عرض- حسين التلاوي

كتاب: القوة الرابعة: الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.

المؤلف: جاري هارت.

المترجم: محمد محمود التوبة.

الناشر: مكتبة العبيكان.

تاريخ النشر: الطبعة العربية الأولى- 2006م.

عدد الصفحات: 291 صفحة من الحجم الصغير.

 

تسعى الولايات المتحدة إلى جعْل القرن الحادي والعشرين قرنًا أمريكيًّا خالصًا مثلما كانت الفترة منذ تسعينيات القرن العشرين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة بإدارة الشأن العالمي كقوى عظمى وحيدةٍ متفردة.

 

واتبعت الولايات المتحدة من أجل تحقيق هذه الغاية العديدَ من الإستراتيجيات على المستويين السياسي والعسكري إلى جانب المستوى الاقتصادي بالطبع، فكان هناك مصطلح "الحرب الاستباقية" الذي شاع استخدامُه في الفترة التي سبقت الحرب على العراق في مارس من العام 2003م، وكذلك مصطلح "الصدمة والرعب" والذي عبَّر عن الإستراتيجية العسكرية التي اتبعتها القوات الأمريكية لإسقاط النظام العراقي السابق خلال الغزو.

 

بالإضافة إلى ذلك كانت هناك سياسة "الاضطراب البنَّاء" التي سعَت من خلالها الولايات المتحدة إلى إقرار الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم، وخاصةً في منطقة "الشرق الأوسط الجديد"، وهو التعبير المستخدَم في أدبيات السياسة الأمريكية الحالية؛ للإشارة إلى منطقة الشرق الأوسط بعد انهيار النظام البعثي العراقي واختفاء القوى المعارضة للإرادة الأمريكية في المنطقة مثل العراق البعثي، أو اتجاهها للاختفاء مثل سوريا البعثية.

 

ويأتي في هذا السياق كتاب (القوة الرابعة: الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين) لمؤلفه الخبير في الإستراتيجية العسكرية والأمن القومي جاري هارت، والذي يُعتبر واحدًا من كبار أعضاء الحزب الديمقراطي؛ حيث سبق وأن شَغَل مقعد الحزب في مجلس الشيوخ عن ولاية كلورادو، كما كان مرشَّحًا لرئاسة الجمهورية الأمريكية في فترة من الفترات.

 

ويهدف الكتاب إلى تقديم إستراتيجية كُبرى تعمل من خلالها الولايات المتحدة على استغلال الطاقات والموارد المتاحة لها؛ لتصبح هي القوة الوحيدة المسيطِرة في العالم خلال القرن الحادي والعشرين ليصبح القرن قرنًا أمريكيًّا بامتياز.

 

وينطلق الكاتب في طرحه هذا من نقطة رئيسة وهي استحقاق الولايات المتحدة هذه السيطرة بالنظر إلى امتلاكها طاقاتٍ ومواردَ في مختلف المجالات بصورة تتفوق على أية أمة أو دولة أخرى في العالم المعاصر، بالإضافة إلى عدم توافر هذه الإمكانات عبر التاريخ ككل لأية أمة؛ ما دعا الكاتب إلى التأكيد على أن الولايات المتحدة هي "إمبراطورية" العصر الحديث بلا جدال، مع إشارته إلى أنه يبعد في طرحه هذا عن مفهوم الإستراتيجية الكلاسيكية.

 

ويتضمن الكتاب 8 فصول تتناول المحاور المختلفة للإستراتيجية المقترَحة من أجل تحقيق السيادة الأمريكية على العالم، إلى جانب وجود تمهيد ومقدمة للكتاب، بالإضافة إلى ملحق يَحوي نص رسالة من الكاتب إلى الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون توضح بعض معالم الإستراتيجية.

 

الحالة السياسية الدولية

وفي الفصل الأول من الكتاب يتناول الكاتب تحديدَ ماهية وطبيعة الحالة الراهنة في السياسة الدولية كإحدى أساسيات الإستراتيجية الكبرى التي يجب أن تتبعها الولايات المتحدة، ويؤكد الكاتب أن الحالة الراهنة في السياسة الدولية هي حالة عدم الاستقرار والتي ترجع بالدرجة الأولى إلى انتشار (الإرهاب) في العالم، إلى جانب التردي الاقتصادي والارتباك العام في الاقتصاد العالمي العام، كما يشير الفصل إلى ضرورةِ بُعد هذه الإستراتيجية الكبرى عن المفاهيم الإستراتيجية الكلاسيكية بالنظر إلى وجود بعض الاختلافات في المفاهيم السياسية في الوقت الحالي عن الفترات السابقة.

 

ويدعم الكاتب وجهةَ نظره هذه بالقول بأن التهديدات الأمنية كانت في السابق تهديداتٍ عسكريةً، فيما هي في الوقت الراهن تهديدات (إرهابية)، وهي التهديدات التي تبعد عن الإطار التقليدي للعمل العسكري؛ حيث تم استخدام طائرات مدنية (غير عسكرية) لتنفيذ عمليات 11 سبتمبر في العام 2001م.

 

ويشير الكاتب إلى أن ظروف السياسة الدولية الحالية توضح أن الولايات المتحدة هي صاحبة الرصيد الأعلى في التطور السياسي والاقتصادي على مستوى العالم، فبينما يبرز الاتحاد الأوروبي على أنه القوة الاقتصادية التي يمكن أن تهدد الأمريكيين تأتي الصين كوحدة من القوة الأكثر تهديدًا للولايات المتحدة على المستوى العسكري، إلا أن القوتين لا يمكنهما في الوقت الحالي إقامة تحالف يهدِّد الولايات المتحدة على المستوى الشامل.

 

ويوضح الفصل الثاني ضرورة اعتماد الإستراتيجية الأمريكية الكبرى لتحقيق السيطرة العالمية على المبادئ التي تقوم عليها السياسة الأمريكية على المستويين الداخلي والخارجي، ويؤكد هارت على أن الحرية هي المبدأ الرئيس للأمريكيين في الحياة السياسية، مشيرًا إلى أن الديمقراطية هي المحتوى السياسي للتعبير عن هذه الحرية.

 

ويشير الكاتب في نهاية الفصل إلى أن تخلِّي الأمريكيين عن الاستناد إلى قيمهم السياسية سيؤدي إلى تقويض القوة الأمريكية وبالتالي عدم إمكانية إكمال المسعى الأمريكي نحو الهيمنة الدولية.

 

إستراتيجية للهيمنة الأمريكية

وينتقل الكتاب في الفصل الثالث إلى تحديد الأهداف المطلوب تحقيقها من الإستراتيجية الكبرى الأمريكية في العالم، ويشدِّد الكاتب على أن الحرية والديمقراطية هما في صدارة الأهداف التي يجب على الأمريكيين تحقيقها على مستوى العالم.

 

لكنَّ الكاتب يشير إلى أن الأمن يأتي أيضًا ضمن الأولويات ويؤكد على ضرورة تحقيقه من خلال مختلف الوسائل، سواءٌ كانت عسكريةً أو شبه عسكرية، وهو في ذلك يرسم ملامح الإستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تبدو معالمُها في الوقت الحالي.

 

ويؤكد الكاتب على أنه من الضروري الدخول في تحالفات لضمان عدم تكرار وقوع أحداث مثل أحداث 11 سبتمبر، ويؤكد الكاتب مرةً أخرى على ضرورة الدخول في تحالفات، فيقول:

لنستخدم قوى العولمة والمعلومات لتقوية الأحلاف الديمقراطية الموجودة وتوسيعها ولإنشاء تحالفات جديدة، ولنوظِّف هذه الأحلاف في تدمير الشبكات (الإرهابية) ولنؤسس هياكل أمنيةً جديدةً مع الاستهداء بمبادئنا التاريخية لنقود تحالفاتٍ دوليةً في نشر الفرص الديمقراطية والاقتصادية الليبرالية وفي بناء الأمة".

 

وتوضح هذه العبارة الأسس التي يجب أن تقوم عليها الإستراتيجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، كما أنها تبين معالم الإستراتيجية الحالية، وذلك في مسألة تأسيس التحالفات لضرب الشبكات (الإرهابية)، والتي تشير إليها الإدارة الأمريكية بتعبير "الحرب على (الإرهاب)".

 

ويُفرِد الكاتب الفصل الرابع بأكمله لمفهوم الأمن في الإستراتيجية الكبرى الأمريكية للقرن الحادي والعشرين، وهو ما يوضح هاجس الأمن في ذهن المفكر الإستراتيجي الأمريكي، والذي أسهم في إعطائه هذا الحجم الهجمات التي تعرَّضت لها الأراضي الأمريكية في العام 2001م.

 

فيشير المؤلف السياسي والإستراتيجي إلى ضرورة تضمين الإستراتيجية الجديدة مفهوم "أمن أرض الوطن"، وهو المفهوم الذي يُشير إلى حماية الأمن الداخلي في البلاد، والذي تأسَّست في سياقه وزارةُ الأمن الوطني الأمريكية، لكنَّ الكاتب يشير إلى أنه لم تتحقَّق إلا خطواتٌ بسيطةٌ على طريق بناء منظومة أَمنية شاملة متكاملة في البلاد، ويدلِّل الكاتب على فشل الخطوات المتخَذََة على هذا الطريق بعدم تدريب أو تأهيل رجال المطافئ على سبيل المثال على العمل في الإطار الاتحادي، إلى جانب نقص المخصصات المالية.

 

كما يشير إلى أن هناك تحديًا آخر وهو القيام بالتوفيق ما بين الحرية والأمن؛ بحيث لا يتم فقدان الحرية بداعي فرض أو تحقيق الأمن، ومن ثم يدعو الكاتب إلى دور كبير للجيش في المجتمع المدني، كما يدعو إلى ضرورة أن يكون الأمريكيون مستعدين على الدوام لمواجهة أي اعتداء (إرهابي) جديد يقع بعد أحداث 11 سبتمبر منعًا لحدوث مثل تلك الحادثة المفاجئة التي راح فيها 3 آلاف مواطن أمريكي.

 

ولم يوقف الكاتب مفهوم الأمن على الأمن العسكري، وإنما أدخل معه الأمن الاقتصادي، مطالبًا بوضع بعض المعايير التي تكفل تحقيق ما أسماه "أمن المعيشة" للمواطن الأمريكي كجزء من تحقيق الاستقرار الداخلي للتمكن من تحقيق السيطرة الخارجية، تاركًا وضع المنظومة الشاملة للاقتصاديين المتخصصين، إلا أنه أشار إلى ضرورة تحويل نمط الاستهلاك إلى منظومة عامة للإنتاج.

 

السند "الأخلاقي" للسياسة الأمريكية!!

ويضيف الكاتب في الفصل الخامس عنصرًا جديدًا للأمن وهو السند الأخلاقي الذي يجب أن تكون عليه الإستراتيجية الأمنية الأمريكية على مستوى العالم، فقد أشار الكاتب إلى أهمية أن يتبنَّى الأمريكيون مبررًا للعمل العسكري الخارجي يستند إلى القيم التي ترفعها السياسة الأمريكية ومن بينها الحرية والديمقراطية لا إلى فكرة التكليف الإلهي التي يتبنَّاها الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن، مشيرًا إلى أن هذه الفكرة لا تلقَى قبولاً لدى المجتمع الدولي، إلى جانب أنها تخالف الفكرَ الأمريكيَّ الحرَّ الذي لا يضمُّ مثلَ هذه الأفكار أو المصطلحات.

 

ويتناول الكتاب في فصله السادس الكيفيةَ التي يمكن بها استخدامُ القوة العسكرية في تحقيق الأمن للولايات المتحدة، إلا أنه يركِّز على ضرورة تحديد ماهية الصراع من أجل التعرف على الوسيلة التي يمكن عن طريقها إنهاء الصراع والقضاء على مصدر التهديد، ويؤكد الكاتب في هذا الفصل أن (الإرهاب) هو الخطر الرئيس الذي يواجه الأمريكيين في الفترة الحالية في مطلع القرن الحادي والعشرين.

 

ويوضح الكاتب أن (الإرهاب) نجح في القضاء على كل الإنجازات التي تحققت في الداخل العراقي بعد نجاح القوة العسكرية الأمريكية في القضاء على التهديد الأمني المتمثل في النظام العراقي المخلوع الذي كانت تراه الولايات المتحدة تهديدًا لمصالحها وأمن حلفائها.

 

ويشير الفصل السابع إلى قضية في منتهى الأهمية وهي الاحتياط المالي والاقتصادي الأمريكي، ويؤكد الكاتب على ضرورة حيازة الولايات المتحدة لاحتياطي مالي كافٍ؛ لكي تحمي الولايات المتحدة خططَها على مستوى العالم، مشيرًا إلى أن السبب الرئيس الذي جعل الإمبراطوريةَ البريطانيةَ تنهار هو فقدان الاحتياطي المالي الذي يكفي للإنفاق على المجهود الحربي الخارجي.

 

وذكر الكاتب أن هناك العديد من التحديات الخارجية التي ينبغي على الأمريكيين الاهتمام بها، ومن بينها النظام المصري المتحالف مع الأمريكيين، والذي ينبغي أن يتم السعي إلى وضع خطط من أجل التعامل معه على أساس إمكانية ذهاب نظام الرئيس حسني مبارك ومجيء نظام إسلامي بديل، وهو ما ينبغي على الأمريكيين منع حصوله.

 

الفصل الثامن والأخير في الكتاب يتناول الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة على مراحل متفرقة من تاريخها، وهي الابتعاد عن مبادئ الجمهورية الأمريكية والاستناد إلى الفكر الخاص بالرئيس أو التيار الفكري الذي ينتمي إليه، ضاربًا المثل بالرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر.

 

ويوضح هذا الفصل أن غياب الفهم والمبادئ المشتركة بين الأمريكيين يؤدي إلى إضعاف الإستراتيجية الكبرى الأمريكية، وبالتالي ينبغي السعي نحو استعادة الفكر المشترك وخاصةً في قضية الأمن؛ حيث قدم الكاتب في هذا الفصل مصطلح "الأمن المشترك" كدليل على وجود ارتباط بين جميع الأمريكيين، ويشير الكاتب إلى بعض القيم المشتركة بين المواطنين وهي الواجب المدني والسيادة الشعبية ومقاومة الفساد.

 

ويعود الكاتب فيضع الأمن في قائمة الأولويات التي يجب تحقيقها، عن طريق الارتكاز على الأرضية المشتركة بين جميع الأمريكيين، فيقول: "الأمن الدولي الجديد يتطلَّب سياسةً خارجيةً مستندةً إلى المشاركة المعتمدة على المبادئ، والتحول إلى العالمية المستندة إلى المبادئ التاريخية الأمريكية من الديمقراطية والليبرالية"، ويلاحَظ من هذا الخطاب أن الكاتب يريد أن تتم صياغة السياسة الدولية على أسس من الفكر المشترك في الداخل الأمريكي، الأمر الذي يعكس صورةَ الإمبراطورية التي يريد الكاتب أن تكونها الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.

 

بصفة عامة يوضح الكتاب الإستراتيجية التي ينبغي أن تتبعها الولايات المتحدة من أجل السيطرة على الشأن العالمي ككل، ويضع الكاتب الأُطُر والمحددات الرئيسة لهذه الإستراتيجية من أهداف ووسائل للتحقيق، فيؤكد أن الهدف هو نشر القيم الأمريكية النابعة من الأرضية المشتركة بين المواطنين الأمريكيين لا النابعة من فكر أحد التيارات الأمريكية وفقط.

 

كما يوضح أن الأمن هو العنصر الرئيس الذي ينبغي أن تهدف الإستراتيجية الأمريكية الشاملة للقرن الجديد إلى تحقيقه، وذلك عن طريق إقامة الأحلاف مع القوى الدولية، مشيرًا إلى أن إقامة الأحلاف والسيطرة الخارجية تتطلَّبان تأسيس منظومة اقتصادية قوية تمنع اختلال الاقتصاد الداخلي الأمريكي وبالتالي انهيار الإمبراطورية الأمريكية.

 

ويعني هذا أن هذه الإستراتيجية تهدف إلى بناء ما يمكن أن يُطلق عليه "الجمهورية- الإمبراطورية" أي الجمهورية التي تسيطر على الشئون الداخلية والخارجية لشعبها وللشعوب العالمية، وهو الهدف الذي أكد الكاتب أن الولايات المتحدة نجحت في تحقيقه جزئيًّا؛ مما يتطلب منها المزيدَ من الجهد لتحقيقه بصورة كاملة وضمان استمراره.