لم يُعانِ مصطلح في مصر كما عانى مصطلح (الوسطية)، وانتهك هذا المصطلح من الجميع بسبب سيولة الحالة العلمية، وإضفاء وصف المفكر والعالم على كل من هب ودب .
- فالثورة باعتبارها جهادًا تمثل قمة (الوسطية) في الفهم الإنساني السوي، فهي التي تساوي المستقبل المشرق من الحرية والكرامة والعدالة، أما (الحلول الوسط) فهي ترقيع الحرية بالقهر، والكرامة بالمذلة، والعدالة بالظلم.
ولأن مجتمعاتنا قبلت أن تُنتهك الوسطية حين التصقت بالإسلام فالآن تنتهك حين التصقت بالثورة.
وأصل القضية دائمًا في التلاعب بالنصوص المقدسة إذا تعلق الأمر بالإسلام، والتلاعب بالقواعد السياسية إذا تعلق الأمر بالثورة.
- وكان أهم ما أضاف الإمام محمد عبده في مسيرة الإصلاح و(الوسطية)، هو الشجاعة في التعامل المباشر مع النص القرآني، وألا تكون كثرة التفسيرات طريقًا إلى نسيان النص القرآني وتقديس الاجتهاد البشري والتفسيري فيضيع تميز الأمة بغيابها عن الوحي المنزل من السماء.
- وفي المقابل كانت مسيرة (الحلول الوسط) في عصرنا تمزيقًا للنص؛ حين حاولت صفية زغلول وملك حفني ناصف الالتقاء في منتصف الطريق مع نساء أوروبا، ومحاولة إظهار الإسلام بأنه محرر للمرأة وفقًا للفهم الأوروبي، فأضاعوا نصف الإسلام.
وهنا أصبحنا إزاء مواقف متباينة من الإسلام والثورة:
أولاً: إن الوقوع في فخ الحلول الوسط كان سببًا لشرعنة المذاهب الوضعية لأن منتهجي الحلول الوسط نظروا في المذاهب الأخرى واستخرجوا من الإسلام ما يشابهها دون التقيد بقيود الاجتهاد الصحيح.
ثانيًا: وضع الإسلام في صورة أهون من المذاهب الوضعية لأن هذه أصبحت مرجعًا إنسانيًّا يلهث المسلمون ليثبتوا أن الإسلام أيضًا يحض على ما تحض عليه هذه المذاهب، ولم ينشغل العلماء بإظهار حقيقة الإسلام وتميزه ورؤيته المستقلة في الأمور، حتى قدمت الحركة الإسلامية نموذجًا فكريًّا متميزًا للإسلام.
ثالثًا: ظهور إسلام المأزومين:
- وهناك المأزوم فكريًّا:
فالتي رأت أن التيار جارف باتجاه حرية المرأة، اجتهدت لتتواءم مع هذه الحرية، والتي رأت أنه سيعيب الإسلام أن يمنع المرأة من الإمامة العظمى اجتهدت بتطويع النصوص لتثبت أن الإسلام لا يمنع (راجع بحث د. هبة رءوف في ذلك)، وبالتالي يدخل المجتهد برأي مسبق على النصوص فيوجهها لرؤيته المتأثرة بالأوروبيين ظنًّا أنه يبرئ الإسلام من نقائصه!!... في وقت كان ينبغي أن يجتهد ليصل إلى رؤية الإسلام دون التقيد بآراء الآخرين.
- وهناك المأزوم واقعيًّا:
وذلك في مواجهة الإسلام بالعلمانية وسيطرة الفكر العلماني على الواقع الثقافي العربي، فاضطروا إلى مزاوجة بين الإسلام والعلمانية أنتجت ولادات سفاحًا مثل الإسلام الليبرالي والإسلام الاشتراكي، حتى كدنا نصل إلى الإسلام المسيحي.
- وهناك المأزوم قهرًا:
بسبب ظلم القوة العسكرية التي تسيطر على بلاد المسلمين وتقهر أصحاب المناهج التغييرية، فنرى اللجوء للحلول الوسط بين وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الذي يبدأ من إنكار اللسان وحتى الثورة)، وبين الانصياع للحكام؛ فرأينا مثلاً في تجربة الجماعة الإسلامية بروز نماذج الموافقة على المراجعات مع الإصرار على معاداة الباطل (نموذج طارق وعبود الزمر) ورأينا عكسهم نموذج الانصياع للقهر الأمني ودولة العسكر (نموذج ناجح إبراهيم)، وترى امتداد هذه المواقف من الثورة الآن.
- وهناك المأزوم من المنافسة (الإسلامية- الإسلامية): مثل سلفية د. برهامي التي تحلم بأن تقود الحركة الإسلامية، لأسباب عديدة، وتنتهج في هذا منهج (التعقل!!) واستدعاء فقه الإمام المتغلب الذي لا يتوافر أي من شروطه بواقعنا، ويعتبرون أن هذا (حل وسط) بين ظهور الإسلام وبين ضياعه إذا ترك لجماعات مقاومة إسلامية (مثل الإخوان(!
- والحقيقة أن هؤلاء المأزومين يُظهرون الإسلام نفسه مأزومًا، وهذه ليست حقيقة، إذ إن المنهج الإسلامي أصبح خاضعًا للبحث والتمحيص بأيادٍ متخصصة بكل أنحاء العالم، ويكاد صناع القرار يعلمون تمامًا حقائق الإسلام، ويدركون ألاعيب المأزومين، ويعلمون تمامًا من الذي يعتنق الإسلام كما جاء به الوحي، فهم لا يغيب عنهم عدوهم، ولا يبالون بالأفراخ الراقصة على الصفيح الساخن.
- إن الفهم المستقيم أساسي للقرار المستقيم، وليست بدعة أن يضحى ثوار من أجل أمتهم ودينهم وحقوقهم، وليس خبلاً أن يموت ناس من أجل المجموع، وليس تهورًا أن تقتنص حقوقك ممن هو أقوى منك.
- لكنه جبن وتخذيل وتضييع للأمانة أن تنتهك المعاني المقدسة، وتتلاعب بالنصوص المقدسة تحت وطأة هزيمتك الروحية وانتصار خصمك، فمن الأشرف لك أن تعتزل الساحة بدلاً من لي أعناق النصوص والأفهام لتظل ملء السمع والبصر.
- ونحن قررنا أن نحمي الوسطية والاستقامة على الحق وألا ندنس الدين باجتهادات المأزومين، وألا نلوث الثورة بشبهات المهزومين.
مكملين...
لا رجوع...
------------------------