فارق كبير بين توصيف الثورة، وبين حرب اللا عنف، وإذا كان كلاهما قد تجاوز المعارضة؛ لأن المعارضة لا تكون إلا فى نظام ديمقراطى تسعى فيه للحكم، ولا تستهدف إسقاط هذا النظام.

 

أما حرب اللاعنف فهى تبدأ من رفض النظام الاستبدادى، والعمل السلمى لإسقاطه.

 

لكن حرب اللاعنف نضال أقل بكثير من الثورة، حيث تستهدف الثورة تغيير معادلة الثروة والسلطة، ولا تقف عند إسقاط الديكتاتوريات، وإنما تمتد موجاتها لتشمل كل فساد فى  كل بقاع الدولة و الشعب، وتفرض منظومة قيم جديدة.

 

وﻷن حرب اللا عنف ثقافة مسيطرة على الشباب الثورى أحببنا أن نوضح التباين الكبير مع الثورة.

 

والموضوع- إذن- ليس رفاهية فكرية؛ ﻷن معرفة الفارق بين الثورة وحرب اللا عنف، يجعل الثوار مدركين للواجبات المنوطة بهم، وبالوسائل المفترض انتهاجها؛ حيث نسعى بكل طاقاتنا ليكون حراكنا هذا ثورة شاملة.

 

وإليك فوارق أساسية بين النهجين :

 

أولاً :الموقف من سلطات النظام:

- في حرب اللا عنف يحتفظ المناضلون بقدر متفاوت من احترام مؤسسات الدولة، وقد يسلكون سبلاً قضائية، وأحيانًا يقبلون منافسات انتخابية، كما حدث من مناضلي مؤتمر العمل الوطني في شيلي، حين دشنوا حملة لا ليواجهوا استفتاء الديكتاتور العسكري بينوشية لاستمرار حُكمه 8 سنوات، وبالفعل كانت الحملة تتويجًا للنضال الذي أسقط الطاغية، ومثل مناضلي حركة تضامن الرومانية، حين توصلوا إلى اتفاق مع الديكتاتور ياروز لسكي بضمان وجود نقابات حرة، وصحافة حرة، وإقامة انتخابات نيابية نزيهة، وأجريت الانتخابات فعلاً، وفازت فيها الحركة بعشرة أضعاف أصوات الحزب الشيوعي الحاكم وأسقطته.

 

- لكن الثورة لا تعترف بالسلطة كلها، وترفض مجاراتها في أي عملية سياسية، وتعلن مقاطعتها لكل مؤسسة تعمل ضمن منظومة الانقلاب، ولا تضع يدها إلا في يد المؤسسات الرافضة، فالمؤسسة الدينية مثلاً لها احترامها دائمًا، لكن ثورة مصر تحتقر رمْزَي الانقلاب الطيب وتواضروس ليس بشكل طائفي ولكن لموقف أخلاقي وطني، وذلك في وقت كانت الكنيسة الكاثوليكية في الفلبين صاحبة الدور الأساسي في ثورتهم بالثمانينيات حين أعلن الكاردينال سين كبير أساقفة العاصمة مانيلا :أعتبر نفسي قائدًا أعلى للقوات الفلبينية غير المسلحة، ومن هنا كان احترام ثوار الفلبين لكنيستهم.

 

ثانيًا: المال العام والمسئولية المجتمعية

في حرب اللا عنف قد يحرص المناضلون على صيانة المال العام واحترام القوانين الحامية له، رغم أن مطالبهم عادة تكون فى حرية وعدالة اجتماعية عبر تعديل القوانين مثلما كان نضال الأقلية السوداء فى جنوب أمريكا، حين قاطعت حركة النقل العام بإصرار مع حرصها عليه رغم الإذلال المجتمعى الذي عانته هذه الأقلية، ورغم القمع الُمَمارس من البيض بالقبض على مارتن لوثر كنج زعيم المناضلين، ثم محاولات السلطة قتل كنج بقنبلة أثناء خطابه بأحد الاجتماعات، وكاد السود يدمرون الأخضر واليابس لولا حصافة زعيمهم الذي صبَّرهم حتى نالوا حقوقهم بعد عام من النضال، ثم تصاعدت الحملة لما هو أكثر، كما أن السود قد حصلوا على حقوق تاريخية بالمساواة السياسية عبر الاحتكام إلى القضاء، وهذا النضال يتم تصنيفه عادة تحت حرب اللا عنف.

 

أما الثورة فهي لا تحتكم إلى شريعة اجتماعية ظالمة، ولا إلى سلطة متجبرة، ولا تطالب هؤلاء بالعدالة ولا المساواة، إنها تطالبهم فقط بأن يرحلوا حتى تقوم الثورة بإقرار شعاراتها وقيمها.

 

-وقد تنتهج الثورة فى ذلك إيقاف الحياة الاقتصادية للمجتمع كله، وليس إضرابات جزئية أو رمزية، وذلك لمنع قدرة الطغاة عن إدارة مؤسسات المجتمع، وقد يُعطب الثوار وسائل الطغاة الاستبدادية سواء السجون أو الأقسام أو المركبات، أو تفرض أجواء من الحصار النفسى لسدنة الطغاة من رجال الأعمال والقضاة والضباط والإعلاميين، وكل هذا لا يستهدف إيذاء المجتمع أو تخريبه اقتصاديا، ولكنها معركة لا بد منها لشل فاعلية الطغاة وإفشالهم؛ ﻷن وجودهم يعني دوران كل شي لمصلحتهم، سواء أكان اقتصادًا أو قضاءً أو علاقات خارجية.

 

ومن هنا وجب شل المنظومة بالكامل، حتى لو تحمَّل المواطن مصاعب جراء هذا الشلل، لكنها مرحلة صبر، ثم تعود إليه ثروته بالكامل، وهذا ما رأيناه فى الثورة الإيرانية حين عمَّت الإضرابات؛ فأضرب تجار البازارات واعتُقل منهم ثمانية آلاف ثم امتدت المظاهرات لأربعين مدينة، فتدخل النظام بحرق إحدى السينمات لتشويه الثوار، واحترق 500 رجل وإمرأة وطفل، وكان وعي الناس راقيًا فبادروا بالهجوم على قسم الشرطة يرفعون الفؤوس مطالبين برأس مدير الشرطة، وضَبَط الخميني قائد الثورة الإيقاع وأمرهم بالمواجهة مع ضبط النفس لتجنُّب الحرب الأهلية، حينئذٍ عمَّت الإضرابات في قطاعات الكهرباء وأراضي الدولة والقطاع الخاص، واشتعلت المواجهة القمعية وتصاعدت الثورة.

 

ثالثًا :الموقف من رموز السيادة الوطنية:

وأهمها الجيش، الدين، القضاء.

 

- فى حرب اللاعنف، يكون الحرص كبيرًا على الاستفادة من هؤلاء أو تحييدهم وكلهم في مستوى أهمية كبير، يختلف من بلد لآخر.

 

-و حرب اللا عنف تستهدف إسقاط النظام السياسي ثم البدء باﻹصلاح؛ لذا لا يفتح المناضلون جبهات الصراع كلها، دائمًا يكون التركيز على الديكتاتور ومنظومته السياسية، وهذا ما انتهجته مصر بعد سقوط مبارك، ولم يؤت ثمرة فى حالتنا.

 

-أما في الثورة، فهي تضع كل الفساد والفاسدين في شاشة مرئية ينظر إليها كل الشعب، فهي تعري الفاسدين في الجيش وتعمل على إسقاطهم، وتُعري فساد رجال الدين والقضاة والشرطة.

 

- والثورة لا تخشى من دعاوى تقسيم الجيش أو إضعاف الدولة، أو تهديد الحدود، أو سقوط القضاء، فهي قامت من أجل حماية كل هذا، بل وﻷن كل هذا مهدد طالما يحكم العسكر أو الطغاة، فهم الذين يدنسون القضاء في الوحل، ويفسدون منظومة الشرطة، ويتحالفون مع الأعداء ويمكنون لعروشهم على حساب جيش الوطن ومؤسساته.

 

- لذا فالثورة تفتح كل الملفات، وكل الجبهات،وتواجههم مرة واحدة،لا تهتم بالتخويف من حرب أهلية أو طائفية، فلم تقم ثورة أبدا فى التاريخ وتحولت إلى حرب أهلية، الحرب الأهلية لها أسبابها المصلحية، لكن الثورة لها أسبابها القيمية، هل نرى الفارق بين هجوم الثورة على تواضروس كرمز انقلابي وعدم خوفها من حرب طائفية، ورغم أن شنودة كان طائفيًّا ولم نهاجمه، لكن مقتضيات مرحلة المعارضة أيام شنودة كانت توجب المحافظة على النسيج المهترئ وعدم الاقتراب إليه، لتركيز المعركة مع النظام الاستبدادي، هل تتذكر كم مدحنا في جيشنا؟...وكم طالبنا من القضاء أن يكون ضمانة لكل الانتخابات؟

 

الآن يسقط تواضروس ليس لأنه رأس الكنيسة ولكن ﻷنه رمز انقلابي مثل الطيب وبرهامي، ويسقط مجلس القضاء الأعلى وكل قاضٍ مشارك في تمكين الانقلاب، ويسقط المجلس العسكري وكل ضابط ملوث بالدماء.

 

في الثورة لااحترام إلا للشعب وهويته، والاحتقار لكل من مس مقدراته حتى لو كان رمزًا للدولة ولسيادتها.

 

أخيرًا.. هذا الاجتهاد أسوقه لكي ندرس خبرات اﻵخرين لا أن نكون أسرى لها، وحتى يكون التخطيط والمواجهة على اﻷرض موازيًا لضخامة المنهج الثوري.

 

ببساطة.. تجاوزنا المعارضة، وتجاوزنا حرب اللا عنف.

 

نحن فى (ثورة).. ثورة كاملة بكل ما تعنيه الثورة من أفكار و(ممارسات) وتحديات ومعارك.

مكملين..

لا رجوع..

----------

mohamedkamal62@ymail.com