إعداد: عماد عجوة*

ارتفاع الكثافة السكانية بدون تخطيط من أهم المشكلات التي تهدد أي مجتمع حَضَري؛ نتيجةً للهجرات المتزايدة، ولا يمكن الجزم بأن كل المجتمعات الحضرية معرضةٌ لهذه الظاهرة، ولكنَّ هناك مجتمعاتٍ لها مقوماتٌ تجذب إليها السكان، وهذه المميزات تتمثل في الموقع الجغرافي المتميز، إلى جانب وضع المجتمع الحضري على الخريطة العالمية؛ بسبب دوره السياسي والاقتصادي والعلمي، إلى جانب الأمن الاجتماعي الذي يتمتع به هذا المجتمع.

 

وقد كانت مدينة القاهرة من أهم المجتمعات الحضَرية التي توفرت فيها مقوماتُ الجذب السكاني؛ باعتبارها من أعظم مدن العالم في العصور الوسطى؛ لِمَا بلغته من شأنٍ كبيرٍ في ذلك الوقت، فقد امتلكت مظاهر حضاريةً جعلتها دُرَّة المدن في العصور الوسطى؛ لذلك كانت من أهم المجتمعات الحضرية التي تعرَّضت لظاهرة الكثافة السكانية منذ نشأتها في العصر الفاطمي وحتى الآن، وما زالت القاهرة تستوعب أعدادًا كبيرةً من الهجرة الداخلية والخارجية؛ مما أثر تأثيرًا كبيرًا في هيكلها العمراني.

 

وباستقراء تاريخ القاهرة منذ نشأتها وعبر عصورها التاريخية المختلفة ندرك مدى تأثير الكثافة السكانية في خلق ظاهرة التكدس العمراني بها، ويمكن القول بأن المقومات الحضارية التي تمتَّعت وتميَّزت بها مدينة القاهرة جعلت ملامح ظاهرة التكدس السكاني والعمراني تنسج خيوطَها مع بداية نشأتها ويمكننا أن نحدد أهم العوامل والمقوِّمات التي كان لها بالغ الأثر في وصوالقاهرة إلى ذروة تكدسها، ومنها:

 

1- العامل السياسي

أول هذه العوامل ما يتعلق بالسياسة، سواءٌ أكانت داخلية أم خارجية، ويمكن القول بأن جذور هذه المشكلة قد بدأت في العصر الفاطمي، فعندما فتحوا مصر سنة 358هـ= 969م حاولوا تثبيت أقدامهم، خاصةً أنهم يتبعون مذهبًا يخالف المذهب السني الذي عليه غالبية الشعب المصري؛ لذلك شجَّع الفاطميون على الهجرات الخارجية لأتباع المذهب الشيعي إلى مصر، وأسكنوهم مدينة القاهرة التي شيَّدوها عاصمةً لهم، ويذكر السيوطي أن القائد جوهر الصقلي دخل مصر في عدة 100 ألف مقاتل، وعندما حضر المعز من شمال إفريقيا إلى مصر أحضر معه جيشًا لا يُعَدُّ، فيذكر ابن إياس أنه لم يطأ أرض مصر من بعد جيش الإسكندر المقدوني أكثر عددًا من جيوش المعز لدين الله الفاطمي، ولم يكتف الفاطميون بذلك، بل زادوا في استجلاب طوائف جديدة من قبائل شمال إفريقيا التي تدين لهم بالولاء، وأسكنوهم القاهرة، واختطُّوا لهم الحارات داخل حدود القاهرة وخارجها.

 

كما أن الحريق الذي التهم الفسطاط على أثر الصراع بين وزراء الدولة الفاطمية شاور وضرغام أدى إلى هجرة أهل الفسطاط إلى القاهرة، ونزلوا بالمساجد والأزقة والحمامات وعلى الطرقات، وصاروا على حدِّ قول المؤرخين مطروحين بعيالهم وأولادهم، وفي ظل هذه الأحداث أرسل نور الدين محمود جيشًا إلى مصر برئاسة أسد الدين شيركوه، ودخل الجيش القاهرة واستقرَّ بها؛ مما أثَّر تأثيرًا كبيرًا في ازدحامها.

 

وفي العصر الأيوبي استجلب الأيوبيون كثيرًا من عساكرهم من الأكراد وبلاد الشام، واستقرَّ معظمُهم في القاهرة، ومع الصراعات الداخلية بين أبناء الأيوبيين ومن بعدهم المماليك جعلهم ينتهجون جلب طوائف من خارج مصر لتشدَّ من أزرهم في ظل المنازعات بينهم، فالصالح نجم الدين مثلاً استجلب أعدادًا لا حصرَ لها من الأتراك والتركمان والأرمن والروم ومن بلاد شرق آسيا والقوقاز إلى مصر وأسكنهم جزيرة الروضة، ثم سكنوا القلعة في العصر المملوكي، ويذكر المؤرخون أن السلطان برقوق اشترى خمسة آلاف مملوك وبطبيعة الحال كانوا يسكنوا القاهرة.

 

وقد ساهمت الخطوة التي أقدم عليها الظاهر بيبرس بإحياء الخلافة العباسية في مصر في اكتسابها مركزًا دينيًّا عظيمًا؛ مما ساهم في ارتفاع معدلات الهجرات إليها، فقصدها العديد من أهل المدينة وأهل العراق وبلاد الروم ومن الأجناد المسلمين، بل وفدت عليها هجراتٌ عديدةٌ من التتار أنفسهم بعد إسلامهم.