لماذا احتشدت الجماهير للتحريض على صلب المسيح؟
لماذا شتموه وآذوه وأدموه؟
أي جرمٍ ارتكبه، وأي أذى سببه لهم؟
لا تسل يا عزيزي، إن الجماهير الغاضبة الهائجة لا عقل لها!!!
ومن أي شيء غضبت؟ من دعاية وتحريض، وأوهام وتخليط، وجهل وتعصب.
زعماء اليهود يقولون عليه كافر، وقياصرة الرومان يقولون عليه إنه يهدم أركان دولتهم.
إذًا أيتها الجماهير أنه كافر ومتطرف، من.... المسيح؟!!! نعم!!!
هذه الجماهير الهائجة استعذبت رؤية المعذبين، وتبادلت التحريض مع قادتها، فـ(بيلاطس) الوالي الروماني يأمر بجلد المسيح لعله يرضي الجماهير الهائجة، ولكنهم يرفضون ويزيد هياجهم ويطلبون صلب المسيح!!!
هذه الجماهير التي تحركت بالتهييج والتحريض قوضت حضارات، وهدمت أممًا، وأبادت بلادًا، وارتكبت أكبر مذابح التاريخ.
لم يقتصر الأمر على التاريخ السحيق، بل هو قابل للتكرار حيثما توفرت أركانه.. فالجماهير الهائجة خلف "هتلر" و"موسوليني" دمرت أوربا وامتد شررها للعالم.
ولذلك اهتمَّت الدراسات النفسية الحديثة بدراسة نفسية الجماهير.
وذهبت تلك الدراسات إلى أن: "النفسية الجماعية لفئةٍ ليست مجموع الحالات النفسية لأفرادها" بمعنى أن الفرد حين يدخل في دائرة الجماهير يتخلى كثيرًا عن صفاته الشخصية وتناله عدوى صفات الجمهور.. فيقبل ما كان لا يقبله وهو فرد منعزل عن هذه الجماهير.
فقد تجد باحثًا وأستاذًا جامعيًّا تربت عقليته على الوصول للنتائج عبر مقدمات منطقية، ولا يقر بالنتيجة بغير تجربة أو دليل، تجده ينخرط في حالة الجمهور ويتقبل ما لا يقبله أبسط عقل، وتُفاجأ به يناقشك في ترهات "عكاشة" وكأنها نظريات علمية أو حقائق كونية!!!
وتجد إنسانًا عطوفًا رحيمًا يتألم من رؤية طائر يُذبح، وبرغم ذلك يشاهد مشاهد القتل والسجن والملاحقة لإخوانه في الوطن، دون أن يتحرك له ساكنًا، وقد ينقلب إلى مشجع ومحرض!!!
ما الذي أوصلهم لهذا؟
لأنهم وقعوا تحت تأثير حملة تهييج ممنهجة، استسلموا لها، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة. ففقدوا شخصيتهم لصالح شخصية الجمهور الهائج.
ووسائل تهييج الجماهير مكررة عبر التاريخ وركائزها: التأكيد، والتكرار، ثم تترك العدوى بين الجماهير لتفعل فعلها.
فعلى سبيل المثال خبر كبيع حلايب وسيناء وقناة السويس، يتم تناوله وكأنه حقيقة تجاوزت أن تبحث لها عن دليل، ولزيادة التأكيد يتم القفز لدراسة الآثار المترتبة عليه، والأضرار الخطيرة التي تحدق بالوطن من هذا البيع الذي أوشك أن يتم ، والجريمة التي يرتكبها الرئيسي في حق الوطن !!!
ثم يأتي التكرار، فتجد نفس الخبر في كل القنوات الفضائية بالتزامن، وتوزيع الخبر عبر هذه القنوات باتفاق ليغطي ساعات الذروة للمشاهدة.
وبالعدوى المنتقلة بين الجماهير، ينتشر الخبر، ويسيطر على جمهور المتابعين بلا فرق بين حملة أعلى الشهادات وأقلها.
من أجل خطورة تهييج الجماهير بدواعي الحقد والكره والتعصب، وما تسببه من تدمير للأوطان.
سنت الدول المتقدمة قوانين تمنع الحض على الكراهية، وتمنع التمييز العنصري، وتتعامل بكل صرامة مع هذه الجرائم، لدرجة أن البرلمان الأوربي اجتمع ليرفع الحصانة عن " مارين لوبين" زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية بفرنسا لوصفها مظهر صلاة المسلمين في شوارع فرنسا بأنه احتلال.
والتمييز العنصري ليس خاصاً باللون والعرق والدين فحسب، بل يدخل ضمن إطاره (حسب البيان العالمي لحقوق الإنسان) التوجه السياسي.
أما أمتنا، فهي تعيش في حالة خطر داهم يهدد مستقبلها ووحدتها، بسبب حملة كراهية وعنصرية منظمة يقودها مجرمون بالمعنى الإنساني والقانوني والوطني. ولا صلاح للوطن أبدًا طالما هؤلاء المجرمون ومَن يُحرِّكهم طلقاء يمارسون دورهم التخريبي.