يُحكى أن قطةً كانت تتمتع بحاسة شم قوية، دخلت حظيرة مليئة بالأواني المنزلية، وفي داخل إحداهن سمك؛ فما كان إلا أن قادتها حاستها القوية- مباشرة- نحو الإناء المستهدف.
وفي مناسبةٍ أخرى، تدخل قطة مزكومة؛ فأعياها البحث عن السمك، لفترة أطول من صاحبتها، وبعد عدة محاولات من الشم هنا وهناك وقلب الأواني، وصلت إليه.
وفي إحدى المرات، حُبست القطتان في الحظيرة، وأخذت كل منها- على حدة- تبحث عن مخرج لها؛ فأما الأولى صاحبة حاسة الشم الحاد- وهي ليست جائعة هذه المرة بل تريد الخروج- تحاول مرات عديدة ولكن من فتحة الحظيرة المغلقة فقط، في حين أن القطة المزكومة تجد فتحة أخرى في وقتٍ قياسي؛ ذلك أن تجربتها الأولى أمدتها بخريطةٍ مفصلة عن المكان ومداخله ومخارجه، خلال تجوالها أول مرة، أما قطتنا الأولى- بالرغمً من حاستها القوية في الشم- فقد فشلت في النهاية.
وما أشبه الشعب المصري بقطتنا الأولى؛ يومئذ أسقط النظام في 18 يومًا، والتي لم تكن كافيةً لإمداده بما يحفظ عليه ثورته وأن يدرك حجم الفساد الفعلي ولم تُتِحْ له تدريبًا كافيًا؛ يكسبه النفس الطويل؛ لتتبع ودحر الفساد المتغلغل حتى النخاع في مؤسسات الدولة ومفاصلها الحساسة وغير الحساسة، وكذلك لم يكتمل لديه نمو الوعي والإرادة والتحدي اللازمين لمواجهة الدولة العميقة المضادة للثورة؛ وما كان إلا أن أُوتي من حيث لم يحتسب.
وقد كان من آثار ذلك؛ الانقلاب المشئوم ونجاحه في بلبلة الرأي العام وإحداث انقسام حاد في المجتمع، وما كان الانقلاب قادرًا على أن يحقق ذلك النجاح؛ لولا سذاجة الناس ومناخهم الفكري والسياسي الصالح لنمو هذه الفتن واستشرائها، وكانت المذابح المتتالية والاعتقالات والمحاكمات؛ ففغر قطاع من الشعب فاه وأُسْقِطَ في يده وشُلَّ ذهنه عن التفكير وجمد في مكانه لبعض الوقت.
وما ذكرته لكم آنفًا، ما كان إلا نبذة؛ تُعين على قراءة ما حدث في المشهد المصري، سطرًا سطرًا، ثم نضع نقطة ونبدأ من أول السطر لنقول:
ما مصيرنا؟ وإلى متى نظل ألعوبةً في يد كل خائن؟
هل خلقنا الله لنكون مطيةً يركبها كل فاسد وانتهازي؟
هل كُتب علينا أن تبقى حياتنا سلسلةً متصلةً الحلقات من الإذلال والضياع؟
وبالإجابة عما سبق؛ تترابط الخيوط و يستقيم فهم ما نحن فيه ومدى بشاعة الجريمة اليومية التي يواصلها الانقلاب، وهي جريمة يشارك فيها الطيبون بالسلبية و القعود عن الكفاح؛ خوفا من فوات رزق أو موت.
والكثير لا يدرك أن الخوف يمكن أن يكون قوة ساحقة ويستطيع أن يُلحق هزائم بالناس، أكثر من أي قوة في العالم، و في نفس الوقت يقع كل ما نريده من حرية و عزة و كرامة و عدالة على الجانب الآخر من الخوف.
ففي غزوة الخندق ظل النبي- صلى الله عليه و سلم- والمسلمون وهم قرابة 1500 مقاتل، طيلة 34 يومًا على قدم وساق؛ للعمل على صد الأحزاب، البالغ عددهم 10000 مقاتل، و لم يتدخل الوحي لحظة واحدة لوضع خطة مناسبة من السماء مباشرة ولم يسأل الصحابة ذلك، ولم تنزل الملائكة لحفر الخندق، مسافةً أكثر من أربعة كيلومترات وبعمق أكثر من خمسة أمتار وعرض ما يقرب من ثمانية أمتار ف غضون 10 أيام في الوقت الذي لا توجد خطة بديلة عنه.
قاموا بهذا العمل من ألفه إلى يائه، تحت ضغط ومرارة التعب والسهر و الجوع والبرد الشديد، ولكن الإيمان بقضيتهم وحرصهم على العقيدة والعزة؛ أذهب عنهم الحزن و التعب؛ لأن الليالي النضالية الرهيبة امتداد ضخم لعمر طويل، مُلئ بالحركة والحيوية والفكر.. حياة حافلة بكل ما تحمله كلمة "حياة" من معنى.
بل كان الحذر كل الحذر، من الرغبة الآثمة في الهرب من الواجب، وكان المستحيل أن تُخذل تلك الإرادة الجبارة إرادة الحق الذي ينطلق في مواجهة الشرير، برغم اتساع الفارق بينهما؛ من حيث القوة المادية؛ لأن القوة المادية وحدها لا تخيف المؤمنين بالله.
ولأن كل منهم كما يقول الأستاذ: سيد قطب "قطرة في نهر الحياة ولكنها قطرة تحس بأهداف النهر من المضي و التدفق والإرواء والإحياء؛ وعندئذ تكون للحياة في نظره قيم أخرى.
ومن بعد هذا البذل والعطاء الضخم في غزوة الأحزاب؛ قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا".
نعم إذْ بهذه الشخصية المؤمنة الواثقة بوعد الله ورسوله والمضحية بكل ما لديها، المستفرغة لكل طاقاتها ومواهبها؛ لا يجسر كائن من كان أن يقف في طريق نهضتها.
ولذا عندما قيل لأبي هريرة- رضي الله عنه-: مَنْ أعلم الناس؟ قال: "أعلم الناس أعرف الناس بالحق عند تخبط الناس، و لو كان قليل العمل يمشي على استه".
أرأيتم كم هي منحة من الله ما نحن فيه وماذا يريد بنا ولنا؟
فقد أراد الله- عز شأنه- لنا منحة جديدة بكفاح جديد بإيمان جديد ومقاومة في استماته؛ لأن المعركة ليست ميؤوس منها؛ (و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ).
و إذا بي- في الختام- أسمع صوت الشهيد سيد قطب و هو يقول: "إن يوم الخلاص لقريب و إن الفجر ليبعث خيوطه، و إن النور سيتشقق به الأفق و لن ينام هذا الشعب بعد صحوته و لن يموت هذا الشعب بعد بعثه، و لو كان مقدرا له الموت لمات، و لن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه؛ لأنها من روح الله؛ و الله حي لا يموت".