منذ اندلاع ثورات الربيع العربي والسياسة الخارجية الأمريكية تمر بحالة من الارتباك تظهرها تصريحات مسئوليها المتخبطة والمتضادة غالبًا مرورًا بتصريح البيت الأبيض عقب بيان 3 يوليو والذي أعلن فيه "أن رأيه حول ما حدث في مصر قد يستغرق بعض الوقت للإفصاح عن كونه انقلابًا عسكريًّا قام به الجيش من خلال وزير الدفاع أم لا..".
ثم توالت التصريحات التي لا تعبر عن وحدة الموقف الرسمي الأمريكي، ومن المعلوم مسبقاً أن القرار الأمريكي الرسمي يشترك فيه جهات عدة تصب كلها في البيت الأبيض أمام الرئيس الأمريكي منها البنتاجون أو "وزارة الدفاع" والسي آي إيه أو "وكالة الأمن القومي" والكونجرس أو "مجلسا النواب والشيوخ" ووزارة الخارجية.
و بقراءة تحليلية للزيارات والتصريحات التي صدرت من المسئولين الأمريكان منذ 3 يوليو الماضي وحتى التصريح الأخير لكيري وزير الخارجية عن- الثورة والإخوان والثوار- يتضح عدة نقاط ننوه عنها سريعاً...
• خصوصية المصالح الأمريكية فوق أي اعتبار ديمقراطي أو قانوني أو أخلاقي.
• فقدان الولايات المتحدة للإستراتيجية طويلة المدى في التعامل مع الشرق الأوسط بعد ثورات الربيع العربي.
• تورط الإدارة الأمريكية في الأزمة المصرية من خلال أحد أذرعها السابق ذكرها.
أما عن المصالح الأمريكية فملف "أمن إسرائيل" له الأولوية المطلقة، وقد لا تهم هذه الأولوية الشعب الأمريكي أو المنظمات الأهلية مثلاً، لكنه يهم شركاء صناعة القرار الأمريكي وخصوصًا البنتاجون وما تعنيه كلمة إسرائيل كأقوى حليف إستراتيجي له وخصوصًا مع غياب قواعد عسكرية أمريكية في هذا المربع الأفروآسيوي وأهميته من حيث:
1- الأوضاع الملتهبة وعدم الاستقرار السياسي في العراق ولبنان.
2- سوريا وعلاقتها بأطراف لا تلقى قبولاً مأمونًا لدى الأمريكان كونها حليفًا لروسيا وإيران من خلال حزب الله الشيعي اللبناني أو من حيث مستقبلها السياسي المجهول أو تحت التجهيز.
3- الحفاظ على إمكانية السيطرة على حق الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.
4- أفريقيا والتنافس المحموم من دول منافسة للأمريكان.
يلي البنتاجون في أهمية "أمن إسرائيل" الكونجرس وما لأعضائه من علاقات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل وكذلك جماعات الضغط وبعض المنظمات سواء الأمريكية أو الدولية، كما رأينا ذلك بوضوح في جلسة الاستماع بالكونجرس وكذلك بعض التصريحات هنا وهناك.
بعد ذلك تأتي وزارة الخارجية التي يفترض أنها تلعب دورًا دبلوماسيًّا تحاول أن تبرز فيه الأبعاد الثلاثة التي تتغنى بها الولايات المتحدة أمام العالم وبها نالت شرف النفوذ العالمي بعد الحرب العالمية الثانية من خلال احترامها للديمقراطية وما تعنيه من سيادة القانون والجانب الأخلاقي واحترام حقوق الإنسان، حتى ولو اعتبرنا الدور الدبلوماسي للخارجية غطاءً للدور الذي تغيب عنه هذه الأبعاد من جانب وكالة المخابرات الأمريكية الذي عادة ما يكون سرًّا أي من تحت الترابيزة.
وهذا ما أقصده من عنوان المقال أن جون كيري هو الوزير الحائر والمتخبط!!
ويكفى للتدليل على ما سبق ما قاله جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي في أحد تصريحاته.. "لو لم توجد إسرائيل لأوجدناها".
والأمر الثاني يبرز من كيفية التغلب أو الالتفاف على مادة في القانون الأمريكي تقف حائلاً أمام إهدار البعد الأخلاقي والديمقراطي وهذا ما أوعز به أوباما للكونجرس بإلغائها حتى لا تكون عائقًا في تحقيق مصالحهم.
إذن تصريح كيري يعبر عن حالة التناقض والتردد الذي يعيشه البيت الأبيض، بل ويعيشه هو نفسه، والسؤال هل مفهوم السرقة عندهم له معايير مختلفة تسيء لما يؤمنون به؟
فإذا كان جون ماكين السيناتور الجمهوري يعطي مثالاً للبطة والتي يعرفها كل البشر عندنا وعندهم أنها بطة، يقصد بذلك أن ما حدث في مصر يوم 3 يوليو هو انقلاب عسكري بما تحمله الكلمة وليس لها تفسير آخر، ما يجعلني أحيل السيد كيري أيضاً للقطة وليست البطة والتي قد تتشابه أيضًا في نطقها بالعربية والإنجليزية.
فكلنا نعرف أن هناك فرقًا بين أن تلقي أنت بالسمكة للقطة أو تخطفها هي من يدك!
في الحالة الأولى لن تهرب القطة بها بعيدًا عنك بل ستأكلها بجوارك وهي آمنة مطمئنة، أما في الثانية فستقفز بالسمكة بعيدًا في محاولة أن تكون في مأمن وستراها تتلفت يمينًا ويسارًا.
مثال "القطة والسمكة" يحدد مفهوم السرقة عند كل البشر إلا جون كيري، وفي نفس الوقت يوضح ما حدث في مصر هل هو انقلاب أم لا!!
وكذلك أفعال السلطة الانقلابية "القطة" بعد 3 يوليو يؤكد أنها هي التي سرقت السمكة التي تمثل "الثورة" والتي أفرزت الشرعية عبر الإرادة الشعبية المتمثلة في صندوق الانتخابات والتي انقلب عليها قادة الانقلاب الذين هم في هذا المثال "القطة"!
أما الإخوان المسلمون يا سيد كيري فهم فصيل وطني معارض لعشرات السنين ضد النظم الديكتاتورية التي كنتم للأسف عونًا لها مع أنها ضد مبادئكم الديمقراطية، وهم أيضًا قطاع أصيل من الثوار بشبابه ورجاله ونسائه، والشعب بثواره هو الذي دفع بهم لسدة الحكم.
أما ما تقوله سيد كيري فهو هراء لا يليق بالدبلوماسية الأمريكية، وتجاوز من دولة أنت وزير خارجيتها لها نفوذ عالمي وتدعو لاحترام مبادئ الديمقراطية يوجب الاعتذار.
أما محاولتك تحسين الصورة الذهنية لبلادك عن طريق استقطاب بعض الثوار الشباب كبديل ثالث فقد فات أوانه لأنه تجاوز شرخ الصورة إلى كسرها عند كل المصريين أغلبية ومعارضة تجاهكم.
كما أن المحاولة الدبلوماسية لمسك العصا من المنتصف قد بال عليها الزمان وشرب، فالانحياز للحق ولو كان مُرًّا، واستدعاء الموقف الأخلاقي ولو كان صعبًا يظهر عند الوهلة الأولى.
أما مصر بشعبها فستتجاوز محنتها وتحقق ثورتها وسيكتب التاريخ يومًا حقيقة ما حدث.
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
-----------------
مهندس أسامة سليمان
محافظ البحيرة المستقيل وعضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة