- غياب الوعي والكوادر أهم أسباب تخلف الإعلام الإسلامي

- اختفاء البرامج الناجحة من التليفزيون المصري مصيبة

 

حاوره- أحمد الطهطاوي

القنوات الفضائية عالم جديد على المجتمعات العربية والإسلامية، نجحت في غزو البيوت من خلال الأطباق والوصلات، وصل عددها إلى ثماني قنوات خلال ست سنوات، وهناك ثلاثٌ في الطريق عن الزواج والتوفيق بين الشباب والفتيات المسلمات.

 

وهذه القنوات الثمانية يستقبلها القمر المصري 101، ولكن بمجرد أن تنظر إليها لا ترى جديدًا سوى الشكل، بينما تغيب العوامل الجاذبة للجماهير، اللهم إلا قناة (اقرأ)؛ لكونها الأولى في عالم القنوات الإسلامية لكن تبقى المعضلة الأساسية.. أين الموضوعات؟! وأين الجرأة؟! ولماذا تتوارى هذه القنوات- خجلاً- في مواجهة الفضائيات الغنائية أو الدرامية التي تمسك بالقاعدة العريضة من الجماهير وتجعلهم غير قادرين على تحويل مؤشر التلفاز؟!

 

وفي الوقت الذي نرى فيه الغرب يستهدف إسلامَنا نرى أن القنوات الدينية أو الإسلامية التي تستهدف مليار مسلم لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة (8) في مقابل أكثر من 12 قناةً مخصصةً للطرب والغناء ومثلها تقريبًا للأفلام والدراما وأكثر منها للمنوعات.

 

(إخوان أون لاين) حاور الدكتور محيي الدين عبد الحليم- أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر- حول تقييمه للفضائيات والبرامج الدينية الهادفة؟ فإلى نصِّ الحوار:

 

* رغم وجود فضائيات إسلامية إلا أن نجاحها ما زال محدودًا.. إلى أي مدى تتفقون مع هذا الرأي؟

** بدايةً لن نكون ظالمين في الحكم، فهناك قناة (اقرأ) ممتازة جدًّا، وبها جهدٌ مبذولٌ وواضحٌ، ورسالةٌ إعلاميةٌ تريد توصيلَها إلى الناس، ولديها كوادر مؤهلة، ولكنني دائمًا أرفضُ إطلاق لفظ "إسلامية" على القنوات الفضائية، وهذا لصالح الدعوة، فنحن نريد وجود الرسالة الإسلامية بشكلٍ مباشر وغير مباشر في كل القنوات الفضائية والأرضية وحتى تتغلغل الرسالة داخل القوالب الإعلامية كالخبر والتحقيق والبرنامج وغيرهم.

 

ولكن عندما تكون هناك قناةٌ إسلاميةٌ بحتةٌ وكل برامجها تنصبُّ على الدين فقط دون سياسة أو رياضة أو فن فإن المشاهد سيهجرها إلى أخرى تلبِّي له كافةَ احتياجاتِه؛ ولذلك علينا أن تكون مرجعيتنا إسلاميةً في الرسالة والضابط الوحيد لكل البرامج التي نقدمها، فنحن لا نريد مشاهدةَ امراة عارية، وفي حال وجود الإسلام كمرجعية للفضائيات فلن تجد العُري في الفضائيات، ولا إعلانًا خارجًا ولا أغنيةً خليعةً أو فتوى مضللةً أو وجهةَ نظرٍ استبداديةً.

 

ولذلك فمرجعية الإسلام ضرورة لوجود رؤية شاملة للقنوات الفضائية الإسلامية وغير الإسلامية، خاصةً إذا ما عرفنا أن آخر إحصائيات المشاهدة أثبتت أن الإقبال على القنوات العامة أكثر من الإقبال على القنوات الإسلامية.

 

أسباب الفشل

* ولماذا؟

** هذا كلام أغلبُه صحيح، ولكن لكي نكون منصفين أكثر فقد فشل في أمور ونجح في أخرى، فهناك برامج استطاعت استقطاب العديد من المشاهدين خاصةً الفتاوى من المشاهير الكبار والشرح المبسط للقرآن الكريم، مثلما كان يفعل الشيخ متولي الشعراوي، وعلى الجانب الآخر هناك برامج فشلت بكل امتياز، وهذا يرجع لعوامل عديدة منها:

 

- غياب الكوادر الإعلامية القادرة على المخاطبة السليمة للجماهير العريضة التي تتابع البرامج مما جعل الغالبية من الجماهير تهجرها.

 

- نوعية القضايا المطروحة التي لا تهم المشاهد من قريبٍ أو بعيد، فليس معقولاً مثلاً أن يكون كلامُنا في برنامج عن زواج أحد الصحابة في وقتٍ تعج البلاد فيه بحربٍ أهليةٍ أو مشاكل طائفية.

 

- انعدام عوامل الجذب اللازمة لاجتذابِ الجمهور لمشاهدة الموضوعات وتتمثل عوامل الجذب في الإخراج- التحرير- السيناريو- الديكور، مثلما تكون هذه العوامل في برامج الدراما، فاستديو البرامج الدينية فقير للغاية؛ حيث ترى فيه مكتبًا بسيطًا أو التسجيل في المساجد بينما استوديو الدراما به من الكوادر والكاميرات والديكورات بشكلٍ مبهر.

 

- عرض قضايا مُملة سبق تناولها أكثر من مرة، وبنفس الزاوية مثل أن نوجه خطابًا لصعيد مصر في برنامج عن انتشار الطبق "الدش" وهذه البلاد تعاني من ظاهرة الثأر.. كيف؟! وبوجهٍ عامٍّ طالما أنَّ الرسالةَ الإعلاميةَ فقيرةٌ ولا تهم أحدًا فإن تأثيرها سيظل معدومًا وضعيفًا للغاية.

 

- عدم وجود رؤية إستراتيجية" لهذه القنوات الإسلامية بها مجموعة من الأهداف التي تربو على تحقيقها ومرجعيات وأدوات فأنت تشاهد القنوات بلا لون أو طعم.

 

- اضطراب الفتاوى خاصةً مع ازدياد عدد" المصادر" الخاصة بالفتوى، فالآن أصبحنا أمام هوس إعلامي في مجال الفتوى، وكل واحد قرأ كتابًا يصبح مفتيًا، فهذه القنوات تركت الحبل على غاربه.

 

- حصر نشاط هذه القنوات في مجال العقيدة فقط من صلاة- صيام- حج وما عاداه يُعَدُّ خطأً كبيرًا، ونحن نقول إنَّ هذا فهمٌ خاطئٌ من القائمين على القنوات، فالمولى عز وجل يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 38)، فالمطلوب منهم شرح ما كان وما استجدَّ على المجتمع، فليس عيبًا أن تتحدث عن الرياضة وعن الفن والاقتصاد في إطار مرجعيةِ الإسلام، فالإسلام دينٌ ودنيا، وعليك فقط تقديم الرؤية الإسلامية من خلال برامجك الاقتصادية- السياسية- الدينية.

 

البرامج الدينية

* ما الشكل الأمثل- من وجهةِ نظركم- للإعلام الإسلامي في الفضائيات؟

** يمكننا تلخيص ذلك في زوال أسباب هجر المشاهدين لهذه القنوات، فلو زالت سيصبح لدينا قنواتٌ فاعلةٌ في المجال الدعوى بمعنى:

 

- وجود كوادر إعلامية قادرةٌ على مخاطبةِ الجماهير، من خلال إنشاء مراكز خاصة لتخريج الكوادر.

 

- طرح مجموعة من القضايا على المشاهدين، ومحاولة معرفة رأيه بالأساليب العلمية كالاستبيان والاتصالات.

 

- استخدام الإبهار المعقول في تقديمِ الموضوعات الإسلامية لاجتذاب الجمهور من مخرج فاهم- نص محرر بطريقة سليمة- سيناريو يحترام عقلية المشاهد- ديكور يُشعِر المشاهد بأن ما يُقدَّم له هو الأمثل وليست المساجد فقط.

 

- وجود إستراتيجية واضحة لهذه القنوات الإسلامية وخطة لمدد مثل "الخطط الخمسية" والتي تحاول فيها هذه القنوات تحقيق مجموعة من الأهداف ومحاسبة أنفسهم في حال التقصير بتحقيق الأهداف.

 

- إغلاق دكاكين الفتوى وحصرها على المهتمين الفاهمين المعتَمَدين؛ حتى لا تتحكَّم الأهواء في مروِّجي الفتاوى المضللة.

 

ولذلك فنحن نقول دائمًا إنَّ الرسالةَ الإعلامية لن تصل للهدف المرجوِّ طالما لم يكن مقدمو البرامج "عاشقين" لنوعية البرامج الدينية، فأنا يمكنني أن أجعل محرر الشئون الدولية يعمل بقسم الاقتصاد وسينجز فيه حتى ولو لم يحبه، لكنني وبكل استحالةٍ لن أقوم بهذا العمل في تحرير الأخبار الدينية أو إعداد برنامج عنها.

 

معطيات القرآن

* هل ترى أنَّ التخصص المبكر للقنوات الفضائية مفيدٌ أو مضرٌّ؟ وما رأيك في هذا التخصص مثل التي تذيع القرآن فقط؟!

** لا يوجد في الإعلام المسموع شيءٌ اسمه تخصص؛ لأننا نخاطب مشاهدين متنوعي الأذواق، وكما قلت فإن التخصص يفقد نسبة المشاهدة، فالقناة عليها أن تكون شموليةً برؤية إسلامية، فليس من العقل أن تهتم القناة بالعبادات والشعائر وتحرم المشاهد من متابعة الأمور السياسية والاقتصادية لمجرد أنها قناةٌ إسلاميةٌ متخصصة، فالواجب عليها أن تقوم بتغطية كافة الأحداث بشرطِ الالتزام بثوابت العقيدة "فلا إفراط ولا تفريط".

 

فأنا كمسلمٍ أحتاج القرآن في كلِّ حياتي، فهو مرجعيتي في طعامي وشرابي وسلوكي وتعليمي، ولكنني أحتاج إلى معطيات القرآن في مختلف مناحي الحياة، والقرآن لم يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا وشرحها للناس، والمطلوب الآن أن تكون الرسالة الإعلامية الإسلامية شارحةً في قالب إعلامي درامي كافةَ الأمور التي وضحها القرآن من أجل توصيلها لعموم المشاهدين.

 

فالله عز وجل لم يطلب منا دائمًا قراءة القرآن وهجر باقي أمور الدنيا وقوله تعالى ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)﴾ (الأعراف) ونحن نرى العديد من الناس يقومون بفتح إذاعة القرآن الكريم ويتركون محالَّهم وأماكنهم، وكأنَّ القرآنَ هنا للبركة وليس للتلاوة أو للتدبر، فنحن نحتاج للقرآن بدلالته في شتى أمورنا السياسية والاقتصادية والدينية وليس مجرد تلاوة نصوص فقط.

 

انهيار الأخلاق

* ما رأيك في أداء الإعلام الحكومي في البرامج الدينية، خاصةً مع تقليص عدد ساعات البث واختفاء برامج ذات شعبية جارفة (الشعراوي)؟

** بصراحة ووضوح شديدَين أنا حزين لِمَا يحدث الآن في البرامج الدينية بالتليفزيون المصري؛ فأنا ضد تقليص الساعات، خاصةً أننا مجتمعٌ متدين بطبيعته؛ ولذلك فحرمان الجمهور من بعض البرامج التي يعشقها حرام، وهناك التوقيتات الخاطئة والخاصة بالبرامج، فليس معقولاً أن يكون البرنامج دينيًّا ويُذاع في الثانية عشرة ظهرًا والناس في أعمالهم أو الثالثة فجرًا، فموعد البرنامج الديني يجب أن يأخذ في الاعتبار نوعيةَ مشاهديه، وهناك مشكلة الموضوعات المطروحة التي قاربت على هجر المشاهدين من كثرةِ تكرارها بلا فائدة.

 

ولن نكون ظالمين إذا قلنا إنه من أكثر الأسباب التي أدَّت إلى انهيارِ الأخلاق في المجتمع المصري هو ضياع التربية الإسلامية للشبابِ والكبار، فالناس الآن لا يُنتجون ولا يُراعون الله في أعمالهم، فلو كانت النزعةُ الدينيةُ موجودةً عندهم لقام كل واحدٍ بعمله الموكول إليه وبإتقانٍ، فليس المقصود بالتدين هو أن تذهب يوم الجمعة وتأخذ مصلًّى لك ولأبنائك وطوال الأسبوع لا تخاف الله.

 

وإذا كان هذا خطأً فالخطأ الأكبر هو ضياعُ القيم التي كان يُفترض أن تقوم بها الأجهزة الإعلامية لتوعية شبابنا، ولا ننسى ضياع الكتاتيب التي كانت ولا تزال وستظل هي المنشأ الأول لتربيةِ فكر الشباب وتهذيب خلقهم إسلاميًّا.

 

فالتوعية الدينية تحافظ على هويتنا الإسلامية العربية، فنحن مجتمعٌ عربيٌّ مسلمٌ فعلينا المحافظة على الفكرِ العربي والتراث الإسلامي، ولعل في هذه التوجه والتوصيات ما قدَّمه العديدُ من الخبراء والمهتمين بالبرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون.

 

الإخلاص والنية

* ما الفارق بين القنوات الإسلامية (الفجر- المجد) والقنوات المسيحية (الحياة) خاصةً من جهة التمويل والتوجيه؟

** بصراحة كل قناة تجتهد بما لديها من قوةٍ لكي يكون لها مصادر تمويلها الخاصة وبرامجها وحضورها المتميزَين، والتي تستطيع من خلاله توفيرَ المال لدعمها، واستقطاب العديد من العلماء والخبراء والكوادر المدرَّبة.

 

وبخصوص القنوات الإسلامية فنجد أنَّ رجالَ الأعمال المسلمين ورابطة المؤتمر الإسلامي وأصحابها يقومون بالتمويل، فيما نرى رجال الأعمال المسيحيين وأصحابها يموِّلون أنشطةَ فضائياتهم وكل واحد يريد نشر الفكر الخاص به.

 

ولكن علينا الاعتراف بأمرٍ مهم وهو أنَّ قنواتنا الإسلامية ليس لها حضورٌ دوليٌّ، بدليل أنه لا يوجد أي برنامج مُوجَّه إلى المجتمعِ الأوروبي من أجل تصحيح صورةِ الإسلام، فالدنمارك مثلاً ما حدث بها هو نتاجٌ طبيعيٌّ للجهلِ بالإسلام، فهو لا يعرف شيئًا عن الإسلام في الوقتِ الذي تسعى فيه المنظمات اليهودية واليمين المتطرف الأمريكي في توجيه سمومه نحو المسلمين، بإشاعة أمورٍ ليست في الإسلام ولا تجد مَن يرد عليهم، فوقع المواطن الأوروبي أسيرًا لما يُبَث في هذه القنواتِ المأجورة مثل (الحياة) وغيرها.

 

فقبل أن نتخصص مثلاً علينا توجيه جزءٍ من أموالنا لإنشاء قناة خاصة لمخاطبة الأوروبيين من أجل تصحيح الصورة السيئة عن الإسلام، وهذا ممكن، فدول الخليج ورجال الأعمال يستطيعون إنشاء الآف القنوات وعمل المعجزات، ويكفي القول بأن اليهود يمتلكون 75% من وسائل الإعلام في دولة واحدة هي فرنسا، فهم مخلصون لدعوتهم، أما نحن فلسنا كذلك.
ولهذا فإننا نقول: إنَّ صدقَ النوايا والبُعد عن التشرذم هو الأساس الصحيح الذي به نستطيع بناء أمةٍ واعيةٍ فاهمة، فالإعلامُ عملٌ علميٌّ مخططٌ، له أهدافٌ واضحةٌ ومرجعياتٌ محددةٌ وأدواتٌ ووسائل فاعلة.