نقدم في بحثنا هذا دراسةً لمجموعةٍ من المنشآت الأثرية المعمارية الإسلامية المختلفة والمتنوعة، والتي قامت بتوفير مجموعةٍ من الخدمات الإنسانية المتكاملة؛ وخاصةً لذوي الحاجة: الفقراء، والأيتام، وعامة الشعب، وهي التي تُعرف حديثًا بالرعاية الاجتماعية؛ والتي تمثل الدليل المادي على سبق حضارتنا وإنسانيتها، وهذه الخدمات توضح كيف رفع الإسلام لواءَ التكافل الاجتماعي، وأقرَّ مسئولية المجتمع والحاكم في كفالة جميع أفراد المجتمع حفاظًا على كرامة الإنسان التي أقرَّها له المولى عز وجل.
ولذلك اعتنت الدولة الإسلامية بالمرافق الخدمية والعامة؛ فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها، وحماماتٍ عامةً وخاناتٍ للمسافرين على الطرق العامة؛ ولاسيما طرق القوافل التجارية وطرق الحج وإنشاء الخانقاوات والتكايا المجانية للصوفية واليتامى والأرامل والفقراء وأبناء السبيل، وأُقيمت الأسبلة لتقدم المياه للشرب بالشوارع، وكان إنشاء البيمارستان والمستشفيات الإسلامية سمةً متبَعةً في كل مكانٍ بالدولة الإسلامية، وسنعول بشيءٍ من الإيجاز على ما تقدمه هذه المنشآت من خدماتٍ إنسانيةٍ.
فالمدارس الإسلامية من المنشآت المعمارية التي قدمت الرعاية الاجتماعية؛ حيث قامت على توفير خدمات الرعاية؛ حيث كان يفد إليها عددٌ كبيرٌ من الوافدين الغرباء من الداخل والخارج طلبًا للعلم، وقد حرصت المدارس على أن تقدم خدمات الرعاية الاجتماعية لطلبتها؛ حيث وفرت لهم الإقامة والمأكل والملبس والمشرب والرواتب؛ بالإضافة إلى عديد من خدمات الرعاية الطبية وللعاملين، وكذلك الخانقاوات من المنشآت الهامة التي لعبت دورًا كبيرًا في المجتمع كمنشأةٍ للرعاية الاجتماعية؛ فرغم أنها ذات طابع ديني في وظيفتها الظاهرة؛ إلا أنها كانت في حقيقتها منشأةً للرعاية الاجتماعية؛ حيث وفرت المأوى والإعاشة لعددٍ كبيرٍ من المواطنين الفقراء المعدومين.
وكان المنتمون للطبقات الفقيرة يجدون في الخوانق إشباعًا لحاجاتهم الأساسية التي يعجزون عن إشباعها؛ حيث كفلت لهم المأوى والمأكل والمشرب والملبس والتعليم والتثقيف، كما كانت مأوى للمتصوفة والعبَّاد، وقد كان للتصوف نظامٌ ترعاه الدولة وتحيطه بعنايتها، وأوقفت عليها الأوقاف، وكان القاطنون بالخانقاوات والمدارس يتمتعون بالرعاية الصحية، ويخصص لهم الأطباء الذين يداومون الإشراف عليهم.
وكانت الأربطة والزوايا من المنشآت التي توفرت على تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية من إيواءٍ أو إعاشةٍ لكثيرٍ من الغرباء وأفراد الطبقات الفقيرة والمعدمة، ولن يستطيع أحدٌ أن ينكر علينا ذلك السبق الإنساني والإنجاز الحضاري الرائع المتمثل في إنشاء الربط الخاصة بالنساء التي كانت دورًا لإيواء المسنات والفقيرات والمطلقات، ومن لا عائل لهن؛ حيث كفلت لهن الحماية والرعاية، وقدمت لهن الإعاشة الكاملة؛ بتوفير المأوى والطعام لهن، وتأمين حياةٍ كريمةٍ لهن؛ لانتشار الفساد في المجتمع، وكانت تطبق عليها كل شروط منشآت الرعاية الاجتماعية الحديثة.
كما كان الإسلام أحرصَ ما يكون على سلامة أفراد المجتمع الإسلامي وقوتهم وصحتهم، ومن أجل هذه الغاية الإنسانية أنشئت البيمارستان، والتي حرصت على تقديم خدماتها للمرضى؛ وخاصة الفقراء مع الحفاظ على كرامتهم ومشاعرهم، هذا بالإضافة للمترددين عليها من المسلمين، وكانت البيمارستان تشتمل على قسمين: أحدهما مخصصٌ للرجال، والآخر مخصصٌ للنساء، وبكل قسمٍ مجموعةٌ من القاعات للتخصصات المختلفة، وبكل بيمارستان صيدليةٌ للأدوية، ومدرسةٌ لتعليم الطب، ولم يقتصر دوره على تقديم العلاج على أفراد المجتمع العاديين.
والأسبلة والكتاتيب من المنشآت التي أسهمت في تقديم خدمةٍ من خدمات الرعاية الاجتماعية، ولا شك أن الأسبلة قد وفرت نوعًا هامًا من الخدمة؛ وهو الإمداد بمياه الشرب النقية المصفاة، وهي خدمةٌ لا شك في أهميتها وفعاليتها في مجتمعٍ لم يعرف وسائل الإمداد الحديثة بالمياه مع ارتفاع درجة الحرارة، وكان السقاءون هم الوسيلة لجلب المياه من الأنهار في القِرب والروايا، وكانت الأسبلة تقدم خدماتها طوال اليوم، وبصورةٍ مستمرةٍ ومنتظمةٍ دون مقابلٍ.
أما الكتاتيب؛ فهي مدارس المرحلة الأولى، ولم تكن تقتصر على التعليم المجاني للأطفال فقط، ولكنها كانت إلى جانب ذلك ذات ميزاتٍ خاصةٍ جعلت منها منشأةً حقيقيةً للرعاية الاجتماعية، فقط اقتصرت على قبول الأطفال الأيتام والفقراء، كما كانت تمنحهم المنح الشهرية وخبزًا يوميًّا إلى جانب كسوتهم صيفًا وشتاءً، ونستطيع أن ندرك دور الكتاتيب في كفالة أطفال المسلمين من اليتامى والفقراء وإعالتهم، مما يرفع عناء إعالتهم عن كاهل أسرتهم التي فقدت عائلها أو عن كاهل والده الفقير، فإذا بلغ الطفل الحُلُم، وكان قد حفظ القرآن وقسطًا من معرفة مبادئ علوم العربية والحساب، انتقل إلى الحلقة التالية من حلقات تلك السلسلة من خدمات الرعاية المتصلة التي وفرها مجتمعنا الإسلامي في العصور الوسطى، وهي المدرسة؛ والتي كانت أيضًا توفر لهم الإيواء والإعاشة الكاملة والكسوة والراتب وغيرها، فكان الكُتَّابُ هو المنشأة التي تحول دون أن يضيع طفلٌ في زحمة الحياة ليُتْمِهِ أو عجز موارد أسرته.
ونصل إلى الحمامات؛ وهي من المنشآت المعمارية التي انتشرت في ربوع المدن الإسلامية، وأحد المؤسسات التي كانت ملاذًا لعامة الناس، تقدم خدماتها أثناء الليل وأطراف النهار بأسعارٍ زهيدةٍ، روعي فيها أن توفر خدماتها لذوي الحاجة من الفقراء والمحتاجين، وقد ارتبطت الحمامات العامة ارتباطًا عضويًّا بالحياة اليومية والتقاليد الاجتماعية؛ فكان له دوره في حفلات الختان التي كانت تقام للأطفال، وكذلك كان من تقاليد الزواج ذهاب العروسين للحمامات، وكانت الحمامات منتدىً يقضي فيه الأصدقاء وقتًا طيبًا يستريحون فيه من عناء العمل وحرارة الطقس وإزالة النجاسات والجنابة، كما كانت تقدم خدمات الوقاية والعلاج؛ وقد أكد هذا الدور أطباء كبار في العصور الوسطى وفي العصر الحديث، وكانت هناك حماماتٌ للرجال، وأخرى للنساء، وكثيرًا ما يكونا متلاصقين، وما زالت كثيرٌ من هذه الحمامات تقوم بدورها حتى اليوم في كثير من المدن الإسلامية.
وأخيرًا نستطيع أن نثبت أن خدمات الرعاية الاجتماعية في التراث المعماري الإسلامي ينطبق عليها كل خصائص وصفات منشآت الرعاية الاجتماعية والإنسانية الحديثة، بل تفوقها في كثير من الأحيان، وقد فقدت للأسف هذه المنشآت دورها بعد أن فقدت هويتها وابتعدنا عن ديننا؛ حيث فقدت هذه المنشآت دورها الحضاري في خدمة المجتمع ورعاية أفراده وتلبية احتياجاتهم، وها هي الآن، ولكنها ما زالت- وستظل- محتفظةً بعناصرها المعمارية والزخرفية الفنية دونما ارتباطٍ بما كانت تؤديه هذه المنشآت من دورٍ حضاريٍّ.
--------------
* باحث آثارٍ إسلاميةٍ