هذه حصيلة لبعض الأفكار الميدانية، وقد جمعتها لأقيس الفارق بين تطوير القرار الثوري لدى قيادة التحالف مقارنًا بسخونته في "الميدان"؛ وذلك أن دراسة حوالي 30 ثورةً في مائة عام أثبتت أن القيادة لا تخلق ثورة ولكن تُنظم حراكها، وإذا كان إقدام القيادة أعلى من حماسة الميدان، ففي الأغلب ستتأخر الثورة عن تحقيق أهدافها، أما إذا كانت الميادين أكثر حماسةً وسخونةً، فذلك من شأنه أن يكون ملهما للقيادة باتخاذ خطوات أكثر جسارةً.
وحين اتخذ التحالف قراره بصد العدوان القمعي تصور الكثيرون أن القيادة "تُسخِّن" المواقف وتطورها، في حين أن الواقع أثبت أن القيادة استجابت لمطالب الميدان، أما الوضع الحالي فيمكننا بمنتهى البساطة أن نعاين درجة سخونة أعلى لدى الميدان مما يحفز القيادة لاتخاذ قرارات جسورة كبرى.
وإليك بعض أفكار "ثوار الميدان"، والتي ترسل تحذيرات جادة للانقلاب، ونظن أن "المخابرات" قد التقطتها من ألسنة الثوار؛ لذا نتصور أن أي بقية من عقل داخل المؤسسة العسكرية ستذهب بها لعلاج الموقف بأقل قدرٍ من الخسائر، وإلا فإن مصائر مظلمة تنتظر الانقلابيين.. يبشرهم بها الميدان.
أولاً: تطوير مواجهة الشرطة:
وتتمثل هذه الفكرة في الآتي:
أ- حصار الأقسام بشكلٍ دائم:
وذلك بنقل المعركة لشكلها العكسي، حيث المعتاد هو حصار الشرطة للمتظاهرين، ولكن بعد الزيادات الهائلة في أعداد المتظاهرين، فإن تفكير الشباب الآن يدور حول نقل المعركة السلمية للأقسام والمراكز، وعددها قليل بحيث يسمح بحبس كل أذناب الداخلية داخل أماكنهم؛ ما سيؤكد انسحاب المحترمين منهم، وسقوط المجرمين في مواجهة تلجئهم للانهيار والكفر بقيادتهم.
ب- معاقبة جزئية للعناصر الشرطية:
كما يرى بعض الشباب أن الضباط المجرمين قد تمَّ التعرف عليهم بكل المحافظات واستكمال بياناتهم أصبح أمرًا ميسورًا؛ لذا يرون استهداف هؤلاء الضباط بالفضح والتظاهر عند بيوتهم والتضييق عليهم في حياتهم الشخصية، بعض الشباب يرون عقوبات أشد، لكن الأفكار السلمية في عقوبتهم كثيرة للغاية ويمكنها تحويل حياة مجرمي الداخلية إلى سجن.
ج- حصار التكتلات السكنية لضباط الشرطة:
وهذه تجمعات منتشرة بطول مصر وعرضها، وهي عقوبة جماعية سلمية، تنقل آلام المواجهة إلى الجموع الشرطية لتدفع ثمنًا شخصيًّا لإجرام الانقلاب؛ مما سيجعل أسهم القلة المحترمة منهم تعلو ويُسمع لهم، وتجعل المجرمين مُحتقَرين ومُطارَدين حتى من ذويهم وجيرانهم الضباط، والمؤكد أن الداخلية ستواجه هذا العمل بعنف في البداية، لكن الإصرارَ سيجعل قرارات الداخلية رهينة بيد الثوار، كما تخوف من ذلك وزير الداخلية؛ ما سيُعَجِّل بخروجها تمامًا من المعركة بهزيمة منكرة تُؤثِّر سلبًا على الانقلاب كله.
هذه المحاور الثلاثة لو أضفتها لحالة الانهيار المعنوي السائدة الآن بين العناصر الشرطية سيحولها إلى عنصر ضاغط كبير على قيادة الانقلاب، وستكون مؤشرًا كبيرًا على الانهيار العام لهم.
ملاحظة: بعض الشباب يرى نقل هذه الأفكار إلى ضباط الجيش بالتظاهر في تجمعاتهم السكنية، وهي أكثر بكثير من تجمعات الشرطة، لكن البعض يرى أن عدد ضباط الجيش المجرمين قليل إذا ما قورن بعموم الضباط، ولا يريدون إرسال رسالة سلبية تفيد أن الثوار ضد كل ضباط الجيش، وبالتالي فإن الفكرة ما زالت متراوحة بمكانها يتحمس لها البعض، ولا يتحمس آخرون ولكن ازدياد مشاركة الجيش في قتل المتظاهرين يُقوِّي الفكرة مع مرور الوقت ،أما الإجماع فكان في مواجهة سلمية خشنة للداخلية بسبب اشتراك غالبية عناصرها في المواجهات الإجرامية.
ثانيًا :حصار الإعلام:
باعتباره لسان الإجرام والتحريض ضد الثوار، والفكرة تنضج بسرعة، ويتداول الشباب الصعوبات التي تواجه الفكرة سواء بالتحصين الكبير لماسبيرو ومدينة الإنتاج الإعلامي، أو انعزال الأخيرة وسعة مساحتها، لكنهم يرون أن التغلب على هذا يسير؛ وذلك بتقسيم المحافظات بحيث يتوقف التظاهر في بعض المدن وتنتقل للاعتصام المتحرك هناك، ومنع الطغمة الإعلامية من ممارسة دعارتها وإغلاق قنواتها وإعطاب كل الأجهزة لاستحالة القدرة على العمل منها مرةً أخرى.
ويرى الشباب أن إضافة حوالي 250قيادة إعلامية بالعقوبات الفورية السلمية مثل التي ذكرناها، مع ضباط الشرطة، يرون أن هذا سينقل المعركة إلى أفق أوسع حين تُقطع ألسنة الانقلابيين فيواجه الشعب الحقائق دون تزييفها إعلاميًّا، حينئذ ستكون الضربة قاصمةً للانقلاب.
ثالثًا: التظاهر عند التجمعات الصناعية:
يرى الشباب أن التظاهر عند التجمعات الصناعية الكبرى سينقل نبض الثورة للفئة الأكثر تضررًا من الانقلاب، وهي العمال وصغار الموظفين، وسيجعل التقارب كبيرًا لشرح المواقف وتعبئة العمال للحفاظ على حقوقهم وتبصيرهم بالزيف الذي يتعرضون له، وبالدمار الصناعي والاجتماعي الذي ينتظرهم، ورغم العقبات والمخاطر التي تحيط بمثل هذا التطوير الثوري، إلا أن غليان الطبقة العمالية ما يزال لا يجد أفقًا للتعبير عنه، والثورة- بالتالي- هي أفضل هذه الآفاق المعبرة، لذا يرى الشباب أن المبادرة بالذهاب إلى هذه التجمعات قد حان وقته، وأن بعض المجهود مع العمال سيلحقهم بالثورة قريبًا.
رابعًا :عصيان مدني سلبي:
واﻹيجابي هو الذي ينضم إليه المواطنون "بإرادتهم"، أما السلبي فهو تبني مجموعة أعمال تؤدي لشل حركة العمل دون رفض كبير من المواطن.
وأحد أهم اﻷعمال المؤدية لذلك هو شل الحركة بالطرق الكبرى سواء داخل المحافظات أو في الطرق السريعة، حيث يرى الشباب أن طرق مصر البرية والحديدية قليلة إذا ما قورتت بأعداد المتظاهرين المتزايدة، والتي ينبغي توظيفها، وإمكانية تعجيل هذا العصيان ممكنة، وأحد طرقه أن يجلس الناس في بيوتهم عبر إغلاق الطرق بطريقة علمية تتفادى مواجهات الشرطة والجيش عبر التنسيق بين المحافظات التي يشقها الطريق، بحيث يتم المنع بطريقة تراتبية ميكانيكية تجعل قوات الانقلاب عاجزة عن تأمين الطرق ومُشَتَّتة بين التظاهرات داخل المدن والجامعات والطرق وخلافه.
ويتخوف بعضهم من فقدان تعاطف الشعب بهذه الممارسات، لكن الآخرين يرون أن للثورة أهدافًا تنتهي إلى مصالح الشعب، وأن بعض الخسائر الإعلامية يمكن تعويضها مباشرةً حين يعلم الناس أن الوطن في حالة ثورة، وليس تحركات إرهابية لجماعة مارقة كما يزيف عليهم الانقلابيون.
خامسًا: تدشين إستراتيجية التحرير:
فبعد النجاح في جعل اعتقال النساء خطًّا أحمر، وسقوط هيبة الانقلاب مع كل تهديد بالحصار، والاستجابة الخانعة لشرطة الانقلاب خشية مغبة هذا الحصار.. هذه السياسة أفرزت محاور الرؤية التصعيدية المتمثلة في:
أ- الاعتقال خط أحمر:
بحيث ينتقل الموضوع من الفتيات إلى كل معتقل من بيته أو من المسيرات، وأن الزحف سيشمل كل قسم يجري في إطاره أي حادث اعتقال.
ب- تحرير المعتقلين:
ويرى بعض الشباب، أنه مع سقوط القضاة في وحل الانقلاب، فإنه لا ينبغي احترام أحكامهم، ومن الواجب تحرير كل المعتقلين بحصار السجون سجنًّا وراء سجن وإسقاط هيبة الانقلاب ممثلة في شرطته وقضائه، ويرد أصحاب الفكرة على المتخوفين من الصدام الدموي مع الحراسة، حيث يرون أن اﻹصرار على السلمية مع الأعداد الغفيرة وتوصيل رسائل لكل العاملين بالسجون أن يبادروا هم بترك أماكنهم والإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين بنظام وبعد تحديد الأسماء بدقة لا تسمح بالفوضى أو بخروج الجنائيين.
وفي كل الأحوال فإن التضحيات تحدث كل يوم، ويرى الشباب أن التضحيات ينبغي أن يكون لها ثمن فوري، بالإضافة للثمن الأكبر، وهو نجاح الثورة.
ج- تحرير الرئيس:
وهذه فكرة طُرحت، ولكن لم تجد لها صدى كبيرًا؛ حيث يتخوف الجميع من استغلال الحصار السلمي لتحرير الرئيس، فيقوم الانقلاب باغتياله بعد إحداث حالة هرج.. وفي الحقيقة فإن هذا التخوف سيظل موجودًا في كل حالات تحرير المعتقلين.
والفكرة الغالبة- حتى اﻵن- هي أن يكون تحرير الرئيس تتويجًا لنجاح الثورة بحيث تكون خطوة احتفالية وليست ثورية، لكن الإصرار عليها من الآن مهم حتى يعلم الانقلابيون أن الوتيرة الثورية لن تستمر في إطار ثلاثية "مظاهرة- مواجهة- شهداء ومصابون، ولكن ﻷن الثوار لا يعترفون بدولة الانقلاب ولا بسلطاتها، ولا بقوانينها؛ لذا فهم ماضون في تطوير ثورتهم.
مهما كانت الأفكار جسورة وأعباؤها مكلفة وتضحياتها مريرة؛ فقد اختاروا أن يكونوا لثائر الشهيد، ورفضوا انضمامهم "للشيطان اﻷخرس"
مكملين.. لا رجوع.
-------------