بقلم: عبد الجليل الشرنوبي*
إلى الشيخ أحمد ياسين.. رمز الحياة في عالم ميت
المشهد الأول: الخبر
لحية بيضاء.. ثلجية الأصل.. وردية صارت..
جسد نحيل.. كهل القوام من عمر السنين الطوال.. بدن تطاير.. رجل طار..
كرسي تحمله عجلات.. لا تُتوِّجُهُ زخارفُ الملك.. مرميٌّ في عرض الشارع.. مكسور العجلات والروح.. سيارات بيضاء تحمل شاراتِ هلال أحمر وتعلَّق على رأسها طاقيةٌ حمراء تقف في الجوارِ تزأر مكبراتها..
مآذن جريحة، يتحشرج صوتها ناقلاً الخبر، يبتر صوتها البكاء.. تصمت.. تلوذ بآي القرآن..
شوارع غزة أرحامٌ وَلُودةٌ.. تقذف بالآلاف من كل صوب نحو "شارع مسجد المركز الإسلامي" والمولود علامة حياته الصُّراخ.. مواليد غزة أعمارُهم متفاوتةٌ.. ليس بينهم صغير.. الكل كبير.. الكل يصرخ.. والصراخ في قاموسهم.. تكبير..
المشهد الثاني "فلاش باك"
مطرودٌ من رحمة ربه.. جمع أعوانَه.. نفس الوجوه التي تلتفي في محافله:
"يهوذا الإسخريوطي" يقف، وثلاثون من الفضة تلمع في ظلمة وجهه البائس الطامع؛ لتسليم مسيح جديد..
"أبرهة الحبشي" يداعب شفته المشرومة ويحلم بيوم يهدم فيه الكعبة..
"أبو لهب" يوقظ زوجَه لتحمل الحطبَ لتستعر نيران الأخدود..
"ابن سلول" أشداقُه تقطر سمًّا تلعقه أفعى مجلجلةً، فتعلو أصواتُ جلاجِلِها، يرقص على إيقاعها فيراقصه كل يهود الدونمة.
"أبو لؤلؤة" يخرج على الجمع والخِنجر في غمده متوارٍ عن العيون.. يضحك "هرتزل" وهو يمد يديه إلى الخنجر تحت طيات الملابس.. ويسحبه.. يشهره..
الخنجر يتحول في يده رصاصات.. طلقات.. قنابل.. مطاطية.. دمدمية.. عنقودية.. ذكية..
الخنجر يسقط من يده ينبت في الأرض جرَّافات.. مجنزرات.. مصفَّحات.. مروحيات..
الضحكات المجنونة تتصاعد من الجمع.. وهرتزل يُخرج من جيبه ثلاث ورقات لعب، يقلِّبها.. يضحك.. بين أصابعه يبدلها.. ويبدلها ويبدلها "لتختاروا" هكذا قال!!
العيون الجاحظة تفتش في خلفيات الورق عن صورة "عمر"..
يهوذا وابن سلول اختارا الوسطى، أبو لهب وأبو لؤلؤة اختارا اليسرى أما أبرهة فقد رفَض اللعب، مؤكدًا أنه مع الرابح؛ لأن المهم عنده هو البيت..
دخل "آريل" متأخرًا متعلِّلاً بأنه كان ينسف بعضَ صروحِ الإنسان.. طلب أن يشترك في اللعب واختار الورقة الباقية..
قلب "هرتزل" الورقة الأولى ثم الثانية والثالثة كلهم "عمر"..
"أبو لؤلؤة" اعترض: "شكله ليس عمر".. لكن الجميع أكدوا- وهم ينصرفون للتنفيذ- أن صاحب اللحية الثلجية عمر في ثوبه الجديد..
خرجوا.. وسقط غمد الخنجر على الأرض فاستحال طاولة مفاوضات..
المشهد الثالث "بورتريه"
عُمَر القرن الحادي والعشرين..
يتحرك ولا يسير..
يرفع آلاف الرايات، ويداه تحملهما جوانب كرسيه..
عيناه ترى أفقًا محجوبًا عنَّا، لكنه لا يدَّعي الولاية، مؤكدًا أنه مجرد فرد.
كلماته لهبٌ، نبتت شجرتُه في طينة مقدسية، مختلطةٌ بتراب أزهري، يشعل شتاء النفوس.. يُذيب ثلجَها المتراكم، فتحيل الكون ثورةً.
يبتسم فترى سكينة الراقد في الجنة؛ لذا يرتمي صغار "روضة المجمع الإسلامي" في أحضان بسماته كلما هلَّ، وبذا يوصيهم أهلهم، مؤكِّدين أن أحضانه الجنة.
أنفه لا ينفعل إلا عندما يحملون إليه خبرَ شهيدٍ زفُّوه.. يهتف: "هبي يا ريح الجنة.." يسمعها الحاضرون أريجًا ربانيًّا، يدخل من الأذن للروح.
أحلامه بسيطة (الحرية).
غايته التي يتطلع إليها من فوق كرسيه المتحرك تلخصها كلمته التي يقولها كلما تحرك: الله".
الزعامة في رأيه حكرٌ على رسول الأمة محمد صلى الله عليه وسلم.