ارتكبت كثيرًا من الكبائر، واليأس يتملكني أمام هذه الذنوب؛ مما سبب لي حزنًا شديدًا؛ فماذا أعمل، وإني أعاهد الله أنني سأنفِّذ كل ما تقوله لي، والذي أريد أن تخبرني عنه؟ وهل سيغفر الله لي هذه الكبائر والذنوب؟!

 

المفتي: الشيخ محمد عبد الله الخطيب- أحد علماء الأزهر وعضو مكتب الإرشاد

هذه الرسالة التي وصلتني من القارئ الحائر تدل على قلبٍ حيٍّ يشعر بالذنب ويخشى من العقوبة، ونفسه اللوامة التي بدأت تحاسبه وتحاكمه وتؤنِّبه دليل خير إن شاء الله، وأذكِّر السائل بأن أبواب رحمة الله مفتوحة على مصاريعها لاستقبال التائبين، الطامعين في عفوِه ومغفرته من أهل المعاصي مهما يكونوا قد أسرفوا في المعصية.. إن الله جل شأنه يدعوهم إلى الأوبة والعودة غير قانطين ولا بائسين فيقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(الزمر: 53).

 

إنها دعوة صريحة للمسرفين في المعصية إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله، والله رحيم بعباده، وهو يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم ما قد يُسلَّط عليهم من داخل نفوسهم ومن خارجها، ويعلم أن الشيطان لهم بالمرصاد، يعلم الله هذا فيمد لعباده في العون ويوسع لهم في الرحمة، ويهيِّئ لهم جميعَ الوسائل ليصلحوا خطأهم ويستقيم على الصراط المستقيم أمرُهم، والسائل يخشى من كثرة العودة إلى الذنب بعد التوبة، وقد قيل للحسن- رضي الله عنه: "ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟! فقال: "وَدَّ الشيطان لو ضفر منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار".

 

وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعالَى: يا ابنَ آدمَ، إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لكَ عَلَى مَا كَانَ فيكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ لوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استغفرتَني غفرتُ لكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لوْ أتيتني بِقُرابِ الأَرْضِ خَطَايا ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بِقُرابِهَا مَغفِرةً" (رواه الترمذي).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "إن عبدًا أصاب ذنبًا، وربما قال: أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ أذنبت، وربما قال: أصبت، فاغفر لي، فقال ربه: أعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبًا، أو أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ أذنبت- أو أصبت- آخر فاغفره؟ فقال: أعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، وربما قال: أصاب ذنبًا، قال: قال: ربِّ أصبت- أو قال: أذنبت- آخر فاغفره لي، فقال: أعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثلاثًا، فليعمل ما شاء" (رواه البخاري).

 

والمعنى ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، وننصح السائل إذا كان جادًّا في توبته أن يتحلى بهذه الصفات:

- أن يتوب توبةً نصوحًا، وأن يندم على ما قدم، وأن ينوي عدم العودة إلى المعصية أبدًا.

- وأن يتصل بكتاب الله قارئًا أو حافظًا أو مستمعًا.

- وأن يحافظ على الصلاة في جماعة.

- وأن يكثر من الذكر والتسبيح والطاعة لله.

- وأن يصاحب الأخيار والصالحين الذين تذكِّره بالله رؤيتهم، وأن يرتاد المساجد، ودروس العلم.

- وأن يبتعد عن قرناء السوء وأن يهجرهم، فمعاشرتهم تعدي، والمعصية تنتقل من المريض إلى السليم.

- وأن يغض البصر عن المهيجات ومواطن الشهوات.

- وأن يحافظ على صيام يومي الإثنين والخميس ما أمكنه ذلك، ففي الحديث: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (رواه الإمام أحمد).

 

- وأن يباشر نوعًا من الرياضة.