تمهيد..

يهدف هذا البحث إلى أن يصلَ المتجرد المستنير إلى رؤية الضرورات الحضارية لقيام دولة للمسلمين، تحفظ عقائدَهم وتحمل قيمَهم وتترجمها إلى نظم ومؤسسات، وتعمل على الحفاظ على كينونتهم الحضارية ورعايتها، حتى تكبرَ وتشبَّ وتستويَ على سُوقِها ككيان دولي، يقيم العدلَ بين الناس ويصرف أبصارَ العباد إلى ربهم، فيتطلعون إلى وجهه الكريم في كل شاردةٍ وواردةٍ من أعمالهم وأفكارهم، ولقد صَرَفَني إلى هذا البحث ما رأيته من بعض الأساتذة من إنكارٍ لهذا الأمر، ومحاولةٍ مستميتةٍ لصرف المسلمين عن هذا الهدف، وتطمينهم بأن الإنسانيةَ في سعيها لإقامة حكومة عالمية إنسانية سوف تصل لا محالة لأهداف المسلمين، وما على المسلمين إلا أن ينتظروا هذه الحكومة العالمية الإنسانية.. ولقد رأيت أن هذا كله أباطيلُ وأسماء، لِتَصرف المسلم المعاصر الذي أفاق منذ قليل من سباته عن غاياته العظمى، ولتُحكم حول رقبته القبضة الاستعمارية فتعيده إلى النوم أو إلى الموت.

 

إنني لأرجو أن يؤكد بحثنا هذا أهمية أن يسعى المسلمون إلى كيان دولي يحفظهم، ويذودون عنه ويذود عنهم، وسوف يلاحظ القارئ- بلا ريب- أننا دافعنا عن وجهةِ نظرنا بالعقل لا بالنقل، مدركين أن هناك فيضًا من الدفوع العظيمة التي تقوم على النقل وحده.

 

عندما أهدتني الزميلة الدكتورة نادية السنهوري ترجمةً لرسالة أبيها- طيَّب الله ثراه- والتي تقدم بها للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة باريس عام 1926م رأيتني أعكف على قراءتها بضعة أيام، متنقِّلاً بين أرجائها، معجبًا أشدَّ الإعجاب بهذا الشاب الإسكندري المؤمن الذي حصل على شهادتين للدكتوراه في عامين متتاليين (1925، 1926) في موضوعين مختلفين لا علاقة لأحدهما بالآخر؛ فالرسالة الأولى كان موضوعها: القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الإنجليزي، والرسالة الثانية كان موضوعها: نظرية الخلافة.

 

فعندما انهارت آخر معاقل الخلافة- ممثلةً في الدولة العثمانية- كانت هناك ردود أفعال متباينة لهذا الانهيار، فبعضهم (والشيخ علي عبد الرازق على رأسهم) رأى أنه لا حاجةَ للمسلمين بدولة الخلافة ولا بأي دولة، وأن الإسلام كعقيدة وأخلاق وقيم لا يحتاج إلى قيام دولة، ومن ثم فإن المسلمين غير مطالبين بالسعي لقيام هذه الدولة، أما البعض الآخر وعلى رأسهم العلامة السنهوري رحمة الله عليه فقد أدرك أن الإسلام كعقيدةٍ وأخلاقٍ وقيمٍ لا يمكن أن يبقى من غير دولة تحميه وتحمي المؤمنين به، دولةٍ تقيم نظمها الحياتية على هُدى منه.

 

وقد أدرك السنهوري أن الاستعمار العالمي سيقف عائقًا دون قيام دولة إسلامية، سواءٌ على مستوى الوحدات الإقليمية أو على مستوى العالم أجمع، فأعمَلَ ذهنه لوضع تصورٍ للخروجِ والتفلُّت من غوائل الاستعمار، وتحدث عن وحدة الأمة ووحدة الدولة، وبالطبع فإن وحدة الدولة تحتاج إلى وحدة الأمة، كما أن وحدة الأمة تحتاج لبقائها وحدة الدولة.

 

وبما أن العوائق تَحُول دون وحدةِ الدولة الآن فعلى الأقل أن نبدأ من وحدةِ الأمةِ من خلال برنامجٍ لتوحيدِ الأمةِ ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا ما وسعنا الجهد وما استطعنا؛ تفلتًا من غوائل الاستعمار.

 

ولقد قُدِّر لي أن أبحثَ في الموضوع من زاوية أخرى تختلف عن المناهج الأخرى في البحث.. زاوية الضرورة الحضارية لقيام دولة إسلامية أو قيام الخلافة، ولقد سجَّلت ذلك في كتابين (ثغرة في الطريق المسدود) وشاركني فيه الدكتور محمود سفر و(مقدمات في البعث الحضاري).

 

صحيح أننا لم نطرح المسألة بهذه الكيفية من قبل، ولكنَّ عناصر البرهان قائمةٌ جميعها، وإن كانت مبعثرةً في الكتابين؛ من أجل ذلك رأيت أن أجمع البراهين على ضرورةِ قيامِ دولةٍ إسلاميةٍ، وأضعها جميعًا في نظريةٍ موحدةٍ في هذا البحث، والله من رواء القصد:

 

تحديات البناء

يجد المسلم نفسه دائمًا في مجابهة مجموعةٍ من التحدياتِ التي ينبغي أن يواجِهَها.. تحدياتٍ على مستوى الفرد، وتحدياتٍ على مستوى الجماعة، فعلى مستوى الفرد يريد هذا المسلم أن يصلَ إلى اليقين بربه وما أنزل من كتاب، وأن يترجمَ هذا اليقينَ إلى خلقٍ وسلوكٍ ونورٍ يسعى بين يديه، وعلى مستوى الجماعة تجد الجماعة نفسها أمام أربع مهام تحدد معنى التحدي:

- شحذ الفعالية الروحية للأمة.

- استيعاب حضارة العصر

- تبني النظم المعاصرة أو إبداع البدائل

- القدرة على حماية المنجزات الحضارية

ويحتاج إنجاز التحدي الفردي إلى بيئة صديقة، تتهيأ من خلال إنجاز التحدي الجماعي، كما أن إنجاز التحدي الجماعي يحتاج إلى بيئةٍ نفسيةٍ ينجزها التحدي الفردي.

 

وفي محاولتنا لإثبات أن الخلافةَ ضرورةٌ حضاريةٌ سنكتفي بإثباتِ أن عنصرًا واحدًا من عناصر التحدي الحضاري على مستوى الجماعة (شحذ الفعالية الروحية للأمة) يتطلب لإنجازه قيام الدولة الإسلامية، رغم أن هذا العنصر قد يبدو أقل العناصر حاجةً إلى قيام مثل هذه الدولة.

 

ولا بد أن نؤكدَ أن طبيعةَ هذه الدولة ليست بالضرورة طبيعةً تاريخيةً، وإنما هي طبيعةٌ قِيميةٌ، فإذا كان المسلمون الأوائل لم يستطيعوا أن يحققوا قيمَ الإسلام في السياسةِ إلا من خلال نُظُمٍ تاريخيةٍ؛ حيث خنقهم الوضع الحضاري العام السائد في الإنسانية حينئذ.. فإنه ربما نملك نحن ظروفًا حضاريةً إنسانيةً، نستطيع من خلالها تحقيقًا أمثل لقيم الإسلام من خلال نظم أكثر فاعليةً.

 

ولذلك فلا يظن امرؤٌ عجولٌ أن ما ندعو إليه هو الخلافة التاريخية، ذلك أبعد ما يكون عن أذهاننا، وإنما ندعو إلى دولة عصريةٍ تحقق مبادئ الإسلام وقيمه من خلال نظم عصرية.. دولة تُعيد الأخلاق لعالم السياسة والاقتصاد والاجتماع، بعد أن جردت الحضارة الغربية كلَّ هذه النظم من الأخلاق.. دولة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتُخرج الناس من ضيق الكفر إلى رحابة الإسلام، وتُقيم بينهم موازين العدل والحرية، وتطلقهم خفافًا إلى الله.

 

والعنصر الأول: "شحذ الفعالية الروحية للأمة" هو الذي سيُعطي الحضارة خصوصيتَها وتفردها، وسوف تكون مهمة القائمين على هذا العنصر أن يبثُّوا في أفئدة الناس عالمَ غيبِ حضارتنا المتمثل في عناصر الغيب وما نشأ عنها من قيم متناثرة في القرآن، وأن ينثروا أمامهم كيف تحققت هذه القيم في بشرٍ صالحين يأكلون الطعام ويمشون على الأرض، وأن يستثيروا في سويداء قلوبهم شوقًا دائمًا إلى الله، يبتغون وجهَ ربهم فيما يعمرون من أرض وما يقيمون من بنيان، وسوف تحتاج مهمة شحذ الفاعلية الروحية للأمة عملاً دائبًا من قِبَل أجهزةِ التربيةِ والإعلام، متمثلةً في الدولةِ أو في جماعاتِ الإصلاحِ فيها؛ حيث تتكاتف الفنون والعلوم كوسائِلَ لهذا الشحذ، لتنافس وسائل الغير في محاولتها الدائبة لتخريب عقولنا وتحطيم نفوسنا.

 

وينبغي أن تنتهي مهمة الشحذ هذه بإنسان ذي همة حضارية وتأهُّب إصلاحي، فهذا هو المنتج الذي ينبغي أن نحصل عليه من عمليات الشحذ المختلفة، وإلا فينبغي علينا أن ننظرَ في مناهجِ الشحذ ووسائله، ونصلح فيها حتى يتحقق ما نريد.

 

ونسأل هل يمكن رعاية خصوصيتنا الحضارية في مناخ حضاري مغاير؟! أو هل المسلم غير مطالب بأن يسعى لإقامة مجتمع ودولة تكون فيهما أجهزة التربية والإعلام وتوجيهات الجماعات الإصلاحية كلها تصبُّ في شحذ فعالية المجتمع الروحية؟

 

لقد عشنا في الغرب بضع سنين، ورأينا كيف يسيطر الطاغوت الاجتماعي على الأفئدة والعقول ويقهرها قهرًا عنيفًا متصلاً ويصمُّ آذانها، ويعمي عيونها أن تلتفت إلى صوتٍ آخر، أو أن تبصرَ طريقًا آخر، ولقد رأينا بأمِّ أعيننا كيف يأكل هذا الطاغوت الاجتماعي أبناء الجاليات الإسلامية وغير الإسلامية، فما يُبقي منهم إلا عظامًا حضاريةً نخرةً.وربما استمسك بعض المهاجرين الجدد بشيء من خصوصيتهم الحضارية، ولكنَّ الأيامَ والطاغوت كفيلان أن يعملا على محو الذاكرة الحضارية رويدًا رويدًا عند هؤلاء الذين آثروا أن يندمجوا في مجتماعاتهم الجديدة اندماجًا كليًّا.

 

وفي جولة لي في الولايات المتحدة في مارس عام 1989م تحدثت إلى كثير من الجاليات المسلمة هناك، ورأيت الفزع يصرخ في وجوه النساء المسلمات خوفًا على أبنائهن وبناتهن من قهر هذا الطاغوت الاجتماعي الرهيب.. وإنهن ليفضلن العودة إلى بلادهن، مؤْثِراتٍ شظفَ العيش وغِلظةَ الحياة مخافةَ أن يأكل الذئب المتربص بهم ما بقِي من أخلاقيات وقيم.

 

ولم أعجب عندما التقيت ببعضِ الإخوة المسيحيين العرب فوجدت نفس الفزع والهلع؛ ذلك أن عالم الغيب في الحضارة الأمريكية اليوم ابتعد كثيرًا عن القيم الأخلاقية المسيحية، تلك القيم التي مثَّلت نقطة بدء الحضارية واستبدل بها عالمًا من القيم لا يمتُّ للمسيحية بصلة وثيقة (انظر كتابنا: مقدمات في البعث الحضاري).

 

ونعود إلى السؤال: ألا يحتاج شحذ الفعالية الروحية للأمة إلى دولة تقوم عليه وتوفر له إمكاناتها التربوية والإعلامية أم أننا مقتنعون أن نقيم بناءَنا الروحي ونشكِّل عالم غيبه من خلال ما تفرضه علينا الحضارة الغربية القاهرة بأدوات إعلامها الرهيبة وعملائها المنتشرين؟
ثم إن هذه الحضارة الغربية تمسك تقنياتها النافعة عنا إمساكًا شديدًا، ولا تدع لنا إلا صورًا زائفةً للجانب الترفيهي من خلال الإعلام والمسلسلات الغربية، وهي حضارةٌ استعماريةٌ على كل حال، والذين يأملون أن تتحولَ إلى حضارةٍ إنسانيةٍ تسعى لخيرِ البشريةِ واهمون كلَّ الوهم، ولقد بدأت هذه الحضارة تشعر من خلال مفكِّريها وعلمائِها أنها قد تجاوزت القصدَ في علاقاتها بالدين، وأفرطت في استغلالها للطبيعة، وصيحات العلماء تتوالى هناك، مُنذرةً بخطر عظيم في عالم الأخلاق وفي عالم البيئة.

 

أذكر أنني سألت صديقي الأستاذ الدكتور/ روبرت ماجين الأستاذ بجامعة ستانفرد الأمريكية (عام 1984) عن أي قيم يتحدثون عنها في برنامج (VTS) أي برنامج التفاعل بين القيم (VALUES) والتكنولوجيا (TECHNOLOGY) والمجتمع (SOCIETY)؟ فقال: لقد أنشأنا هذه الأقسام في كثير من الجامعات الأمريكية لتحاولَ أن تبلورَ مجموعةً من القيم (الدنيوية) تصلح أن تسود عالم الأخلاق بين الشباب في أمريكا، وذلك أننا نشعر أن المجتمع يفتقد وجود قيمٍ سائدةٍ (PREVAILING VALUES)، وتذكرت يومها قولَ الرافعي: "لا ثقة لي في متخلفٍ لا دينَ له" وتذكرت أن الإيمان بالغيب هو حجر الأساس في بناء أخلاقي حقيق، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(5)﴾ (الرعد).

 

وتذكرت كيف يقود الكفر بالغيب إلى الكفر بالله وإلى الدخول طواعيةً في أغلال الدنيا، قيدًا من بعد قيد، ثم في الآخرة عذاب السعير.

 

وعود على بدء.. إذا كانت الحضارة الغربية تفتقد في وضعها الراهن القيمَ الروحيةَ، فأي أمل هذا الذي يأمله البعض عندنا في وصول الإنسانية إلى مجتمع عالمي، يستطيع أن يعيشَ فيه المسلمون آمنين على عقائدهم وأخلاقهم، ومن ثَمَّ فلا حاجة للمسلمين أن يسعَوا لإقامة دولة تستمد قوة نبضها من شريعة الإسلام وتسعى لإقامة على هدى الإسلام.

 

ولقد رأينا من خلال تحليلنا لقضية واحدة من قضايا التحدي الحضاري الذي تواجه الجماعة المسلمة (شحذ الفعالية الروحية للأمة) أن الجماعة المسلمة في حاجةٍ إلى دولة ترعى هذه المهمة وتقوم عليها.

 

ثم إذا كان هناك أملٌ في حضارة إنسانية، فلا نعرف غير الإسلام شريعةً ربانيةً أن تقوم عليها هذه الحضارة، والظاهرة الملفتة للأبصار أنه في تاريخ الإنسانية كانت دائمًا تقوم دول كبرى في وقت واحد ليحدث التوازن بينها فلا يهلك الصغار إلا في حالة الحضارة الإسلامية؛ فقد كانت دولة الإسلام وحدها هي الكبرى، فما أكلت الصغار ولا قهرت المساكين.. وكانت حقًّا وصدقًا حضارةً إنسانيةً.

 

لقد أثبتنا أن الدولة الإسلامية ضرورة حضارية للجماعة المسلمة، وأداة إثباتها هي تحقيق عنصر واحد من عناصر التحدي الحضاري (شحذ الفعالية الروحية) رغم أن هذا العنصر لا يبدو في ظاهره يحتاج لمثل هذه الدولة، فما بالنا بالعناصر الأخرى وهي كلها عناصر تحتاج لتحقيقها إلى دولة تُنافس غيرها في شئون الحياة وتحمي نفسها من بطش الآخرين.. دولة في حجم القوى الكبرى القائمة اليوم؛ حتى تستطيعَ أن تجاهدَها لتقيم العدل وتحرم الظلم وترفع العنت عن المقهورين في أرجاء المعمورة.. دولة يجتمع فيها كل من يؤمن بعقيدة الإسلام أو بشريعته لتحمي الحق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

 

والسعي لبناء هذه الدولة فرضُ عين على كل مسلم ومسلمة، فلن يبقى الإسلام كعقيدة وشريعة من غير دولة تحميه، ودولة على مبادئه في عالم العقيدة وعالم القيم والشرائع سواء بسواء، وإن إنكار هذا الفرض الحضاري هو أول الطريق لهدم أي أمل في بقاء الإسلام كعقيدة وشريعة ونظام واستبداله بلا شيء.. فأمة المسلمين اليوم أمةٌ مقهورةٌ، تحتاج إلى بَعث حضاري، قوامه في مرحلته الأولى هو عمليات شحذ الفعالية الروحية للأمة، فإذا خرج علينا من بين أيدينا ومن خلفنا من يقول لنا إن نظام الخلافة طارئ على الإسلام، وإنه ينبغي على المسلمين أن ينسَوا هذه الفكرة إلى الأبد وإنها من صنع شيطان اسمه الإسلام السياسي.

 

أقول إذا خرج من بين أيدينا ومن خلفنا من يعظنا بهذا القول ويسرف في الموعظة وتحملها له أجهزةٌ سيَّارة، وتفتح له قاعات المحاضرات وصفحات الجرائد.. فإن ذلك ينبغي أن يزيدنا تمسكًا بالفكرة وإصرارًا عليها.. فإن أعداءنا لا يريدون بنا إلا شرًّا وشرًّا مستطيرًا.

 

بقيت كلمة أخيرة:

إننا في سعينا الدءوب لإقامة الخلافة أو الدولة التي ترعى وتحمي عقائد الإسلام وقيمه وتقيم نظمها على هدى من هذه العقائد والقيم.. لا نُصِرُّ على نظام تاريخي معين، وذلك أن محاولة المسلمين قبلنا لتحقيق نفس الهدف هي محاولة إنسانية يعتريها الخطأ والنسيان، وتحيط بها الظروف الحضارية المختلفة والضغوط الدولية المتعددة، فلا يبقى من هذه النظم إلا المثال والعبرة، ويتجدد التحدي الحضاري كلما جاء جيل جديد، فنحن لا نرث النظم، وإنما نرث العقائد والقيم، والتثبت من العقائد والقيم هو تحدٍّ على مستوى الفرد، أما بناء الدولة فهو تحدٍّ على مستوى الجماعة.

 

ونحن نملك من وسائل الحضارة المعاصرة ما يُعيننا على بناء نظم أكثر فعاليةً، سواءٌ في ميدان السياسة أو غيرها من النظم التي بناها أجدادنا، ونحن لن نحاكم هؤلاء الأجداد اليوم بمقاييس العصر وإنما نحاكم أنفسنا نحن.. نحاكم الخاطئين والقاعدين والمثبّطين الذين يقولون للذين نفروا للمهمة: ارجعوا فمهما كان النقص في خلافة المسلمين الأوائل فإنها كانت بالنسبة إلى عصرها هديًا حضاريًّا، وعاشت مئات السنين وكل ما حولها ظلام في ظلام!!
صحيحٌ أن شخوص الحاكمين فيما تلا الخلافة الراشدة لم يبلغ أبدًا هذه الذروة العظيمة في تاريخ الإنسانية ممثلةً في سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن تلاه من خلفائه الراشدين، وذلك أن هؤلاء قد حقَّقوا غاية الكمال في مبادئ الإسلام، ونُظُم الدولة لم تكتمل بعد، فهل سيوجد في تاريخ البشرية مثالٌ يومًا ما لقائد ينظم جيشه في معركة فاصلة، ويَخرج عن الصف جنديٌّ بسيطٌ، فيقول له سيد الخلق:استوِ يا سواد ويضربه بمقرعة ضربًا خفيفًا على بطنه، فيقول سواد: أوجعتني يا رسول الله، فيقول له المصطفى "استقد مني يا سواد" .. فلتقف المعركة الفاصلة وليخفت صوتها حتى يستقيد سواد من قائد الجيش الأعلى، وكلنا يعلم بقية القصة.. سواد يطالب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يُظهرَ بطنه حتى يضربَه وهي عاريةٌ، معاملةَ بالمثل، ورسول الله يستجيب، وسواد يقبِّل بطن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويقول ظننت أن هذا آخر عهدي بالدنيا، فأردت أن تلمس شفتاي جسدَك لعل الله يحرم جسدي على النار.

 

نعم إن عهد المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وما تلاه من خلافةٍ راشدة هو الحجة على البشرية إلى أن تقوم الساعة، فهذا النبي والذين آمنوا معه استطاعوا أن يحققوا العدل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويقهروا الظلم ويؤمِّنوا الناس على أموالهم وأنفسهم وعقائدهم، وينطلقوا في أرجاء المعمورة يبنون دولة الحق، ويهدمون دول الظلم والجور، كل ذلك بأدوات حضارية غاية في البساطة ونظم مدنية لم تتعقد عناصرها بعد.

 

نعم هذه حجة على الناس إلى أن تقوم الساعة، وسيظل هذا المثال ساطعًا في عنان السماء لكل من يريد أن يسلك صراطًا مستقيمًا، وستظلُّ محاولاتُ المسلمين في كل عصر تقتبس من هذا المثل الرباني محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه.. تقتبس بقدر محاولاتها الدءوبة وتوفيق الله لها.

 

فهل يُنكر بعد حديثنا هذا الحاجة الحضارية لنظام الخلافة أو الدولة الإسلامية إلا مكابرٌ يحب الشقاق والمجادلة بغير حق، أو زنديق بهائي يستبطن البهائية ويُظهر الإسلام، أو عميلٌ استعماريٌّ يخشى أن تقوم للإسلام دولةٌ تحمي قيم الحق وأخلاق الفضيلة، وتُعيد للسياسة أخلاقَ الإسلام بعد أن جرَّدتها حضاراتُ الغرب ودُولُه المستعمرة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

------------

* أستاذ هندسة الطيران- جامعة القاهرة