترة التراجع وانحسار الدور المصري وانعدامه تقريبًا في أي ملف خارجي حتى بالنسبة للقضية الفلسطينية التي تعد مصر طرفًا أساسيًّا فيها بحكم عوامل عدة. جاءت ثورة يناير لتفتح الباب على مصراعيه أمام دور جديد للدولة المصرية.


حيث اختلفت النظرة إلى هذه الدولة، بالضروة، إلى ما يمكن أن تمثله خلال الفترة التي ستعقب ثورتها، وتطلع شعبها لرسم سياسات تتوافق مع مزاجه، لا مزاج القوى الكبرى المسيطرة على نخبته الحاكمة بكل صنوفها.


ورغم غياب سياسة خارجية واضحة في عهد المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد إزاحة مبارك؛ لكونها فترة مؤقتة ومتوقعة نتيجة مرور البلاد بمرحلة انتقالية، وغياب الرؤية أو فقدانها لدى المجلس العسكري، إما بسبب انتماء أعضائه جميعًا لنظام مبارك وتأثرهم به، أو إحساسهم واعترافهم بأن وجودهم مؤقت وأنهم سيتركون الحكم لنظام جديد ديمقراطي يتواكب مع تطلعات الشعب المصري.


وفي العام الأول للرئيس محمد مرسي من مدته الرئاسية، بدأت تتبلور السياسية الخارجية للدولة المصرية وفقًا لتوجهات الرئيس المنتخب؛ حيث كان أساس هذه السياسة هو الاستقلال الوطني والانفتاح على جميع الدول وعدم الدخول تحت عباءة دول كبرى. وكان توجه الدولة والحكومة هو تحقيق الاعتماد على النفس في مجالات عدة أهمها الغذاء والسلاح والدواء، وهو ما بدأ يحدث بالفعل حتى ولو لم يكن بالمستوى المطلوب أو الانتشار الإعلامي الواجب لتغطية مثل هذه القضايا القومية، في ظل إعلام معادي للديمقراطية وممول من دول وقوى خارجية.


اتسام سياسة الرئيس مرسي الخارجية بالاستقلال والعمل للمصلحة الوطنية، والاتساق مع الشعب وتطلعاته ومزاجه العام، وتأكيده في أكثر من موقف على استقلال مصر وعدم خضوعها أو استمالتها لأي أطراف أو صراعات لا ناقة فيها ولا جمل، وتصريحاته التي مثلت بداية قوية للتأكيد على الهوية المصرية مثل تلك التي رددها في إيران عندما ترضَّى على الصحابة، أو تلك التي قالها في الأمم المتحدة عندما أعلن أننا- أي المصريين- نعادي من يعادي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.


كما تمثل ذلك في مواقفه الرافضة للعدوان الفرنسي على مالي بحجة وجود تهديدات إرهابية من جماعات مسلحة فيها تجاه فرنسا، إضافة لتعامله مع الثورة السورية من منطلق مسئول، لا هو عنتري أهوج ولا هو خياني للشعب المقموع منذ سنوات، على عكس تعامل بعض الدول والأنظمة العربية التي ما زالت ترزح تحت أنظمة حكم طاغية ومستبدة، تجاه نفس القضية.


كما كان لتطلع الرئيس مرسي إلى أن تكون مصر دولة ذات سيادة لا تتبع حلف أو قوة دولية، واتجاهه خارجيًّا تجاه دول آخذة في النمو ووضع مصر في سياق دولي جديد، أن يجعل كثير من الأطراف الإقليمية والدولية تشعر بالقلق، فالنظام الدولي لا يحتمل وجود قوة سنية جديدة مع تركيا، خاصة وأن التيار الذي يحكمها مقارب فكريًّا وإلى حد كبير، أو لديه بصوة من الصور ارتباطات مع جماعة الإخوان المسلمين التي تحكم مصر، وهي جماعة تقلق كثيرًا من القوى الدولية، بسبب عدم توقف مشروعها على الحدود السياسية لدولة معينة وإنما لعبوره الحدود القوميات ويقوم بالأساس على رابطة الدين.


كل هذه العوامل جعلت من الضروري إزاحة النظام الناشئ في مصر خوفًا من وجود تهديد حقيقي على الكيان "الإسرائيلي" في المنظقة، إذ لا يحتمل أن تكون الدولة الكبري المجاوة لـ"إسرائيل"، ذات تهديد مباشر أو حتى محتمل للدولة العبرية، بعد تواجد استمر عقود وسط شعوب كارهة لوجودها في المنطقة، وتطالب بحقوقها في أرض فلسطين المحتلة، إلا أن هذه الشعوب ورغباتها محكومة دومًا بطبقة من العملاء المباشرين لـ"إسرائيل" وموالين بالضرورة للولايات المتحدة.


ولما كانت الديمقراطية الحقيقية بالضرورة لن تأتي على هوى أي من هذه الأطراف والقوى الخارجية، فكان لا بد من تحريك عملائها في الداخل للاستيلاء على الحكم، وإعادة مصر إلى السياسية غير معروفة الملامح عديمة الجدوى خارجيًّا، والتي تدور دائمًا في فلك الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فما كان منها إلا أن أمرت قادة الجيش بالانقلاب على الرئيس المنتخب وإرادة الشعب المصري، ومحاولة تجميل المظهر بمسرحية أعدت سلفًا منذ فوز الرئيس مرسي للإطاحة به.


وما يثير الشفقة والاشمئزاز من النظام الانقلابي الخياني، إقدامه على سياسات خارجية ضد مصر ومصالحها، خاصة وأنه لم يحظَ بالاعتراف العالمي المقبول حتى الآن رغم قيامه بجهود غير مسبوقة للتسويق لصورته و طريقة اغتصاب السلطة من الشعب المصري.


هذه السياسات تمثلت في تقديم تنازلات أمنية غير مسبوقة لصالح "إسرائيل" في سيناء و السماح بدخول طائرات تابعة لها لشن غارات على مجاهدين، وحصار قطاع غزة حصارًا محكمًا وتدمير الأنفاق التي كانت تعوض نقص الأدوات المعيشية لسكان القطاع، والاعتماد على شركات "إسرائيلية" لتقديم الدعم الأمني لهئية قناة السويس، وأخرى لتسويق الانقلاب في الولايات المتحدة.


ومن هذه التنازلات أيضًا تأكيد رئيس وزراء حكومة الانقلاب، أن سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل لصالح مصر في تناقض واضح مع الحملة التي شنها الإعلام بالتعاون مع سياسيين من جبهة الانقاذ التي تحكم حاليًّا تحت غطاء الانقلاب العسكري ضد الرئيس مرسي ودون سبب واضح للحديث عن القضية وقتها.


وما يثير الامتعاض هو لجوء الانقلابيين إلى فكرة إخضاع الدولة إلى روسيا نكاية في الولايات المتحدة التي يروجون، كذبًا، أنها ضد الانقلاب، والتعامل مع رجل الشارع بترهات من قبيل "السيسي يحذر أوباما" أو "السيسي يهدد بنسف بارجتين أمريكيتين في البحر المتوسط إذا جاءتا لإنقاذ الإخوان" وغيرها من الأشياء التي لا مجال لها إلا مسارح العبث، و رفع عدد من المتظاهرين صورًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصورًا أخرى له بجانب صورة قائد الانقلاب.


و كان آخر مالحق رسميًّا بهذه التصرفات الشعبية العبثية، زيارة وزيري الدفاع والخارجية الروسي للقاهرة لعقد لقاء مع نظيريهما في حكومة الانقلاب المصرية، وترويج الإعلام الانقلابي لكون الزيارة خروج من العباءة الأمريكية وتهديد لها بعد أن جمدت جزءًا من المساعدات العسكرية لمصر.


وكأن قدر مصر في نظر هؤلاء هو الخضوع لقوة خارجية أيًّا كانت، نكاية في موقف دولة أخرى، وبقدر ما يمثل ذلك التوجه بالنسبة إليهم انتصارًا، فإنه في النهاية لا يمثل شيئا ذا قيمة، إذ لا تعتبر روسيا دولة ذات ثقل عالمي كبير كما كان يمثل الاتحاد السوفيتي، فلم تعد روسيا في الحقيقة قطبًا مضادًّا للولايات المتحدة، وإنما في الحقيقة هي دولة مثلها مثل غيرها من الدول التي تسعي لايجاد مركز عالمي لها كالصين واليابان والبرازيل والهند، ليس أكثر ولا أقل.


وإضافة إلى عدم قدرة روسيا على تقديم الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة والدول الغربية، فلا هي أصبحت مصدرًا للمال ولا مركزًا للعلم والتكنولوجيا، ولا مثالاً يحتذى للحرية ولا الديمقراطية.


الواقع يقول إن النظام الانقلابي يتجه بمصر إلى سياسة خارجية تتسم بالتقوقع والانكفاء علي الذات، بما يجعلها غير ذات تأثير في محيطها الخارجي، وتكون منصاعة لقرارت وتوجهات دول كبرى بما يحفظ ويأمن وجود قادة الانقلاب وإبعادهم عن المحاكمة، لكن الواقع على الأرض غير ذلك تمامًا.

-----------
* صحفي وباحث إعلامي
https://www.facebook.com/ahmed.k3oud