في قديم الزمان كانت الحيوانات تعيش في الغابة في أمن وأمان، لا أحدَ يعكر صفوها ولا حيوانَ يُقلق منامها، الكل يعمل ويروح ويغدو وهو سعيد مطمئن، الصغار تلعب والقرود تقفز بين الفروع والأغصان.. تلتقط الموز والثمار، ولكن رغبة ملك الغابة في الاحتفاظ بالملك لنفسه طيلة عمره، بل وتوريثه لشبله الصغير جعلته يستدعي الثعلبَ المكَّار صاحبَ الحيل والأفكار، الذي جاء على عجل وعرض عليه الفكرة بلا وجل؛ وهي أن يفرض قانونًا يضمن به المُلْكَ له ولأبنائه من بعده حتى لا يُفكِّر حيوان في أن ينتزعَ المُلْكَ منه.

 

فردَّ الأسد على الثعلب: ولكن يا ثعلب، ماذا نقول للحيوانات؟ فردَّ المكارُ على الفور: أيها الملك، إن حمايةَ أمن الغابة من أهم مسئولياتك، ولذلك قل لهم: إننا سنفرض (قانون أمن الغابة) لنحميَها من الحيواناتِ المنحرفة والمضللة، حتى تعيش في أمنٍ وأمان، فانشرْ الذئاب في الغابة واعطْها أوامرَ مفتوحة للدخول على أي حيوانٍ في مسكنه والقبض عليه إذا بدت منه معارضة سياسة الملك أو تكلم عن جلالته بسوء؛ فحفظُ مقام جلالة الملك مهمٌ لحفظ أمن الغابة.

 

أُعجب الأسدُ بالفكرة، وكشَّر عن أنيابه وأعطى الأوامرَ المفتوحةَ للذئاب بانتهاكِ حُرمةِ أي معارض.

 

ومرَّت الأيام والليالي.. وانطلقت الذئابُ في الغابة تعيث فيها فسادًا، تهدد أمن الحيوانات كلها لا تُفرِّق بين معارضٍ ومسالمٍ، تأخذ بالشبهة ولا تستبين الحُجَّة، وانقلب أمرُ الغابة رأسًا على عقب، وفزعت الحيواناتُ كلها من فسادِ الذئاب، وأصبح كل حيوان يمشي في الغابة خائفًا يترقب، ينظر يمينه وشماله وهو يسعى للقمة عيشه وإطعام صغاره الجياع التي تركها وهو لا يعلم هل يرجع إليها آخر النهار أو تنقض عليه الذئاب وتأخذه لجلالة الملك تحت مُسمَّى حفظ أمن الغابة.

 

وجلست الحيوانات تفكِّر في هذا الوضع الجديد، وما جلب لها هذا القانون من وبالٍ ودمار، وتتعجب: أي أمن حفظه هذا القانون، لقد نشر الفزعَ لا الأمن، وجلب الخرابَ لا العمار.. وسرحت بتفكيرها إلى حال الغابة قبل فرض هذا القانون عليها، لقد كانوا أحسن حالاً قبل فرض هذا القانون.. كانت تعيش في أمن ورخاء.. لا أحدَ يُعكِّر صفوَها ولا حيوانَ يُقلق منامها.

 

 

 

وبينما الأسد في عرينه يأكل ما لذَّ وطاب من اللحم، إذا بذئبٍ يهرول مسرعًا ناحية العرين: الْحق جلالة الملك.. حظيرة الخنازير تمَّ حرقها.. وهنا تغيَّر وجه الأسد: كيف ذلك.. وأين الأمن؟! أيها الذئب اقبض على جميع الحيوانات التي بجوار الحظيرة.

الذئب: سمعًا وطاعةً سيدي..

 

وتم مطاردة الحيوانات الأبرياء والقبض على الكثير منها، وبعد أيام قليلة حدث نفس الأمر في حظيرة أخرى، وانتشر القلق والاضطراب في الغابة كلها، ثم حدث حريق في مكانٍ آخر، ورأى الذئب النارَ تتصاعد من داخل هذا المكان، ولكن في هذه المرة لم يستطع إبلاغ ملك الغابة؛ لأن المكان الذي تتصاعد منه النيران- هذه المرة- كان عرين الأسد، والأسد بداخله.