تقرير- عمرو محمود
لكل أمة رموزُها وأعلامُها، لكنَّ هناك مقولةً أُطلقت على الشعب المصري تجد مصداقيةً كبيرةً، وهي: إن المصريين كثيرًا ما يبالغون في الاحتفاء برموزهم، وخاصةً في مجال الفنون والآداب، ومِن ثم أطقلوا ألقاب "كوكب الشرق" و"عميد الأدب العربي" و"عميد المسرح العربي" و"شارلي شابلن العرب".
وكان هذا اللقب الأخير من نصيب الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي، الذي وافته المنية الأسبوع الماضي 9/7/2006م، بعد أن قضى أكثر من ستين عامًا يقدم الفن الضاحك (الكوميديا) في معظم أعماله.
الفنان عبد المنعم مدبولي من مواليد القاهرة في 28 ديسمبر 1921م، اكتُشفت موهبة التمثيل لديه عندما كان طالبًا في المدرسة الثانوية الصناعية، وانضمَّ في فترة مبكرة إلى مسرح الإخوان المسلمين، الذي شهد البدايات الأولى لميلاد موهبة عبد المنعم مدبولي، وهو في ذلك يلتقي مع فنانين آخرين ارتبطوا بمسرح الإخوان الذي أولاه الإمام حسن البنا اهتمامًا كبيرًا جعَل النقَّاد يُثنون على مسرحياته ويُشيدون بنجاحها.
وقد كان من هذه الزمرة الفنانون: محمد السبع، وعبد البديع العربي، وإبراهيم الشامي، وعباس فارس، وغيرهم، الأمر الذي يؤكد أن الاتجاه الإسلامي في الوسط الفني حاليًا له جذوره؛ حيث يسعى قطاع مهمٌّ في هذا الوسط اليوم لتقديم فنٍّ راقٍ محترم يخدم المجتمع بحق ويطرح قضاياه وهمومه.
لكن قَدَرَ الإخوان المسلمين لم يساعد على نموِّ المسرح الإخواني؛ حيث دخلت مصر مرحلةً جديدة بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م، ووقوع الصدام المروِّع بين قيادة الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي ضعُف معه الدور الدعوي والاجتماعي للجماعة في الخمسينيات والستينيات، فيما غاب تمامًا المسرح الإخواني عن الساحة وهَجَرَه الفنانون للعمل في فرقة فنية أخرى، خاصةً بعد أن أصبحت كلمة (إخوان) تهمةً في هذا الزمن الذي وقعت فيه مصر تحت حكم الحديد والنار.
ولذلك فإنه لما انفرط عقد مسرح الإخوان لم يعُد هناك شيءٌ يتحدث عنه إلا التاريخ، وكان الراحل عبد المنعم مدبولي يَذكر في أحاديثه أنه نَشَأ في مسرح الإخوان المسلمين.
عصر مدبولي
كان ظهور الفنان عبد المنعم مدبولي الفني في فترة الأربعينيات، لكنَّ نجمَه لم يسطَع إلا في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، وهي الفترة التي جعلته أستاذًا للجيل التالي له، وجعلته في الوقت نفسه بعد جيل نجيب الريحاني، الذي كان يقدم فنًّا بأبعاد معينة، يقتحم من خلالها الواقع المرير الذي يعيشه المجتمع، وسرعان ما ينتزع الابتسامة من الجمهور في لحظة المفارقة، لكنَّ أخطرَ ما يعيب فنَّ نجيب الريحاني كان التأثّر بالغرب والاندماج فيه، دون الالتفات إلى خصوصية المجتمع العربي، ورغم ذلك كان الريحاني فنانًا رائدًا في زمنه لم يصل إلى قامته أحد في عصرنا اليوم.
وإذا كان فن الريحاني كما أشَرْنا فإن هذا الاتجاه لم يَجِد مَن يتبنَّاه بعده، والدليل أن جيل عبد المنعم مدبولي اتبع مدرسة (الفن للفن)، ورغم أنها ليست سيئةً على إطلاقها لكنها لا تقدم شيئًا سوى الضحك، الأمر الذي حوَّلها إلى تجارة هدفها سحب ما في جيب الزبون وهو ما يخرجها من دورها الرسالي ويُخضعها لمعايير أخرى، وهو المرض الذي تفشَّى الآن في المسرح وجعله يتحول إلى سيرك.
وربما يكون الفنان محمد صبحي مختلفًا عن الجميع في هذا الصدد؛ حيث إن معظم أعماله ترتبط بالهموم العربية الراهنة، وقد وصفه الفنان عبد المنعم مدبولي بقوله: إن محمد صبحي يقدم فنًّا بالمسطرة، وهو وصفٌ يؤكد الاختلاف بين نظرة الفنانَين الكبيرَين لما يجب أن يقدَّم إلى الجمهور.
ورغم أن هذا هو مذهب عبد المنعم مدبولي في الفن، إلا أن السينما نجحت في أن تجعله يتخلَّى عن ذلك موقتًا عندما شارك في الفيلم الرائع (إحنا بتوع الأتوبيس) الذي عرض قصةً حقيقيةً لاثنين من المواطنين تم إدخالهما خطأً المعتقلات الناصرية في الستينيات، وكان الفنان عبد المنعم مدبولي قمةً في روعة الأداء، وكان نجمًا بكل ما تعنيه الكلمة، فقد وصل أداؤه إلى انتزاع الدموع من المشاهدين، وكذلك الابتسامات، فكان موفَّقًا في أداء هذا الدور، وربما لم يكن هناك مَن يمكنه الوصول إلى هذه الدرجة من النجاح مثل عبد المنعم مدبولي؛ مما يجعلنا نعتقد أنه لو كان هذا منهجه باستمرارٍ لتفادَى هجوم النقاد عليه بسبب رأيه في أن الفن للفن؛ حيث اعتبره نقاد الستينيات صاحب فن يبتعد عن هموم المجتمع وقضاياه ولا يهدف من ورائه إلا إلى الضحك فقط.
شهادة لم تكتمل
ولأن الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي عاش فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 وعاصر الحكم الثوري؛ ولذلك كانت شهادته على الحقبتَين مهمةً جدًّا للباحثين في تاريخ هذه الفترة، وأثر الثورة على الفن، وقد تنبَّهت إلى ذلك إحدى القنوات التلفزيونية الفضائية واتفقت معه على تصوير مشوار حياته، بدءًا من دخوله طالبًا "مستمعًا" بمعهد التمثيل مرورًا بمحطة مسرح الستينيات، ومرحلة اشتغاله بركن الأطفال الذي كان يقدمه "باب شارو"؛ حيث مثَّل أدوار الأطفال، ثم تحوَّل إلى تأليف البرنامج.
كل ذلك كان متفقًا عليه، لكن المرض الذي داهم الفنان الراحل حالَ دون هذه الشهادة، ونتمنَّى أن تكون القناة الفضائية قد سجَّلت أي أجزاء من سيرته التي تُعتبر شهادةً تاريخيةً مهمةً على العصر الذي عاش فيه.