تراجع تحليل الدكتور خليل العناني كثيرًا في مقالاته الأخيرة ذات الصلة بتحليل الجماعة، وآخرها مقاله "تحولات الحراك الإخواني في مصر"، وقد يكون لديه العذر لأسباب عدة منها عمله بالخارج والمناخ القمعي الحالي، ولكن إصراره على تكرار نفس التخمينات في كل مقال، يضع علامات استفهام كبيرة حول تحليلاته عن الجماعة، لأننا نحتاج عقله وقلمه في زمن العربي الجديد!



بداية من عنوان المقال، يختصر العناني المشهد الثوري في الإخوان لتأكيد ثنائية الصراع المزعومة "عسكر- إخوان" متجاهلاً أنها غضبة شعب تتقدم يوميًّا وتتسع أبعاد المشاركة فيها، في مواجهة عسكر فاشلين وخونة وكاذبين وقتلة، ومتناسيًا أن قوى ثورية أخرى بعضها شارك في سهرة 30 يونيو لها مشاركة في صناعة المشهد الثوري- بنسبة ما- كحركة 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين وأحرار وآخرين، فضلاً عن أن تحالف دعم الشرعية به قوى ذات ثقل ميداني وجماهيري متنوع، فضلاً كذلك عن أن الحراك الطلابي- وهو رأس حربة قوية للثورة- به تنوعات عدة فضلاً عن الحراك النقابي والفئوي والعمالي، ما يعني أن اختصار المشهد في الإخوان مع تقديرنا لنضالهم وتواجدهم الصلب القوي هو تقليل من الزخم الثوري وسقطة بحثية معلوماتية واضحة لدى العناني.


لقد أخطأ في سطوره الأولى للأسف، عندما قال إن لجماعة الإخوان المسلمين هدفين رئيسين منهما استعادة السلطة، بجانب إسقاط الانقلاب العسكري، وهو توصيف غير دقيق لا يليق بأكاديمي مثله، فالإخوان يهدفون إلى إسقاط الانقلاب واستعادة ثورة 25 يناير ومكتسباتها وفي مقدمتها "الإرادة الشعبية/ الشرعية الدستورية/ المسار الديمقراطي"- قل ما شئت- وتحقيق أهداف الثورة وآمال الشعب من عيش وقصاص وحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، وقد شرح الإخوان ذلك الأمر مئات المرات، ولكن العناني يسوق صورة ذهنية سلبية تدور حول نفس مضامين الانقلاب القميئة "مرسي /الكرسي، الإخوان/ السلطة" وكأنها ليست سلطة شعب مسلوبة بالإكراه وكأن استعادة المسار الديمقراطي جريمة نكراء!، وكأن الشرعية كمبدأ ديمقراطي لا كشخص من الطبيعي الاختلاف حوله، يجب تفجيرها في كل مقالاته.


زعم العناني مع تقدم سطوره أن الحراك الثوري لم يحقق طيلة عام ويزيد أي شيء، بالمخالفة لمقاله "متى يأخذ الإخوان خطوة للخلف؟"، وبالمخالفة للواقع الثوري، وقد اقترحنا عليه في ردنا على ذلك المقال وقتها قراءة دراسة المفكر الدكتور رفيق حبيب "هزائم الانقلاب انتصار للثوار" ومقالنا "ماذا حققت الثورة ضد الانقلاب؟"، ولكن يبدو أن المحنة المعلوماتية والبحثية مسيطرة عليه دون جدوى أو اجتهاد لتمرير ذات الأفكار وإثبات ذات الهواجس، وهو أمر مثير للاستغراب.


لقد نجح الحراك الثوري- وفي القلب منه الإخوان- في تثوير المجتمع واستقطاب عدد كبير منه تحت شعارات عدة ووسائل عدة للانضمام للثورة ضد الانقلاب، وكسبت معركة الوعي ضد خطر حكم العسكر جولات تلو جولات، وانتصرت معركة الحقوق في محطات تلو محطات، وازدادت القاعدة الصلبة لثورة 25 يناير في انتظار لحظة البركان والمحطة النهائية، ولكن من يجلس في الخارج ولا يرى إلا ربع المشهد ويستعذب تقزيم كل الصورة الذهنية الثورية ولا يقدم أي رؤية أو خطة لإنقاذ ثورة 25 يناير ولو حتى من باب تخصصه السياسي، فالآلاف من علامات التعجب في انتظاره حتى الحصول على إجابة واضحة لأسباب محنته.


العناني أكد في مقاله نفس الأزمة النفسية التي ظهرت بوضوح من قضية المظلومية وإحساس الجميع فيها بمصر خاصة من جماعة الإخوان المسلمين، وراح يفلسف لتمزيقها وشيطنتها، ويضرب فيها بعنف، وقد يكون له مبرر في ذلك أنه لم يفقد حبيبًا أو صديقًا أو زوجة أو طفلاً في محرقة رابعة والنهضة وأخواتهما، فالإحساس بالألم والوجع والمحنة بات روحًا جماعيةً في مصر تحت سياط القهر وفقد الحق في الحياة والتعبير عن الرأي ولقمة العيش ومئات الحقوق الأخرى، وهذا لا ينافي تواجد روح المقاومة والصمود في قلب الحراك، والاثنان جناحان لأي حراك ثوري ضد الظلم في أي مكان في العالم، ومفهومان إنسانيان طبيعيان لا يثير كل هذه الحنق المتكرر في مقالات الرجل.


إن المراجعة المستمرة سواء داخل الإخوان أو القوى الثورية الأخرى فرض الوقت، ونظن أن تمسك الإخوان على وجه التحديد بالمسار الثوري هو مراجعة تنفيذية على أرض الواقع وليست كلامية في فضاء الحروف فحسب لما سبق ولما آلت إليه الأحوال، ويجب أن تستمر المراجعة في كل مكان وكل وقت دون تخوين أو تشويه طالما تستند إلى منطلقات سليمة وبدايات صحيحة، ولكن العناني نظرًا للمحنة المعلوماتية كرر معاني قديمة لديه عن الإخوان والثوار، بل لجأ للتعميم في استنتاج قيام الإخوان بخطاب عدائي ضد رفقاء الدرب الثوري في حزب الوسط بعد خروجه من العمل في إطار التحالف وهو استنتاج معيب وغير صحيح فروح الاحترام والوضوح كان السائدة ولا يعني تدوينة لشاب هنا أو هناك أن الخطاب قد تغير، وهنا يجب أن نسأل: هل هذا "أسفين"؟!


ومع استمرار المحنة المعلوماتية والبحثية انتقل الكاتب إلى نقطة أخطر، وهي نقطة الحراك الثوري وتحولاته، حيث سار في درب التخمينات والهواجس، وخلط بين غضبة شعب لا يرى عدالة ولا قصاص ولا حقوق وبين حراك ثوري له استراتيجيته وأهدافه وميادينه، ولم يكيل للانقلاب ومجرميه بنفس القدر من التعامل اللفظي الخشن الذي توجه به إلى الثوار والأهالي الغاضبة.


إن الحراك الثوري في مصر قابض على السلمية كخيار إستراتيجي ولكنه قابض أيضًا على حق الدفاع عن النفس في مواجهة البغي والعدوان والمقاومة الشعبية المستمرة حتى الانتصار، والحراك ليس تنظيمًا والثورة ليست بالريموت كنترول، تستطيع فيهما التحكم في كل مخرجات الغضب لكل الناس في نفس الوقت، ولذلك تتحمل سلطات الانقلاب العسكري انفجار بركان الغضب الشعبي بصور خشنة في ظل جرائم الاغتصاب والإعدام في الشوارع والغباء منقطع النظير وغيرهم من الجرائم النكراء.


إن الثورة باتت في حيرة من أمرها، فعندما تتقدم ينال منها دون وعي، وعندما تتحرك في مكانها تغتال، وأن قصة د. خليل العناني مع الإخوان باتت محيرة كذلك، ونظن أنه بحاجة إلى وقت إضافي ومقابلات ميدانية وحديث مع الشباب وعموم الثوار لصناعة صور ذهنية بديلة عن التي صنعها بعد 11 فبراير 2011 حتى 3 يوليو 2013، فالمياه جرت وغيرت والمجرى يتجدد كل يوم والثورة مستمرة برؤية مبصرة، وميدان التحليل وضبط بوصلة الحراك يحتاج أمثال د. خليل العناني بشرط التحديث والوقوف على الحد الأدنى من المعلومات الدقيقة.