د. مجدي الهلالي

بقلم: د. مجدي الهلالي
وعد الله عز وجل عباده بوعودٍ في الدنيا وفي الآخرة، ولقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن كثيرٍ من وعودِه التي تحقَّقت كاملةً وتامةً في الأزمان السابقة؛ حتى يزدادَ يقينُنا وإيمانُنا بتحقق وعده سبحانه بالتمكين لعباده المؤمنين فتمتلئ قلوبُنا بالسكينة والطمأنينة، حتى وإن رأينا من الأحداث ما لا يتناسب مع هذا الوعد، وحتى يزدادَ كذلك تشميرُنا للقيام بالواجب المنوط بنا ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ(121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ(122)﴾ (هود).
ومن الوعود التي وعدها الله وتحقَّقت بشكل مذهل ذلك الوعد الذي وعده سبحانه لأم موسى- عليه السلام- بعد ولادته ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾ (القصص).
ولو تخيلنا المشهد في ذلك الوقت لوجدنا أن عودة موسى- عليه السلام- إلى أمه كَرَّةً أخرى ضَربٌ من ضروب المستحيل، ففرعون أطلق جنودَه ليبحثوا عن كل طفل يولد من بني إسرائيل حتى يذبحوه، وأم موسى وضعت الرضيع في صندوق وألقته في النيل، والمتوقَّع أن يواجه الطفل أحد مصيرين، فإما أن يعثر عليه جنود فرعون وإما أن يموت جوعًا وعطشًا أو غرقًا!!
مشهد مفزع، ولكنه عند الله عز وجل ليس كذلك، فهو سبحانه له ملك السماوات والأرض، وكل شيء في هذا الكون يأتمر بأوامره وينفذ مشيئته ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)﴾ (يس).
وبالفعل حقَّق سبحانه وتعالى وعدَه لأمِّ موسى- عليه السلام- وتم ذلك من خلال سلسلة عجيبة من الأحداث سخَّر الله خلالها بعضَ مخلوقاته- ومنها فرعون نفسه- ليقوم كل منها بدور محدد في زمن محدد؛ لينتهي الأمر بالنهاية السعيدة التي قدَّرها سبحانه ووعد بها أم موسى- عليه السلام.
تبدأ الأحداث التي يحرِّكها الله عز وجل بأن تجد زوجة فرعون في نفسها الرغبةَ في السباحة في النيل في وقتٍ معين، فتذهب وتسبح، ويتحرك الصندوق الذي يحمل موسى- عليه السلام- في اتجاه محدَّد قدَّره له ربه ليلتقي بزوجة فرعون، فتجد في نفسها رغبةً في معرفة ما يحمله، فتجده طفلاً رضيعًا، وقد كانت- حسب تقدير الله وعلمه السابق المحيط- عقيمًا؛ ليزداد سرورُها وفرحُها بالرضيع، ومن ثمَّ إلحاحُها في بقائه معها في قصر فرعون ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(9)﴾ (القصص).
أم موسى فَزِعة، تفكِّر في وليدها ليل نهار.. تريد أن تتكلم وتحكي ما حدث، فيأمر الله السكينة أن تلزمَها، ويربط سبحانه على قلبها بالإيمان ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(10)﴾ (القصص).
في تلك الأثناء تظهر مشكلة في القصر، كيف سيُطعمون الطفل (موسى عليه السلام) فأرسلوا إلى المرضعات، واحدةً تلو الأخرى، فكان الأمر الإلهي النافذ بعدم قبول موسى لأي منهن ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ في هذه الأثناء قفزت فكرةٌ في عقل أم موسى.. أن تُرسل أخت موسى- عليه السلام- لتتحسَّس أمرَ الصندوق وإلى أين وصل ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(11)﴾ (القصص).
كان من الممكن أن يرى القوم أختَ موسى وهي ترقُبهم وتتبَّع الأحداث، لكن الله عز وجل صرف أبصارَهم عنها، ثم أطلق لسانَها في التوقيت المناسب عندما كان أهل القصر ف