لم تكن سياسة عمر المالية ارتجاليةً، فهو مسئول عن دولة، وكان يحسب حسابًا لكل خطوة يخطوها، ويضع الضمانات لكل عملٍ يعتزم تنفيذه، ولقد سار في سياسته على أمورٍ، منها:
- العزم على الاعتصام بالكتاب والسنة، والتضحية في سبيل ذلك، وهذا ما يبدو واضحًا من كتبه للعمال وخُطَبِه إلى رعيته، ومثال ذلك قوله: سنَّ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- وولاةُ الأمر من بعده سننًا الأخذ بها اعتصامٌ بكتاب الله وقوةٌ على دين الله، ليس لأحد تبديلُها ولا تغييرُها، ولا النظر في أمرٍ خالفها.
- ترسيخ قيم الحق والعدل ودفع الظلم: وهذا هو أساس سياسة عمر، فجميع الأهداف والوسائل التي اتبعها كانت تنسجم مع هذا الأساس، وإحقاق الحق ودفع الظلم هو أصل من أصول الشريعة، ومقصد رئيسي من مقاصدها قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية 25).. يقول ابن القيم: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، ولقد كان عمر يرجع للحق إذا تبيَّن له الخطأ، ويقول في ذلك: ما من طينة أهون عليَّ فتًّا ولا كتاب أيسر عليَّ ردًا من كتاب قضيت به، ثم أبصرت أن الحق في غيره ففتتها.
أولاً: أهداف السياسة الاقتصادية عند عمر
1- إعادة توزيع الدخل والثروة بشكل عادل:
لقد سعى عمر بن عبد العزيز لإعادة توزيع الدخل والثروة بالشكل العادل، الذي يرضى الله تعالى ويحقق قيم الحق والعدل والظلم، والتي وضعها عمر نصب عينيه فقد كان يراقب الانحرافات السابقة قبل خلافته ويلاحظ آثارها السلبية على نفوس الرعية ولقد انتقد سياسة سليمان بن عبد الملك التوزيعية فقال له: لقد رأيتك زدت أهل الغنى وتركت أهل الفقر بفقرهم.. فقد أدرك عمر بن عبد العزيز أن التفاوت الاجتماعي هو نتيجة لسوء توزيع الثروة، فرسم سياسته الجديدة لإنصاف الفقراء والمظلومين ولقد استخدم عمر للوصول إلى هذا الهدف بعض الوسائل العملية منها:
- منع الأمراء والكبراء من الاستئثار بثروة الأمة، ومصادرة الأملاك المغصوبة ظلمًا، والتي استولى عليها الأمراء والكبراء، وإعادة هذه الأموال إلى أصحابها إذا عرفوا أو إلى بيت المال، إذا لم يعرف أصحابها، أو كانت من الأموال العامة.
- زيادة الإنفاق على الفئات الفقيرة والمحرومة ورعايتها وتأمين مستوى الكفاية لها عن طريق الزكاة وموارد بيت المال الأخرى، وقد قام بتنفيذ هذه السياسة، كما مرَّ معنا في سياسته في رد المظالم، ولقد كانت سياسة عمر التوزيعية تهدف على إيصال الناس إلى حد الكفاية: يلاحظ ذلك من خطبه، فقد خطب الناس يوميًا فقال: وددن أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن وهم وأكون أنا أولهم. وفي خطبة أخرى:.. ما أحد منكم تبلغني حاجته إلا حرصت أن أسدَّ من حاجته ما قدرت عليه وما أحد لا يسعه ما عندي إلا وددت أنه بُدِئ بي وبلحمتي الذي يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم وقد طبق عمر هذا التطور علميًا عندما أمر بقضاء دين الغارمين فكتب إليه عامله: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس والأثاث في بيته، فأجاب عمر: لا بدَّ للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه رأسه وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، فهو غارم فاقضوا عنه، فسياسة عمر التوزيعية تهدف إلى كفاية الناس من حيث المسكن والمركب والأثاث، وهي عبارة عن حاجات أساسية، وضرورية للإنسان تصعب الحياة بدونها.
2- تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي:
سعى عمر بن عبد العزيز عن طريق العديد من الوسائل لتحقيق هذا الهدف، فقد أوجد المناخ المناسب للتنمية عن طريق حفظ الأمن والقضاء على الفتن، ورد الحقوق لأصحابها، وبذلك باتت الرعية مطمئنة على حقوقها، آمنة في أوطانها كذلك أمر ببناء المرافق العامة، والتي تسمى اليوم بمشاريع البنية التحتية، ولا تقوم التنمية إلا بهذه المرافق الضرورية من أنهار وترع ومواصلات وطرق، وقد أكد عمر على مبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة بضوابط الشريعة، فانتشر الناس في تجارتهم وتثمير أموالهم واهتم كذلك اهتمامًا بالغًا بالزراعة، حيث كان القطاع الزراعي من أكبر القطاعات على المستوى الفردي، وله مردود كبير على ميزانية الدولة، وقد جنى عمر والأمة كلها ثمرات هذه السياسة، فقد عمَّ الرخاء البلاد والعباد، قال رجل من ولد زيد بن الخطاب: إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفًا وذلك ثلاثون شهرًا فما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم فما يجده، فيرجع بماله قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس.
ثانيًا: وسائل عمر بن عبد العزيز لتحقيق الأهداف الاقتصادية لدولته
سعى عمر بن عبد العزيز لتحقيق أهدافه الاقتصادية بوسائل منها:
1- توفير المناخ المناسب للتنمية: وقد عمل عمر على توفير المناخ المناسب للتنمية، وقام بالآتي:
أ- رد الحقوق لأصحابها: فتوفرت أجواء الأمن والطمأنينة، وترسخت قيم الحق والعدالة وردّ الحقوق المغتصبة إلى أبناء الأمة وسمَّاها مظالم، وقد تحدثت عن سياسته في رد المظالم والحقوق إلى أهلها وذكرت الكثير من المواقف في هذا الشأن.
ب- فتح الحرية الاقتصادية بقيود: فقد أكد عمر على مفهوم الحرية الاقتصادية المقيدة، وكتب إلى العمال:.. وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدْعى الناس إلى الإسلام كافة وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر ولا يمنعون، ولا يحبسون، وقدم في موضوع آخر:... أطلق الجسور المعابر للسابلة يسيرون عليها دون جُعْل؛ لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به ولم يتدخل عمر بن عبد العزيز في الأسعار، فعن عبد الرحمن بن شوبان قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين ما بال الأسعار غالية في زمانك وكانت في زمان من قبلك رخيصة؟ قال: إن الذين كانوا قبلي كانوا يكلفون أهل الذمة فوق طاقتهم فلم يكونوا يجدون بُدًا من أن يبيعوا ويكسروا ما في أيديهم، وأنا لا أكلف أحدًا إلا طاقته، فباع الرجل كيف شاء، قال: فقلت: لو أنك سعَّرت، قال: ليس إلينا من ذلك شيء إنما السعر إلى الله، وتشدد عمر في أمر السلع المُحرَّمة ومنع التعامل بها فالخمر من الخبائث التي لا يجوز التعامل فيها بين المسلمين لحرمتها ولضررها حيث يؤدي شربها إلى استحلال الدم الحرام وأكل المال الحرام. ويقول عمر: فإن من نجده يشرب منه شيئًا بعد تقدمنا إليه فيه نُوجعه عقوبةً في ماله ونفسه ونجعله نكالاً لغيره. وقد أثمرت سياسة عمر في ردِّ الحقوق وإطلاق الحرية الاقتصادية المنضبطة، حيث وفَّرت للناس الحوافز للعمل والإنتاج، وأزالت العوائق التي تحول دون ذلك، وهذا أدى إلى نمو التجارة، وبالتالي إلى زيادة حصيلة الدخل الخاضع للزكاة، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة الزكاة ممَّا يؤدي إلى رفع مستوى الطبقات الفقيرة وارتفاع قوتها الشرائية والتي ستتوجه إلى الاستهلاك، وبالتالي إلى زيادة الطلب على السلعة، والخدمات وهذا كله يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الرفاه.
2- اتباع سياسة زراعية جديدة: فقد اتبع خطوات ترمي إلى زيادة الإنتاج الزراعي للأمة وإليك تفصيل هذه الخطوات:
أ- منع بيع الأرض الخراجية: سأل الناس عبد الملك بن مروان والوليد وسليمان أن يأذنوا في شراء الأرض من أهل الذمة، فأذنوا لهم شريطة أن يضعوا أثمانها في بيت المال، فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز، ترك هذه الأشرية على حالها، وذلك لما وقع فيها من المواريث ومهور النساء وقضاء الديون ولم يقدر على تخليصه، وكتب كتابًا قُرئ على الناس سنة المائة: أن من اشترى شيئًا بعد سنة مائة فإن بيعه مردود وسميت سنة مائة سنة المدة، فتناهى الناس بعدها عن الشراء. ولقد طلب أهل الأرض أن يضع عليهم الصدقة بدل الخراج، فأجاب عمر: إني لا أعلم شيئًا أثبت لمادة الإسلام من هذه الأرض التي جعلها الله لهم فيئًا.. قال أبو عبيدة فكأن مذهب عمر بن عبد العزيز في الأرض أنه كان يراها فيئًا، ولهذا كان يمنع أهلها من بيعها. وكتب إلى ميمون بن مهران: أما بعد، فحُل بين أهل الأرض وبين بيعها ما في أيديهم، فإنهم إنما يبيعون فيء المسلمين. كذلك رفض عمر تحويل الأرض التي دخل أهلها في الإسلام من أرض خراج إلى أرض عشر، وأبقى الخراج عليهم والعشر وقال: الخراج على الأرض والعشر على الحب. وبذلك حافظ على المورد الرئيس للإنتاج وجعله ملكًا عامًا للأمة بدلاً من تحويله إلى ملكيات صغيرة.
ب- العناية بالمزارعين وتخفيف الضرائب عنهم:
اعتاد بعض الخلفاء الأمويين قبل عمر بن عبد العزيز على إرهاق المزارعين بالضرائب، فكثُرت الضرائب وتنوعت، واشتد الأمر على أهل الأرض فهجروها، فخرجت، فأضرَّ ذلك بمالية الدولة، ولقد لجأوا إلى أساليب العذاب في الجباية فاضطر المزارعون إلى بيع دوابهم أو كسوتهم لشديد ما عليهم، وعندما تولى عمر سعى إلى إلغاء جميع الضرائب المخالفة للشريعة، وكتب بذلك إلى العمال كتابًا منها: فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنة خبيثة استنها عليهم عمال السوء.. ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة، ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف ولا أجور البيوت.
وقد ألغى القبالة وكانت مألوفة في البصرة، وألغى أسلوب الخرص؛ حيث كان العمال يقدرون الثمار بسعر عالٍ ويقبضونه نقدًا، وبذلك يرهقون الزراع، فقرر عمر وضع الضريبة حسب الأسعار الفعلية وكتب لعامله: بلغني أن عمالك بفارس يخرصون الثمار ثم يقومونها على أهلها بسعر فوق سعر الناس الذي يتبايعون ثم يأخذون ذلك ورقًا على قيمتهم التي قوموها.. وقد بعثت بشر بن صفوان وعبد الله بن عجلان للنظر في ذلك ورد الثمن الذي أُخذ من الناس إلى ما باع أهل الأرض به غلاتهم. ولقد أمر عمر بالغاء ضريبة ثابتة على أهل اليمن، كالخراج مع أن أرضها أرض عشرية، وكتب إلى عامله على اليمن: أما بعد، فإنك كتبت إليَّ أنك قدمت اليمن فوجدت على أهلها ضريبة من الخراج مضروبة ثابتة في أعناقهم كالجزية يؤدونها على كل حال، أخصبوا أو أجدبوا أو حيوا أو ماتوا، فسبحان الله رب العالمين ثم سبحان الله رب العالمين.. إذا أتاك كتابي هذا فدع ما تنكره من الباطل إلى ما تعرفه من الحق ثم ائتنف الحق فاعمل به بالغًا بي وبك وإن أحاط بمهج أنفسنا، وإن لم ترفع إليَّ من جميع اليمن إلا حفنة من كتم، فقد علم الله إني بها مسرور إذا كانت موافقة للحق والسلام. ويلاحظ من كتب عمر إلى عماله الانحرافات السابقة الظالمة وإنكار عمر لها، وقد كان لها أثر اقتصادي سيء حيث جعلت أصحاب الأرض يضعفوا عن أرضهم ويتركوها فضعف الإنتاج وترتب على ذلك خسارة للبلاد ولبيت المال، وأما عمر بن عبد العزيز فكان مُصرًّا على تطبيق الحق وعدم اهتمامه بالكم بل بالكيف، فهو لا يريد إيرادًا كثيرًا ظالمًا، وقد ساهمت إصلاحات عمر في إلغائه للضرائب الجائرة إلى انتعاش اقتصاد الدولة.
ج- الإصلاحات والإعمار وإحياء أرض الموات:
شجَّع عمر على إحياء الأرض الموات وعلى إصلاح الأراضي للزراعة، وكتب بذلك إلى عامله على الكوفة: لا تحمل خرابًا على عامر ولا عامرًا على خراب، انظر إلى الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. وكتب عمر: من غلب الماء على شيء فهو له، وعن حكيم بن زريق قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي من أحيا أرضًا ميتة ببنيان أو حرث، ما لم تكن من أموال قوم ابتاعوها من أموالهم، أو أحيوا بعضًا وتركوا بعضًا، فاجز للقوم أحياءهم الذي أحيوا ببنيان أو حرث، وحرص عمر على استغلال أرض الصوافي، ورأى أن ملكيتها لبيت المال، ومنع الإقطاع منها وأمر بإعطائها مزارعة على النصف فإن لم تزرع فعلى الثلث، فإن لم تزرع فأمر بإعطائها حتى تبلغ العشر فإن لم يزرعها أحد فأمر بمنحها، فإن لم يزرعها أحد فأمر بالإنفاق عليها من بيت المال.
وقد اهتم عمر بالمزارعين ورفع الضرر عنهم، ويُروى في ذلك أن جيشًا من أهل الشام مر بزرع رجل فأفسده، فأخبر الرجل عمر بذلك، فعوضه عشرة آلاف درهم، وكان يقدم القروض للمزارعين، فقد جاء في رسالته لواليه على العراق: أن انظر مَن كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين.
د- عمر والحمى:
منع عمر الحمى الخاص وأباح هذه الأراضي للمسلمين جميعًا، لا تختص بها طائفة على أخرى وفي ذلك يقول: ونرى أن الحمى يُباح للمسلمين عامة، وكانت تحمى وتجعل فيها نعم الصدقات، فيكون في ذلك قوة ونفع لأهل فرائض الصدقات، وأدخل فيها وطعن فيها طاعن من الناس، فنرى في ترك حماها والتنزه عنها خيرًا، إذا كان ذلك من أمرها، وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، وإنما هو الغيث ينزله الله لعباده فهم فيه سواء، وعندما أباح الإحماء كلها استثنى النقيع الذي حماه الرسول عليه الصلاة والسلام لإبل الصدقة. فبالحمى تصبح الأرض لجماعة المسلمين، ونفعها مصروف لهم، فالحمى نقل الأرض من الإباحة إلى الملكية العامة، لتبقى موقوفة على جماعة المسلمين.
هـ- توفير مشاريع البنية التحتية:
سعى عمر بن عبد العزيز لتوفير هذه المشاريع منذ كان أميرًا على المدينة حتى أصبح خليفةً للمسلمين، فاهتمَّ بالمشاريع التي تخدم التجار والمزارعين والمسافرين، وعندما كان واليًا على المدينة كتب إليه الوليد بن عبد الملك كتابًا في تسهيل الثنايا وحفر الآبار في المدينة فحفر منها بئر الحفير وكانت طيبة الماء. كذلك عمل عمر بأمر الوليد فوّارة ماء، وأجرى ماءها ووسع المسجد النبوي ورفع منارته وجوّف محاربيه، وأنشأ الخانات والفنادق ودار الضيافة للحجاج والمسافرين. كما استمر حفر خليج أمير المؤمنين بين النيل والبحر الأحمر لتسهيل نقل الطعام من مصر إلى مكة حتى أيام عمر بن عبد العزيز. وكتب إليه عامله على البصرة يعرض طلب أهلها بحفر نهرٍ لهم، فأذن له عمر وحفر النهر، وسمي نهر عدي.
ثالثًا: سياسة عمر بن عبد العزيز المالية في الإيرادات
إن السياسة المالية بإراداتها ونفقاتها تعتبر أداة هامة لتحقيق الأهداف الاقتصادية، لذلك بدأ عمر سياسته المالية بزيادة الإنفاق على عامة الشعب، فأنفق في رد المظالم حتى أنفد بيت مال العراق، وجلب إليه من الشام، وأنفق على المشاريع الزراعية، ومشاريع البنى الأساسية، كما أنفق على الرعاية الاجتماعية لجميع طبقات الشعب وفي جانب الإيرادات، سعى إلى إلغاء الضرائب الظالمة، فرفع الجزية عمَّن أسلم، وألغى الضرائب الإضافية التي كانت تُؤخذ من المزارعين، وألغى المكوس والقيود، كما حافظ على حقوق بيت المال المسلوبة، فأعاد إليه القطائع، والمظالم، وأوقف امتيازات الأمراء والموظفين، وبالغ في الاقتصاد في الإنفاق الإداري والحربي، كل ذلك أدى إلى إطلاق الطاقات، فنمت الزراعة والتجارة، وجنى ذلك بزيادة ونمو الإيرادات، فزادت إيرادات الزكاة والخراج والعشور وفاضت ميزانية الدولة، فوجَّه عمر الفائض لزيادة الإنفاق العام لتحقيق الأهداف الاقتصادية ونلاحظ في التاريخ كلما استقام أمر الدولة وسارت على نهج الشريعة الإسلامية الغرّاء فاض ميزانها المالي، ولم يشعر أفرادها بعسف ولا إرهاق، ولم تهمل مصلحة من مصالحها، وكلما أعوج أمر الدولة، وحادت عن سبيل الشريعة، اختل التوازن المالي، فميزانية الدولة مرآة عدلها وجورها ونظامها وفوضاها.
هذا وقد تكونت إيرادات بيت المال زمن عمر بن عبد العزيز من الزكاة والجزية والخراج والعشور والخمس والفيء.
1- الزكاة:
اهتم عمر بالزكاة وحرص عليها لأنها حق فرضه الله للفقراء والمساكين والمنقطعين، والمستعبدين، ولا يجوز التهاون فيه، واهتمَّ بتوزيعها على مستحقيها، فأمر ولاته بالبحث عنهم وإعطائهم حقهم وفي حالة عدم وجود فقراء أو مساكين أو محتاجين، وأمر عمر بشراء رقاب المستعبدين واعتقاهم من مال الزكاة. وعزم عمر على اتباع هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- في الزكاة وكان الولاة قبله قد تهاونوا فيها، فأخذوها من غير حقها، وصرفوها في غير مصارفها، ومن مظاهر اتباعه للسنة فيها طلبه لكتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الصدقات، ولكتاب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وأمره بأن تنسخ هذه الكتب فنسخت له وكانت تشتمل على صدقة الإبل والبقر والغنم، والذهب، والورق، والتمر، والحب، والزبيب وبيّنت الأنصبة لكل هذه الأصناف، واتبع عمر السنة في مصارف الزكاة، فاستشهد بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ (التوبة: 60) ثم أمر أن توضع الصدقات كما أمر الله تعالى في كتابه، كما اتّبع عمر السنة في جباية الزكاة فعين عمالاً ثقاة مؤتمنين وأمرهم بجبابتها دون ظلم أو تعدِّ وأمرهم بكتابة براءة إلى الحول لدافعها.
وأمر عمر بأخذ الزكاة من جميع الأموال التي تجب فيها، فأخذت من عطاء العمال ومن المظالم إذا رُدّت لأصحابها، ومن الأعطية إذا أخرجت لأهلها. وأكد عمر على أحقية كل قوم بزكاتهم إذا لم يستغنوا وعندما أحضر العمال الزكاة إلى عمر أمرهم بردّها وتوزيعها في البلاد التي جمعت منها. وكانت لهذه الإصلاحات الاقتصادية في جباية الزكاة أثر على زيادتها، ولقد ساهمت سياسته الاقتصادية إلى زيادة تحصيل الزكاة، فتوفيره لأجواء الأمن والطمأنينة، واهتمامه بإقامة المشاريع، الأساسية للزراعة والتجارة واتباعه لسياسة الحرية الاقتصادية المقيدّة، وإلغاؤه للضرائب الظالمة، أدَّت جميعًا إلى ازدهار التجارة والزراعة وإلى زيادة حصيلة الزكاة، ولقد كان عمر من الموسعين لإيتاء الزكاة برز هذا من خلال فقهه في زكاة الثروة الزراعية، وزكاة الإبل العامة، وزكاة السمك، وزكاة العسل، وهذا الفقه من شأنه أن يزيد الأموال الخاضعة للزكاة، مما يؤثر على زيادة جبايتها وأما زيادة الدعوة زمن عمر، ودخول أهل الذمة في الإسلام أفواجًا فالراجح أنه رفع من حصيلة الزكاة؛ لأن هؤلاء المسلمين الجدد فيهم الأغنياء وفيهم الفقراء، وسيدفع الأغنياء حقًّا مفروضًا عليهم وهو الزكاة، وأما سيرة عمر وتقواه فقد أثرت على دفع الزكاة للدولة مباشرة لزيادة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وهذا واضح من تدافع الناس لأداء الزكاة عندما سمعوا بخلافة عمر، وهذا يؤدي إلى زيادة حصيلة أموال الزكاة وزيادة آثارها الاقتصادية عند إنفاقها في مصارفها.
وتؤكد الروايات التاريخية أن الزكاة كانت فائضة عن حاجات الناس في ذلك الزمن، فكان الرجل يأتي بزكاته، فلا يجد مَن يأخذها، ومن أسباب هذا الفائض اندفاع أفراد المجتمع للعمل والإنتاج، فكثر عدد المؤدِّين للزكاة، وانخفاض عدد القابضين لها.
2- الجزية:
والجزية في الاصطلاح: هي الوظيفة (الضريبة) المأخوذ من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، وقد قام عمر بن عبد العزيز باتباع السنة في إيراد الجزية، فقد أسقطها عمَّن أسلم؛ لأن الجزية فرضت على الكافرين وتسقط بالإسلام، ومع ذلك فقد استمر بعض خلفاء بني أمية في أخذ الجزية ممن أسلم، فأخذها الحجّاج لظنِّه أنهم دخلوا الإسلام هربًا من الجزية، ولقد أدى ذلك إلى زيادة النقمة على الحجَّاج وعلى الأمويين، وعندما تولى عمر الخلافة سارع إلى إلغاء الجزية عن المسلمين، وتشدَّد في ذلك، وكتب إلى العمال كتابًا جاء فيه "مَن شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه الجزية". ولما سمع أهل الذمة عن عدالة عمر وسيرته سارعوا للدخول في الإسلام، فشكا عامله ذلك؛ لأنه أدى إلى نقصان الجزية، فأجابه عمر: أما بعد، فإنَّ الله قد بعث محمدًا داعيًا ولم يبعثه جابيًا، ولأن عمر اعتمد في سياسته على ترسيخ قيم الحق والعدل، ورفع الظلم عن أهل الذمة ورفق بمزارعيهم وفرض الجزية عليهم حسب المقدرة المالية للفرد، فجعلها على ثلاث طبقات للغني وللمتوسط وللفقير، وجعل صاحب الأرض يعطي جزيته من أرضه والصانع يخرجها من كسبه والتاجر من تجارته، وفرض الجزية حسب طاقة البلاد المالية، فجعلها على أهل الشام أكثر منها على أهل اليمن بسبب غناهم ويسارهم، ورفع الجزية عن الفقراء الذين لا يستطيعون دفعها، وأجرى عليهم رزقًا من بيت المال، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وخفَّضَ عمر الجزية عن أهل نجران حيث أمر بإحصائهم، فتبين له أن عددهم نقص إلى العشر، وجزيتهم بقيت كما هي، فأخذ منهم مائتي حلة بدلاً من ألفين، وأسقط جزية مَن مات أو أسلم، وقد كانت للإصلاحات في جباية الجزية آثار مالية لصالح بيت المال، فإسقاط الجزية عمن أسلم أدّى إلى زيادة الثقة بين الحاكم والمحكوم والشعور بالعدل والإنصاف، وبالتالي أدّى إلى إيقاف القلاقل والفتن التي كلَّفت الدولة نفقات طائلة، كما إنَّ إسلام كثير من أهل الذمة جعلهم يدفعون الزكاة بدل الجزية والزكاة مقدارها أكبر، هذا مع استمرار دفع الخراج على الأرض، أما انتشار أجواء الأمن والعدل فقد زاد الإنتاج حيث اندفع الناس للإنتاج والتنمية.
3- الخراج:
هو ما تأخذه الدولة من ضرائب على الأرض المفتوحة عنوةً أو الأرض التي صالح أهلها عليها. لقد ارتفع إيراد الخراج في زمن عمر بن عبد العزيز وبلغ مائة وأربعة وعشرين مليون درهم. وكانت هذه الزيادة في إيراد الخراج نتيجة لسياسته الإصلاحية فقد منع بيع الأرض الخراجية فحافظ على المصدر الرئيسي للإنتاج، كما اعتنى بالمزارعين، ورفع عنهم الضرائب والمظالم التي كانت تعوق إنتاجهم واتبع سياسة الإصلاح والإعمار وإحياء الأرض الموات، كما اهتمَّ ببناء مشاريع البنية الأساسية للقطاع الزراعي فبنى الطرق والقنوات، فمشاريع الطرق سهلت على المزارعين تسويق إنتاجهم، ومشاريع القنوات والآبار سهلت عليهم سقي محاصيلهم بكلفة أقل، كل هذه الإصلاحات الخراجية أثمرت في النهاية وأدَّت إلى ارتفاع الخراج زمن عمر، فقد بلغ خراج العراق في عهده مائة وأربعة وعشرين مليون درهم، وهذا المقدار أكبر مما جُبي في العهود السابقة، فقد بلغ خراج العراق زمن الحجاج أربعين مليون درهم، وفي عهد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مائة مليون درهم. أما خراج خراسان زمن عمر بن عبد العزيز فقد كان فائضًا عن حاجات الدولة وبلغ الخراج زمن عمر أقصى قدر ممكن أن يبلغه في الأحوال العادية . وهذا الارتفاع في مقدار الخراج يشير إلى قوة الدولة المالية؛ لأن خراج العراق كان يشكل أكبر نصيب من إيراداتها، مما ساعد على تحقيق الأهداف الاقتصادية من دعم مشاريع البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية والإنفاق على الطبقات الفقيرة والعاجزة، ذلك لأن إيراد الخراج يتسم بالمرونة من حيث مصارفه بعكس الزكاة فهي محددة المصارف.
4- العشور:
في الاصطلاح: ما يؤخذ على تجار أهل الحرب وأهل الذمة عندما يجتازون بها حدود الدولة الإسلامية، فتؤخذ العشور من تجارة الحربي العُشر ومن تجارة الذمي نصف العشر، ولا تؤخذ في السنة لنفس المال إلا مرة واحدة ونصابها عشرون دينارًا للذمي، وعشره للحربي، وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بإيراد العشور فوضَّح مبادئها للعمال، وأمر بكتابة كتاب لدافعها لإعفائه منها للحول القادم، كما منع قبض العشور، والتي كانت تفرض على الناس بغير حق، وقد نشطت التجارة في عهده وتوافرت موارد جديدة للدولة واستطاع أن يوظفها للإنفاق العام وكانت الإجراءات التي اتخذها عمر لتنشيط الحركة التجارية كالآتي:
أ- إلغاء الضرائب الإضافية التي كانت مفروضة على القطاع الزراعي: وقد انعكس هذا إيجابًا على القطاع التجاري في صورة انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الزراعية، فزاد في الطلب عليها، وأحدث رواجًا في تجارتها، وفي ظل اقتصاد قوامه الزراعة فإن زيادة عرض السلع الزراعية وانخفاض أثمانها على النحو الذي واكب السياسة الرشيدة لعمر بن عبد العزيز أحدث رواجًا لا في التجارة فحسب، ولكن في بقية قطاعات الاقتصاد الإسلامي.
ب- إلغاء الضرائب على القطاع التجاري، والاقتصار على العشور: وكان لهذا تأثير ايجابي على قطاع التجارة، وقد أدى إلى تشجيع مزاولة التجارة، وزاد من أرباح التجارة فزاد معها حجم المبادلات التجارية.
ج- إلغاء أسلوب العنف في تحصيل مستحقات الدولة المالية على التجار وغيرهم: وهذا أيضًا من عوامل تشجيع التجارة وتنميتها.
د- عمل استراحات على طريق التجارات مع بلاد الشرق: ومطالبة الولاة على البلاد التي توجد بها هذه الاستراحات بأن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين المسافرين يومًا وليلة، وأن يتعاهدوا دوابهم على حساب الدولة ومضاعفة هذه المدة لمَن يشكو منهم علة، وبالنسبة لمن مرَّ بهذه الاستراحات وكان منقطعًا أو سُرقت تجارته أو تُلفت لأي سبب، فكان يُعطى من المال ما يكفيه للوصول إلى بلده، ولا يخفى ما كان بهذه التسهيلات والضمانات من عوامل تشجيع للتجار وللتبادل التجاري.
هـ- منع العطاء عن التجار: حتى تكون التجارة مصدر رزقهم الوحيد فيهتموا بها أكثر وينشطوا فيها، لا سيما وأن التجارة كانت في ذلك الوقت متعبة من حيث السفر، والترحال، لعدم توفر وسائل المواصلات المريحة التي نشاهدها اليوم.
و- قضاء ديون كل مَن أدان في غير سفه ولا سرف: ويدخل ضمنهم التجار إن لم يكونوا جلهم، وقد أدى هذا القرار إلى إقالة عثرات التجار الذين أفلسوا ومكَّنهم من العودة إلى مزاولة التجارة، وخاصةً تلك الفئة من التجار الذين بدأوا تجارتهم عن طريق اقتراض رأس المال المطلوب.
ز- الحرص على ضبط ومعايرة وتوحيد المكاييل والموازين في كافة أنحاء الدولة: وجعل ذلك من مواد القانون الأساسي للدولة.
س- منع الولاة والأمراء من الاشتغال بالتجارة: حتى لا يكون في دخولهم السوق إفساد للمنافسة الشريفة بين التجار، أو تأثير على الأسعار لصالحهم، وهي محاولة من عمر بن عبد العزيز بالبعد بالأسواق عن أي مؤثرات غير طبيعية تؤثر في تلقائية تحديد السعر.
ط- منع الاحتكار: ومن ذلك أعادته دكاكين بحمص كانت في يد مجموعة من أهل السوق، وكان ابن الوليد بن عبد الملك قد استولى عليها، وحولها إلى ملكية خاصة له، فنزعها وأعادها إلى أصحابها، وبهذا يعد بهذا الموقف الاحتكاري وجود هذه الإجراءات الإصلاحية ساهمت في ازدهار الحركة التجارية في عهد عمر بن عبد العزيز، وبذلك زادت حصيلة إيرادات العشور وتوافرت موارد جديدة للدولة استطاع عمر أن ينفقها على الصالح العام.
5- خمس الغنائم والفيء:
فالغنيمة في الاصطلاح: ما استولى عليه من أموال الكفار المحاربين عنوةً وقهرًا حين القتال، والفيء في الاصطلاح: كل مال وصل من المشركين من غير قتال ولا بإيجاف خيل ولا ركاب، فعندما تولى عمر الخلافة توجه لإصلاح الأوضاع الداخلية للدولة لذلك لم تكثر الفتوحات في ومنه حيث استعاض عنها بالدعوة والقدوة الحسنة، فقد بعث بكتب للملوك والشعوب فدخل البربر في الإسلام بدون قتال، ولهذا لم تتحقق موارد كثيرة من خمس الغنائم زمن عمر، وما كان موجودًا في بيت المال منه كان مصدره الفتوحات السابقة. ومع ذلك فقد سعى لإصلاح موازنة خمس الغنائم، فقد جعل للخمس بيت مال مستقل عن الأموال الأخرى، وأمر بوضعه في مواضعه المذكورة في سورة الأنفال، وآثر به أهل الحاجة منهم حيث كانوا. وقد أمر بعشرة آلاف دينار من سهم ذوي القربى فقسَّمها في بني هاشم وساوى بين الذكر والأنثى، والصغير والكبير، فكتبت إليه فاطمة بنت الحسين تشكر له ما صنع وتقول: يا أمير المؤمنين قد أخدمت مَن كان لا خادم له واكتسى منهم مَن كان عاريًا، واستنفق من كان لا يجد ما يستنفق، ولقد تمسك عمر في حق الخمس، فلما فتحت الأندلس قبل خلافة عمر لم يخمسوها، فأمر عامله عليها أن يبين العنوةَ من أرضها ويأخذ منها الخمس.
وأما في تصرفه في الفيء، فقد كان متبعًا للقرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، فقد كتب كتابًا ذكر فيه عن الأموال والقرى التي أفاء الله بها رسوله- صلى الله عليه وسلم- مما لم يوجف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، واستدل بآيات سورة الحشر التي نزلت في ذلك، وبيَّن أن ما من أحد من المسلمين إلا له حق في الفيء، فقد ذكرت الآيات المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم من المسلمين بعد الهجرة الأولى حتى تنقضي الدنيا. وهو بذلك كان موافقًا لاجتهاد عمر بن الخطاب في جعل الفيء موقوفًا على أجيال المسلمين. ونظر عمر في مصارف الخمس فوجدها موافقة لمصارف الفيء، فرأى أن يضمه إليه كما فعل عمر بن الخطاب، ويصرف منها على جميع مصالح المسلمين، وكتب في ذلك كتابًا:.. وأما الخمس فإن من مضى من الأئمة اختلفوا في موضعه.. ووضع مواضع شتى فنظرنا فإذا هو على سهام الفيء في كتاب الله لم تخالف واحدة من الاثنتين الأخرى، فإذا عمر بن الخطاب رحمه الله قد قضى في الفيء قضاءً قد رضي به المسلمون، فرض للناس أعطية وأرزاقًا جارية لهم، ورأى أن لن يبلغ بتلك الأبواب ما جمع من ذلك، ورأى أن فيه لليتيم والمسكين، وابن السبيل، فرأى أن يُلحق الخمس بالفيء وأن يوضع مواضعه التي سم الله وفرض.. فاقتدوا بإمامٍ عادلٍ فإن الآيتين متفقتان آية الفيء وآية الخمس... فنرى أن يُجمعا جميعًا فيُجعلا فيئًا للمسلمين ولا يستأثر عليهم.
لقد ساعدت إصلاحات عمر في إيرادات الخمس والفيء على تحقيق أهداف سياسته الاقتصادية، فتوزيعه للخمس على الأسهم المذكورة في القرآن مع إيثاره لذوي الحاجة أينما وجدوا ساعد على تحقيق إعادة توزيع الدخل والثروة، وشعر الناس بالعدل وزوال الظلم، بسبب هذه السياسة الرشيدة السديدة.
رابعًا: سياسة الإنفاق العام لعمر بن عبد العزيز
1- إنفاق عمر على الرعاية الاجتماعية:
لتحقيق هدف إعادة توزيع الدخل والثروة سعى عمر إلى زيادة الإنفاق على الفقراء والمحتاجين، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية لهم، وهذه مطالب شرعية جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولقد اهتمَّ منذ الأيام الأولى لخلافته باتباع الشرع والتزام الحق والعدل، فأرسل إلى العلماء يستفسر وقد كتب ابن شهاب الزهري لعمر كتابًا عن مواضع السنة في الزكاة ليعمل خلافته فذكر فيها: إن فيها نصيبًا للزمنى والمقعدين (أصحاب العجز الأصلى) ونصيبًا لكل مسكين به عامة لا يستطيع عَيْلة وتقليبًا في الأرض (أصحاب العجز الطارئ كالعامل الذي يُصاب في عمله والمجاهد الذي يصاب في الحرب). ونصيبًا للمساكين الذين يسألون ويستطعمون الغني حتى يأخذوا كفايتهم ولا يحتاجون بعدها إلى سؤال).. ونصيبًا لمَن في السجون من أهل الإسلام ممن ليس له أحد.. ونصيبًا لمَن يحضر المساجد الذين لا عطاءَ لهم ولا سهم (أي ليست لهم رواتب ومعاشات منتظمة) ولا يسألون الناس.. ونصيبًا لمَن أصابه فقر وعليه دين ولم يكن شيء منه في معصية الله، ولا يُتهم في دينه.. ونصيبًا لكل مسافر ليس له مأوى، ولا أهل يأوي إليهم، فيؤوى ويُطعم وتُعلف دابته حتى يجد منزلاً أو تُقضى حاجته.
أ- الإنفاق على الفقراء والمساكين:
فقد كان يُفكِّر في الفقراء والمساكين، ويسعى إلى إغنائهم، فقد مرَّت معنا قصته مع زوجته فاطمة وسألته عن سرِّ بكائه فقال لها: تقلّدت أمر أمة محمد- صلى الله عليه وسلم-، فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض فعلمتُ أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم محمد- صلى الله عليه وسلم- فخشيتُ ألا تثبت حجتي عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
هذه الحادثة تلخص سياسة عمر في الإنفاق على الفئات المحتاجة، والحادثة مليئة بالمعاني وتحتاج إلى وقفات فقد شعر عمر بعظم المسئولية الملقاة على عاتقه قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "كلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته". وقد عمل عمر على سد احتياجات الناس، جاء رجل لعمر فقام بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين اشتدت بي الحاجة وانتهت بي الفاقة، والله سائلك عن مقامي غدًا بين يديه، وكان عمر قد اتكأ على قضيب، فبكى حتى جرت دموعه على القضيب، ثم فرض له ولعياله، ودفع له خمسمائة دينار حتى يخرج عطاؤه، وكان رحمه الله يهتم بشأن الأرامل وبناتهن كما حدث مع المرأة العراقية التي مرَّ ذكرها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقم الليل". وقد خصصّ عمر دارًا لإطعام الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ولم يكتفِ عمر بالاعتناء بالفقراء فحسب، بل امتدت رعايته إلى المرضى وذوي العاهات والأيتام، فقد كتب كتابًا إلى أمصارِ الشام: ادفعوا إليَّ كل أعمى في الديوان أو مقعد، أو من به فالج، أو من به زمانة، تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة، فرفعوا إليه، فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادم.. ثم كتب ارفعوا إليّ كل يتيم، ومن لا أحد له... فأمر لكل خمسة بخادم يتوزعون بينهم بالسوية.
ب- الإنفاق على الغارمين:
من الفئات التي اهتمَّ بها عمر الغارمون، فقد كتب ابن شهاب الزهري لعمر عن سهم الغارمين: لمَن يصاب في سبيل الله في ماله.. ولمَن أصابه فقر، وعليه دين لم يكن شيء منه في معصية الله، ولا يُتهم في دينه. ولذلك أمر عمر بقضاء الدين عن الغارمين، فكتبوا إليه، إنا نجد الرجل له المسكن، والخادم، وله الفرس والأثاث في بيته، فكتب عمر: لا بد للرجل من المسلمين من سكن يأوي إليه رأسه، وخادم يكفيه مهنته وفرس يجاهد عليه عدوَّه، وأثاث في بيته، وإلا فهو غارم فاقضوا عنه. وكتب إلى والي الكوفة وقد اجتمعت عنده أموال فسأل عمر عنها فأجاب: كتبت تذكر أنه قد اجتمعت عندك أموال بعد أعطية الجند، فأعط منهم مَن كان عليه دين في غير فساد، أو تزوَّج فلم يقدر على نقد والسلام، وكتب كتابًا قُرء في مسجد الكوفة: من كانت عليه أمانة لا يقدر على أدائها فأعطوه من مال الله، ومن تزوَّج امرأةً فلم يقدر أن يسوق إليها صداقها فأعطوه من مال الله.
ج- الإنفاق على الأسرى:
قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)﴾ (الإنسان: 8 -10). اهتمَّ عمر بن عبد العزيز بالأسرى وبالإنفاق عليهم من بيت مال المسلمين، فقد كتب كتابًا إلى أسرى المسلمين في القسطنطينية، وقد تحدثتُ عن الكتاب في كلامي عن الحياة الاجتماعية واهتمَّ بالسجناءِ في سجون المسلمين بسبب جرمٍ أو قصاص، فقد أمر عمر برعايتهم والإنفاق عليهم وكتب عمر إلى العمال: لا تدعُنِّ في سجونكم أحدًا من المسلمين في وثاقٍ لا يستطيع أن يصلي قائمًا، ولا يبيتنّ في قيد إلا رجل مطلوب بدم، وأجروا عليهم من الصدقة ما يُصلحهم في طعامهم وإدامهم. وأمر لأهل السجون برزقٍ وكسوةٍ في الصيف والشتاء.
د- الإنفاق على المسافرين وأبناء السبيل:
اهتمَّ عمر بالمسافرين وأبناء السبيل، فأمر عماله ببناء بيوتِ الضيافة على الطرق لرعاية المسافرين والاهتمام بهم، وكتب إلى أحد عمَّاله: اعمل خاناتٍ في بلادك، فمن مرَّ بك من المسلمين فأقروهم يومًا وليلة وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علَّة فأقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعًا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده، وأمر عمر بالاهتمام بالحُجَّاج، والإنفاق عليهم ورعاية ضعيفهم وإغناء فقيرهم.
هـ- الإنفاق لفك الرقاب:
بعد أن أنفق عمر على الفقراء والمساكين، والعاجزين، والغارمين وأبناء السبيل وجَّه الأموال لفك رقاب المستعبدين، وقال عامل صدقات إفريقية: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرًا.. فاشتريت بها رقابًا وولاؤهم للمسلمين.
وقد مرَّ معنا إنفاق عمر على العلماء لكي يتفرغوا لدعوةِ الناس وتعليمهم، واتسعت رعايته الاجتماعية لتشمل جميع فئات الأمة حتى الأطفال الصغار وحدّد لهم مبلغًا من المال ليستعين به ذووهم على تربيتهم، واهتمَّ بمواطنيه من أهل الذمة، فكان ينفق على فقرائهم ومحتاجيهم من بيت المال، كما أنه لا بد من الإشارة إلى أن سياسة عمر بن عبد العزيز الراشدة ساهمت في إغناءِ عددٍ كبيرٍ من المسلمين وزيادة ثرواتهم في المجال التجاري والزراعي وغيرها، وساهمت في سريان روح التدين وحب الآخرة في نفوس الناس ورغبوا في الإكثارِ من فعل الخيرات ابتغاء مرضات الله تعالى والرغبة فيما عند الله، فكثر الإنفاق في سبيلِ الله لمساعدة الفقراء والمساكين والأرامل وبناء المرافق العامة وحفر الآبار، وتشييد المساجد وغير ذلك، وهذا يُخفف الأعباء المالية على بيتِ مال المسلمين في العاصمة وأقاليمها الواسعة.
2- ترشيد الإنفاق في مصالح الدولة:
كانت سياسة عمر بن عبد العزيز في ميدان الإنفاق تقوم على أساس مبدأ الرشد الاقتصادي أو ما يعبر عنه بمبدأ القوامة في الإنفاق ومقتضاه البعد عن الإسراف والتبذير والبعد عن الشح والتقتير، ومن الخطوات التي اتخذها في مجال ترشيد الإنفاق في مصالح الدولة:
أ- قطع الامتيازات الخاصة بالخليفة وبأمراء الأمويين:
أعاد عمر القطائع والحقوق الخاصة إلى أصحابها والحقوق العامة إلى بيتِ المال، وبدأ بنفسه وبآل بيته- كما مرَّ معنا- وكان عمر لا يأخذ من بيتِ المال شيئًا فقالوا له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب، قال: كان عمر لا مالَ له، وأنا مالي يُغنيني. وعندما أُحضرت مراكب الخلافة لعمر بعد موتِ سليمان، طلب بغلته وأمر بوضعِ المراكب والفرش والزينة في بيتِ المال، وكانت عادة الخلفاء قبله أن يأخذ ورثة الخليفة الميت ما استعمل من ثيابه وعطوره ويُردّ الباقي إلى الخليفة الجديد، فلما استخلف عمر قال: ما هذا لي ولا لسليمان، ولا لكم ولكن يا مزاحم ضُمَّ هذا كله إلى بيتِ مال المسلمين، وكان عمر لا يستعمل الأموال العامة لحاجته الخاصة مطلقًا.. فمرة بعث أمير الأردن بسلتي رطب إلى عمر، وقد جيء على دوابِ البريد، فلمَّا وصلت عمر أمر ببيعها وجعل ثمنها في علف دواب البريد، ومرة طلب من عامله أن يشتري له عسلاً فحمل له على دوابِ البريد، فأمر ببيع العسل وجعل ثمنه في بيتِ المال، وقال له: أفسدت علينا عسلك.
ب- ترشيد الإنفاق الإداري:
سعى عمر على تعويدِ أعوانه وولاته على الاقتصادِ في أموال المسلمين، فعندما طلب والي المدينة أن يصرف له شمعًا فأجابه عمر: لعمري لقد عهدتك يا ابن أم حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يُغنيك والسلام. وكتب إليه أيضًا وقد طلب قراطيس للكتابة:... إذا جاءك كتابي هذا فأدق القلم واجمع الخطَّ، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجةَ للمسلمين في فضل قولٍ أضرَّ بيتِ مالهم. يُلاحظ حرص عمر على المالِ العام ويُرشد ولاته للاستغلال الأمثل لموارد الدولة، فعمر يريد من العامل أن يستغل الأوراق في الرسائل إلى أقصى درجة.
ج- ترشيد الإنفاق الحربي:
خاضت الدولة الأموية حروبًا خارجية وداخلية فكلَّفت ميزانية الدولة الشيء الكثير منها حملة القسطنطينية زمن سليمان بن عبد الملك، حيث كلَّفت الكثير من الأموال والشهداء دون جدوى، فما كان من عمر بعد استخلافه إلا أن أرسل كتابًا يأمر فيه مسلمة بن عبد الملك قائدًا الحملة بالعودة بعد أن أصاب الجيش ضيق شديد وقد أدَّت سيرة عمر وسياسته إلى استقرار الأوضاع الداخلية وتوقفت الحروب والفتن، ولما بلغت سيرته الخوارج، اجتمعوا وقالوا: ما ينبغي لنا أن نُقاتل هذا الرجل، ولقد ساهم إيقاف الحروب والفتن في إيجاد مناخ عام من الراحة والطمأنينة والاستقرار ساهم في النمو الاقتصادي للدولة وتحسن أوضاع الطبقات الفقيرة والمحتاجة بفضل الله ثم سياسة عمر الرشيدة.