إعداد: عماد عجوة
من الجدير بالذكر أن الإجماع العالمي الديني كان منعقدًا قبل الإسلام على عدم تقدير الحق الإنساني للمرأة، بل كان منعقدًا على دونيَّة المرأة (أي أنها دون الرجل) بل كان الشك في آدميتها قائمًا في بعض الأحيان.
فجاء الإسلام ينتشل المرأةَ من هذا الظلم العالمي ويجعلها شقيقةً للرجل، مخلوقةً وإياه من نفس واحدةٍ معه، بل جعلها صنوًا له في الحق الإنساني والمساواة وأمام الشريعة الإسلامية قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: من الآية 195).
وجعل الإسلام الرجل والمرأة سواءً، هما المحور الجوهري الذي تدور حوله الأحداث والرؤى في مسرح الحياة الكبيرة؛ حيث إن كلاًّ منهما يتبادل الأدوار الرئيسة الفاعلة في صياغة قيم الحياة الإنسانية، وبلورة معطياتها الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية، وبهذا التنوع الدوري العادل والمنصف ترتقي الحياة ويصبح لها معنى رائعٌ بعيدٌ عن شريعة الغاب، ويتحقق التوازن الإنساني المنشود، وقد انطلقت المرأة مع الرجل في ظل الإسلام فقيهةً ومحدثةً ومجاهدةً ومربيةً، هذه مقدمة كان لا بد منها لإبراز ما حقَّقه الإسلام للمرأة، وما حقَّقته هي في مجال العمارة والفن الإسلامي.
فلم تكن المرأة المسلمة أقلَّ أثرًا في الحضارة الإسلامية، ولست في حاجةٍ هنا إلى تعداد الأدبيات من المسلمات، ومن عُرِفن بالشجاعة ومؤازرة المجاهدين، وعلى يد بعض النساء المسلمات تعلَّم كثير من الرجال، وأخذوا منهن الإجازاتِ العلميةَ، كما تروي كتب أعلام النساء، ولكني هنا أريد أن أتصيَّد على قدر الإمكان من العمائر الإسلامية ومن التحف الفنية ومما ورد في كتب التاريخ ما يُثبت أن المرأةَ المسلمة كان لها أثر في رواج الفنون والصناعات الإسلامية وكذلك العمارة الإسلامية.
فقد كانت النساء على عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- يحترفن صناعةَ النسيج، وقد أهدت إحداهن بردةً للنبي نسجتْها له بيدِها، ومارسَت المرأةُ المسلمة الفنونَ بنفسها، فهناك قاعُ صحنٍ من الخزف عُثِر عليه في أطلال مدينة الفسطاط- يرجع عهده إلى العصر المملوكي- مزيَّنٌ من الداخل برسوم هندسية بديعة، وعليه من الخارج إمضاء غير متقن تقرأ "عمل خديجة"؛ مما يؤكد أنه كان من بين صنَّاع الخزف الإسلامي نساءٌ يعرفن النقش والرسم.
كما نستطيع أن نؤكد أن المرأة المسلمة أثَّرت بشكل غير مباشرٍ في انتعاش الحركة الفنية في العصر الإسلامي، فكثيرٌ من التحف كانت تستعملها السيدات في زينتهن وملابسهن أو التي كانت تُصنع خصِّيصًا للسيدات في زينتهن وملابسهن أو التي كانت تصنع خصيصًا للسيدات، كالحلي من الذهب والفضة بأشكالٍ مختلفةٍ مزيَّنة بالجواهر والأحجار الكريمة، وبها كتابات متقنة، وزخارفُ في غاية الإبداع، كما كان يصنع لها خصيصًا مرايا من النحاس، زُيِّنَت ظهورُها بالنقش البديع، وكذلك مكاحل مطعَّمَة بالسن والأبنوس وأمشاط من الخشب والعاج، عليها من الزخارف ما يثير الأعجابَ، ومنها ما حُلِّي بالرسم البارز والتخريم الدقيق، وحتى نعال النساء اعتنى الفنان بزخرفتها، فهناك قباقيب مطعَّمة بالصدف والعاج، وكانت هناك أسواقٌ خاصة في مصر لتصنيع وبيع خفاف النساء، ومن أنفَس التحف الإسلامية المصنوعة من الخشب هي محراب أمرت بصنعه السيدة زوجة الخليفة الآمر بأحكام الله الفاطمي لضريح السيدة رقية- رضي الله عنها- وقد أبدع الفنان في صناعة هذا المحراب؛ لأنه مصنوعٌ لضريح سيدة، والآمرة بصناعته سيدة، وقد حلاَّه بالنقش من جميع جهاته وبالزخارف الهندسية بالأطباق النجمية.
ومن السيدات الوَرِعات التقيَّات مَن كان لهن أثرٌ في تعمير المساجد وإنشاء الربط والزوايا للصوفيات من النساء دون الرجال، وكذلك لا تخلو مدينة إسلامية من منشآت خيرية كالأسبلة والكتاتيب، إلى جانب ما أنشأته من عمارة دينية ومدنية.
ولنبدأ بالإشارة بذكر السيدة زبيدة (زوجة الخليفة العباسي التقي الورع هارون الرشيد)، وكفاها فخرًا أنها أنفقت أموالَها الطائلة في تحصين الثغور وإقامة الحصون، ولم تقتصر على هذا.. بل نظرت إلى ما يلاقيه الحُجَّاج من المشاقّ في الذهاب من العراق إلى بيت الله الحرام؛ بسبب قلة الماء، فأرسلت المهندسين وأمدَّتهم بالمال والعمال، فأنشأوا- في الطريق بين العراق ومكة- الآبارَ والصهاريجَ والبِرَكَ، حتى أوصلوا الماء إلى مكة، وما زالَ مجرى المياه التي تَروِي مكة حتى اليوم، وتُعرَف (بعين زبيدة) وهو عمل من أجلِّ الأعمال الصناعية والمعمارية، فما مِن حاجٍّ يَقصد الأراضي المقدسة إلا ويأخذه العجب لهذا العمل المجيد الذي كان الفضل في إنجازه- بعد الله تعالى- لسيدةٍ يفخر المسلمون بها مدى الدهر.
وفي بلاد الأندلس شيَّدت الشفاء (جارية الأمير عبد الرحمن بن الحكم) مسجدًا بقرطبة، وكانت من خِيرة النساء، تكتب المصاحف، وكثيرة الأوقاف على المساجد والمرضى والضعفاء، وفي مصر لا عجبَ أن نرى كثيرًا من نساء هذه الدولة مغرَيات بالعمارة، وأدخلوا عليها تحسيناتٍ نلمسها في عمارتهن، سواءٌ في التصميم وكذلك التخطيط وفي زخارفهن البديعة، ومن هذه السيدات السيدة تغريد أم العزيز بالله الفاطمي، والتي تركت ثروةً معماريةً خيريةً تدل على مقدار ميلها لفعل الخير، ومن هذه المنشآت جامع الأولياء بالقرافة بمنطقة عين الصيرة.
وفي الدولة المملوكية شيَّدت السيدة أم السلطان شعبان مدرسةً معماريةً بديعةً في تخطيطها وزخرفتها بشارع باب الوزير بالقاهرة، وشيَّدت الملكة صنية مسجدٍ لها بالقاهرة، وشيَّدت خوشيار هانم (أم الخديوي إسماعيل) مسجد الرفاعي بالقاهرة، وهو من أجمل مساجدها عمارةً وزخرفةً.
وتزخر مدن الإسلام- كبغداد ودمشق وحلب وحماة والقدس- بمنشآتٍ معماريةٍ أمَرَت بإنشائها سيداتٌ من مالهن الخاص، ونُقِش عليها أسماؤهن احتسابًا لله لا لمجرد الفخر والمباهاة.
----------
* باحث في الآثار الإسلامية.