يمكن القول بأنَّ النصفَ الأول من القرن العشرين كان يتميز بنشاطٍ ثقافيٍّ وتفاعلٍ وحركةٍ على صعيد الأفكار لم تتوفر في النصفِ الثاني من هذا القرن، فقد شهدت عشرينات وثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن أهمَّ المعارك الفكرية والثقافية، وكان نجومها: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وزكي مبارك، ومحمود شاكر، وسيد قطب، وبينما كان عددٌ من الأسماءِ السابقة يُدافع عن أصالةِ الثقافة العربية الإسلامية وينتصر للإسلام الذي يُشكِّل هويةَ الأمةِ كان هناك آخرون انبهروا بالأفكارِ الوافدة، وذابوا فيها، وجعلوا من أنفسهم أبواقًا لها، كما حدث في معركة الشعر الجاهلي التي بدأت في مدرجاتِ جامعة القاهرة بين الطالب محمود شاكر وأستاذه طه حسين، عندما طعن الأخير صراحةً في القرآن الكريم في معرضِ حديثه عن انتحالِ الشعر الجاهلي، وكان بطل هذه المعركة بلا منازع العلامة مصطفى صادق الرافعي الذي انبرى يردُّ مزاعمَ طه حسين، ويفند آراءه، ووصل الأمر إلى مجلسِ النواب وإلى ساحاتِ القضاء، وكان النصر المؤزر الذي أكد أنَّ في هذه الأمة رجالاً يذودون عن مقدساتنا.
في هذا الوقتِ كان الأديبُ الكبير عباس محمود العقاد وفديًّا وصحفيًّا مرموقًا، لكنه في هذا الوقتِ المبكرِ لم يكن في اهتماماته مثل مصطفى صادق الرافعي، وكان بينهما علاقة طيبة، لكنَّ العقادَ- كعادته دائمًا- كان في طبعه جفاءٌ لا يُخفيه، وغيرة تجاه إبداع الآخرين، ومن ذلك أنه كان في مجالسه الخاصة يُسمِّي طه حسين الأعمى، ويقول عن الرافعي: المهذار الأصم، هذا رغم عدم وجود مبررٍ يدفعه إلى ذلك.
ولما كانت علاقته بالرافعي طيبةً، دارت بينهما أحاديثُ وتوطدت صداقةٌ لم يقطعها إلا العقاد، عندما التقى الرافعي في مجلة المقتطف التي يملكها يعقوب صروف، المسيحي الشامي الماروني، وكان هذا اللقاء عاصفًا؛ ذلك أنه عندما صدر كتاب(إعجاز القرآن) للرافعي، قال العقاد: إنه ليتفق لهذا الكتاب من أساليبِ البيان ما لا يتفق مثله لكاتبٍ من كُتَّاب العربية في صدر أيامها، وعندما صدرت الطبعة الجديدة من هذا الكتاب كان أول الخصام.
يُذكر أنَّ الرافعي سعى يومًا إلى دارِ مجلةِ المقتطف لأمرٍ ما، فوافق العقاد هناك فلقيه هذا بوجهٍ غيرِ الذي كان يلقاه به، فاعتذر الرافعي لنفسه عنه، وجلسا يتحدثان، ثم سأله الرأي في كتابِ إعجاز القرآن، فكأنما ألقى عليه حجرًا في ماءٍ آسنٍ، ومضى يتحدث في حماسةٍ وغضبٍ وانفعالٍ، كأنَّ ثأرًا بينه وبين إعجاز القرآن، ولو كان طعنًا وتجريحًا في الكتابِ نفسه لهان الأمر، ولكن حديثه عن الكتابِ جرَّه إلى حديثٍ آخرَ عن القرآن نفسه، وعن إعجازه وإيمانه بهذا الإعجاز، وثارت نفسه ساعتئذٍ ثورةً عنيفةً.
يمضي الرافعي في روايته: وأخذتُ أناقشه الرأي وأبادله الحوار في هدوءٍ، وإنَّ في صدري لمرجلاً يلتهب، وإذ كنتُ أخادع نفسي فأزعم لها أنه لم يتخذ لنفسه هذا الأسلوب في الهجومِ على فكرة إعجاز القرآن إلا لأنه حريصٌ على أن يعرف ما لا يعرف، وعلى أن يقتنع بما لم يكن مقتنعًا به، فأخذت معه في الحديث على هدوئي وثورة أعصابه، ولم أفهم- إلا من بعد- ما كان يدعوه إلى ما ذهب إليه.
وتنتهي هذه الجلسة إلى خصومةٍ عنيفةٍ بين الرجلين لتفتك رابطة صداقتهما، وتنشأَ بينهما خصومةٌ كانت على أثرها المقالات التي كتبها الرافعي بعنوان "على السفود"، والتي أعادت نشرَهَا مكتبةُ الآداب بعد مضي خمسة وسبعين عامًا عليها، وقدمت لها دراسةً بقلم الدكتور الطاهر مكي، الأستاذ بكلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
بداية المعركة
طلب إسماعيل مظهر- صاحب مجلة العصر- من الرافعي أن يكتب مقالاتٍ نقديةً لاذعةً، يلفت بها الانتباه إلى الشعراء الذين يتمتعون بوجودٍ إعلامي ملموسٍ رغم كونهم محدودي الموهبة، فكتب الرافعي ثلاث مقالاتٍ عن عبد الله عفيفي الذي كان مقربًا من الملك فؤاد ومدحه كثيرًا، ولم يرد عبد الله عفيفي على الرافعي، ثم كان أن طلب إسماعيل مظهر من الرافعي أن يسير في هذا الاتجاه كاتبًا بالأسلوبِ نفسه عن بقيةِ الشعراء، وهنا بدأ الرافعي في إعداد السفود (السيخ الذي يُشوى عليه اللحم) ليضع العقاد فوقه ويصليه نارًا حاميةً، وتحولت المعركة إلى قتالٍ عنيفٍ بالقلمِ استخدم فيه الكاتبان الكبيران كل أنواع الأسلحة لم يبقيا على لفظٍ فاحشٍ، ولا فكرةٍ معيبةٍ إلا استخدماها، وكان البادئ في ذلك الرافعي.
ويرى د. الطاهر مكي أنه ربما أراد الرافعي أن يهدم رأي العقاد في إعجاز القرآن بهدمه شاعرًا؟ ويضرب مثالاً على ذلك بما جرى قبل تسعة قرون، عندما حاول الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) أن يُدلل على إعجازِ كتاب الله بتقديمه، وشيخهم الذي يعترفون بفضله وإمامهم الذي يرجعون إليه، فاختار معلقته وأخذ يهدمها بيتًا بيتًا وفكرةً فكرةً، معتقدًا أنَّ ذلك يعني إثبات الإعجاز للقرآن الكريم.
نماذج
من النقدِ العنيف الذي وجَّهه الرافعي إلى العقادِ قوله: "لو كان العقاد يرضى أن يُقال عنه: إنه مترجمٌ لأنصف نفسه وأراحها، ولكنه يزعم- في وقاحةٍ- أنَّ لا عبقري غيره، فإذا ذهبت تقرأ كتبه رأيت أحسن ما يكتبه هو أحسن ما يسرقه، وهذا أمر كالمجمعِ عليه، ومع ذلك لا يُريد اللصُّ إلا أن يُعدًّ من أربابِ الأملاك"!!
تأمَّل أسماء كتبه: (ساعات بين الكتب) و(مراجعات في الأدبِ والفنون) و(مطالعات في الكتبِ والحياة) ما هذا؟ هل هي إلا اللصوصية الأدبية تُسمِّي نفسها من حيث لا يشعر اللص، وإذا ذهب كل إنسانٍ يقرأ الكتبَ التي تعد بالملايين، ويُلخِّص كل كتابٍ في مقالةٍ أو مقالاتٍ، فهل يعجز عن هذا العملِ أحدٌ؟ وهل يكون الناس عباقرةً إذا قرءوا أو فهموا ولخصوا؟!
وعندما أصدر العقاد ديوانه، قال الرافعي: "على غلاف ديوان العقاد هذه الكلمة (أربعة أجزاء في مجلدٍ واحدٍ) والديوان ورق لا يُساوي ثمن تجليده، ولم يخرجه صاحبه مجلدًا، فما معنى (مجلد واحد)" وكلمة مجلدة أو مجلد لا تستعمل إلا في الكتابِ يغشى بالجلد؛ لأنها من جلدٍ أي وضع الجلد عليه، وإذا صحَّ أن كل مطبوع يُسمَّى مجلدًا جاز حينئذ أن يكون معنى العبارة (أربعة مجلدات في مجلد واحد)، وهذا من جهلِ الجبار؛ لأنه يريد في سفرٍ واحدٍ أو كتاب واحد، وبهذه المناسبة رجعنا إلى أوائل الأجزاء، فإذا اسم الجزء الأول: يقظة الصباح، والثاني: وهج الظهيرة، والثالث: أشباح الأصيل، والرابع: أشجان الليل، وهذه الأسماء لم تكن من قبل حين طبعت الأجزاء قديمًا، وإنما لُفِّقت حديثًا في السنةِ الماضية عند طبعها في مجلدٍ واحدٍ، ويقول جبار الذهن- يقصد العقاد- في كلمةِ الختام: فإذا قرأ القارئ فربما وجد في أشجانِ الليل ما هو أخلق بوهجِ الظهيرة، أو وجد في يقظةِ الصباح ما هو أخلق بأشباحِ الأصيل.. الجبار إذن يقرُّ بالتخليطِ ويعترف به؛ لأنه لا يستطيع أن يُكابر أنَّ كل نظمه هذه الأسماء، معناها أنَّ العقاد رجلٌ دعويٌّ، فيسرق ويدعي الملكية، هو يعترف أنَّ الأسماء ليست على مسمياتها، إذن فهو لم يضعها؛ لأنه لا يحظر لمؤلف- مهما كان جاهلاً- أن يضع اسمًا على غير مسماه، إذن فهو قد سرقها، وهذا هو الصحيح.
وضع الشاعر الفرنسي الكبير ملكريور فوجيه- عضو الأكاديمية الفرنسية- روايةً شعريةً سمَّاها (جان داجريف) وجعلها أربعة أناشيدَ؛ لأنها تصف حياة حب بديع منذ بدئه إلى منتهاه، ومن أمله إلى خيبته وسمى النشيد الأول: الفجر، والثاني: الظهيرة، والثالث: الأصيل، والرابع: الليل.
ويخلص الرافعي من ذلك إلى أنَّ العقاد سطا على أسماءِ الرواية الشعرية الفرنسية.
تقييم المعركة
وفي الدراسةِ التي قدَّم بها الدكتور الطاهر مكي الكتاب (على السفود) يؤكد أنَّ الكتابَ نموذجٌ في النقدِ، يدلُّ على نفاذ الفكرة، ودقةِ النظرة، وسعة الإحاطة، وقوة البصر بالعربية وأساليبها، أما الأسلوب الذي حمل إلينا هذا كله فتختلف فيه الآراء أيما اختلاف، بعضهم يرى أن هذا كله يمكن الوصول إليه في غير هجوِ القول وفحش اللفظ ومر الهجاء، وآخرون يرون أنَّ الزمن يذهب بهذه الهوامش ويبقى الجوهر من هذه المقالاتِ لا يبليه الزمن، خاصةً مع غيرِ المعاصرين وهم بطبيعتهم على الحيادِ بين هذا وذاك.
ويضيف د. الطاهر مكي: إنَّ هناك فرقةً ثالثةً- د. الطاهر منها- ترى أنَّ هناك طائفةً من الأدباءِ لا يمكن مناقشتها إلا بمثلِ أسلوب السفود.
وختامًا فهذه قراءة جديدة قدَّمها الدكتور الطاهر مكي لمعركةٍ كانت بين أديبين كبيرين: الرافعي، والعقاد، الأول كان علمًا على الاعتدادِ بالثقافة العربية والإسلامية، والثاني تحوَّل إلى الكتابةِ الإسلاميةِ في الأربعينيات، وقدَّم لنا العبقريات، ودفاعه عن الإسلام.