أحمد علي- مصر

إذا كان شيوخ الإسلام ينصحون الشبابَ المسلمَ بالابتعادِ عن ممارسةِ الجنس غير الشرعي؛ فلماذا لا يُيسرون للشبابِ الطريق الشرعي؛ أي الزواج؟

 

السؤال الآخر وهو لماذا أدفع أموالاً وذهبًا لوالد الفتاة لكي أتزوج ابنته؟ علمًا بأن الفتاةَ تتمتع أيضًا وتستفيدُ من الزواج بأن تكون زوجةً وأُمَّا، والشاب هو الذي يُحقق لها هذه الأمنيات، ومن ثم لماذا يطلب مني الإسلام أن أدفع مالاً (المهر) وأدفع ذهبًا (الشبكة) مقابل أن أتزوجها؟ أرجو الرد من فضلكم وشكرًا.

 

المفتي: فريق الفتوى بالموقع

المهر شعار الرغبة الصادقة في النكاحِ، وعلامة تميز النكاح عن الوطء السفاح والمخادنة، كما جاء في الآية ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء: من الآية 24)، فليس المال الذي يُدفع كصداقٍ أجرًا للمخادنةِ أو المعاشرة، وإلا لتجددَ المهر كلما استمتع الرجل بزوجته، ولتكرر دفع المهر؛ لذا فإن الشرعَ قد جعله مرةً واحدة يُدفع للمرأةِ وتستمر بعده الحياة.

 

أيضًا هذا المهر الذي يُدفع للفتاةِ إنما ليفرق بين النكاح والزنا، فالزنا تتقاضى المرأةُ أجرًا مقابل ذلك كلما تكررت مراتِ الزنا والعياذ بالله، والمهر هو نِحْلَةٌ للمرأة ومدعاةٌ للاطمئنان، حيث يبعث الطمأنينة في المرأةِ نحو هذا الرجل الذي بذل مالاً للحصول عليها.

 

كما أن الرجل هو المُكلَّف بالإنفاقِ؛ لأنه الطرف الأقوى والقادر على تحمُّل المشاق والصعاب، والذي يستطيع أن يكدح ويكد؛ حيث خلقه الله تعالى وله من الصفات الفيسيولوجية والجسمانية ما يناسب مهامه والمتطلبات المفروضة عليه من إعالة الأسرة.. "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيع مَن يعول".

 

وهذا عكس المرأة التي خلقها الله بتركيبةٍ فسيولوجية وجسمانية ذات طبيعة لينةٍ رقيقة المشاعر سريعةِ التأثر ضعيفةِ التحمل للمشاق، فمثلاً هناك الكثير من الأعمال التي لا تستطيع أن تقوم بها المرأة لأنها لا تُناسبها، ومن أمثلة ذلك (عامل بناء- عامل مناجم ومحاجر..).

 

إذن هناك فروق جوهرية بين الرجل والمرأة تتعلق بالتركيبِ الجسماني والفسيولوجي وغيرهما، ثم إنَّ الفتاةَ المسلمةَ قد وضع لها الشرع إطارًا للحياة يعتمد على الحشمةِ وعدم الاختلاطِ، فعندما ترتبط بزوج فلا بد من إزالةِ الوحشة والغربة بينها وبين مَن يتقدم لها خاطبًا؛ لذا جُعل المهر لإزالةِ الوحشة والغربة ولبثِّ الطمأنية ولبعث إحساس لديها بأنها مطلوبة، وأنها يُبذل مالٌ لطلبها؛ ثم إنك عندما تبذل مالاً أو تدفع صداقًا فإن هذا الصداق ليس لولي أمرها منه شيء، بل هو خالصٌ لها أي لزوجتك وليس لوالدها كما تظن.

 

كما أن الصداق هذا كان موجودًا قبل الإسلام، حيث كانوا لا يتناكحون إلا بصداقٍ تفريقًا بينه وبين السفاح والزنا؛ لذا فحكمة الشارع اقتضت الإبقاء على ما هو متعارف عليه بل اختيار أفضله مما لا تنفر منه الفطرة والنفوس.

 

ولا بد أن تعلم يا أخي أن كل حكمٍ أو تشريعٍ ليس مطلوبًا البحث عن علته أو السبب من تشريع كذا وعدم تشريع كذا؛ لأن الله تعالى وهو الذي خلق العباد وشرع لهم ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (18) الجاثية ، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا (36)﴾ (الأحزاب).

 

أما عن مشروعية الصداق:

اتفق الفقهاء على أن المهر حقٌّ من حقوق الزوجة كما تبينه الآيات والأحاديث، منها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)﴾ (النساء).

 

وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)﴾ (النساء)، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء: من الآية 24)، وقوله أيضًا: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء:24).

 

أما ما يحدث في المجتمع اليوم من مغالاة في المهور فهو أمرٌ بعيدٌ عن الإسلام ناتجٌ عن ابتعادنا عن تعاليم الإسلام التي دعت إلى التيسير في المهور فقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾ (النور) وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا خطب إليكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".

 

فالآية الكريمة وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يحثان على إنكاح الشباب الصالح غير القادر، وبيَّنا عواقب مَن يخالف ذلك "إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".

 

قال ابن قدامة في المغني: ".. ويُستحب أن لا يغلى الصداق، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: "أعظم النساء بركة أيسرهن مهرًا".

 

روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفُهُ، قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَعَاهُ أَوْ دُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ".