جملة قرأتها فرأيتها معبرة أصدق تعبير عن الحال الذي وصلنا إليه في بلدنا مصر، فليس أصدق من تعبيرنا عن هذا الحال بقولنا (على هذه الأرض انتحر المنطق).
أصبحنا في بلاد اللا منطق، حتى أني أصبحت أشفق من صورة بلدنا في عيون الآخرين من أبناء العالم من شرقه لغربه ومن شماله لجنوبه، وأتساءل خجلاً: كيف هي صورتنا في عيونهم، وبأي أوصاف يصفوننا، وأي درجة من الاحترام ينظرون بها إلينا في ظل كل هذا الذي يرونه من حياة اللا منطق التي نعيشها.
قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير كان المنطق اللا منطقي السائد بين عموم الناس (اللي تعرفه أحسن من اللي متعرفوش، واللي سرق وشبع أحس من اللي لسه هييجي جديد عايز يسرق ويشبع).
فتتساءل، لماذا نجح العالم كله في فكرة تداول السلطة وكانت سببًا في ازدهار دوله جميعها، ولماذا نبقى نحن أعداء هذه الفكرة إلى الأبد؟، ولماذا يذهب تفكيرنا يقينًا إلى أن القادم سيكون سارقًا ناهبًا مثل السابق؟، ولماذا نرضى دائمًا كشعب أن يسرقه حكامه؟!.
في أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير كان منطقهم السائد (هؤلاء مأجورون ممولون من كل العالم لإسقاط الدولة المصرية، وهذه هي جماعة الإخوان المسلمين التي تريد الحكم).
لماذا يتهمون هؤلاء الذين خرجوا مضحين بأرواحهم من أجل حرية بلادهم وكرامتها، لماذا يتهمونهم بالخيانة والعمالة؟، وهل يتخيل أحد أن يقدم خائن عميل على التضحية بحياته لأجل إتمام خيانته وعمالته، ولماذا نرمي دائمًا الإخوان بتهمة البحث عن الكرسي والحكم، وما الضير في ذلك ما داموا يسعون إلى ذلك بالوسيلة السلمية الديمقراطية.
بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير أخذ الجميع يتمسحون بها، ويدعون إلى إنفاذ مطالبها وغايتها، ثم تفرغ الجميع لإحداث الفوضى في الشارع ليل نهار.
هل كان من الحكمة أن تظل البلاد في هذا الوضع من التخبط والتشرذم، وهل كان هذا في مصلحة الثورة أم في مصلحة أعدائها؟ ألم يكن من الوارد حينها أن تسقط الدولة تمامًا فلا تقوم لها قائمة؟.
عندما تقدم الإخوان للحكم ثار الجميع، ورموهم بالكذب والخيانة، لأن الإخوان أعلنوا أولاً أنهم لن يتقدموا للرئاسة ثم غيروا رأيهم وقرروا أن يتقدموا إليها.
أليس من المعروف أن السياسة هي لعبة المتغيرات، وأن القرار يتغير بتغير الظرف والزمن، ثم ما الضير على البلاد والعباد من أن يقرر فصيل سياسي خوض غمار الانتخابات الرئاسية بعدما كان مقررًا أن لا يخوضها، ألسنا في النهاية أمام اختيار شعبي ديمقراطي؟.
لما بدأ حكم الإخوان، بدأ الجميع من أول يوم بمعاداتهم والسعي إلى إسقاطهم.
أهذه هي الديمقراطية التي تريدونها، إما أن تأتي بمن تريدون، أو فلتذهب إلى الجحيم هي ومن أتت به من غيركم.
اتهم محمد مرسي والإخوان بالفشل الكبير ولم يمضوا في حكمهم عامًا واحدًا. أذكر أن خال زوجتي قد أتاني زائرًا بعد زواجي بأسبوع، ولما تعرف عليّ قال لي ما معناه (إننا لن نعرفك أكثر إلا بمعايشتك أطول، والمثل يقول: لا تذم ولا تشكر إلا بعد سنة وستة أشهر).
المثل العامي يخبرنا أننا لا نستطيع الحكم على أحد إلا بعد معايشته سنة وستة أشهر، هذا في حق معايشة الأفراد، فما بالنا بمعايشة حاكم ورث بلدًا خربة إلى أقصى درجات الخراب، أبعد عام واحد يجوز لنا الحكم عليه؟!.
خرج الناس إلى الميدان ثائرين على مرسي وجماعته، وخرج آخرون في ميدان آخر مؤيدين مناصرين.
فلا يخرج الجيش إلا لتنفيذ إرادة طرف دون طرف، مدعيًا أنه يحمي الإرادة الشعبية. فأين إذن إرادة الشعب الذي انتخب مرسي والإخوان للحكم لمدة أربعة أعوام؟!. إرادة تنفذ وإرادة تعدم!.
يخرج الجيش وتخرج الشرطة لقتل المعتصمين السلميين بحجة أنهم أوقفوا الحياة والحركة، وبحجة أنهم مسلحون.
ميدان التحرير ظل مغلقًا ما يقارب العام لأن بعض الشباب أعلن اعتصامه فيه ونصب خيامه التي لم تكن تتجاوز العشر خيام.
وكذبة التسليح لم يقل بها أي زائر أجنبي للاعتصام، والمنطق يقول إن هذا الاعتصام بهذه الجموع الهادرة لو كان مسلحًا، لكان يوم فضه مجزرة للطرفين، وحربًا ضروسًا ربما تستمر لأيام وأسابيع.
يعلن السيسي أنه لن يترشح للرئاسة ثم يعود ويترشح فلا يتحدث أحد ممن كانوا قد تحدثوا فأكثروا يوم أن أعلن الإخوان أنهم لن يترشحوا ثم عادوا وترشحوا.
تزوّر انتخابات الرئاسة تزويرًا فجًّا يعيدنا إلى عصر ما قبل الثورة في أشد صفحاته فجاجة ولا يتحدث أحد.
يفرج القضاء الشامخ عن كل رجالات مبارك الفسدة المجرمين، ويحكم بالمؤبدات والإعدامات على رجال الإخوان المسلمين.
يهلل الإعلام للفرعون الجديد، ولعصر البطش والظلم مرة أخرى.
تتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد فلا يتحرك من كانوا قد تحركوا أيام مرسي لمثلها ولأقل منها.
نصل في درجة لا منطقيتنا إلى حد أن يقف نظامنا الانقلابي الحاكم مع العدو الصهيوني في حربه على غزة، ويهلل الإعلام الرسمي والخاص لذلك.
العسكر المصري أخون عسكر، والأمن المصري أفجر أمن، والقضاء المصري أفسد قضاء، والإعلام المصري أكذب إعلام، والشعب المصري.. كيف له أن يقبل بكل ذلك؟!