- أين تذهب الكلمات الحلوة بعد الزواج؟!
- الدراما لا تقلُّ إجرامًا عن تجار المخدرات
تحقيق- إيمان حسن
في ظل الصراعات والتناقضات وتساقطت القيم والمبادئ ومتاعب الحياة وغياب العلاقات الإنسانية قد يعيش زوجان تحت سقفٍ بيتٍ واحدٍ سنين عديدة أو عمرًا مديدًا، ولكن بلا مودة ولا رحمة، ويكون التفاهم والتلاقي بينهما أشبه بالمستحيل؛ مما يسميه البعض "الطلاق العاطفي".
وهنا نضع علامات استفهام عديدة حول أسباب هذا الانفصال العاطفي أو الوجداني بين الأزواج، وهو ما يسميه المتخصصون "الطلاق السيكولوجي" وهل ينحصر في مرحلة عمرية بعينها؟ وما أثره على أفراد الأسرة والبناء الأسري؟!
تقول عزة صلاح (ربة منزل): تزوجت منذ ما يقرب من العشرين عامًا، ولديَّ خمسة أبناء، تحملت مصاعب الحياة من أجلهم، وتحمَّلت زوجًا لا يعرف حقوق الزوجة ولا الأولاد، بل كنت أنا الأم والأب في نفس الوقت، لم أشعر خلال هذا العمر الطويل معه أني امرأةٌ من حقِّها الشعور بالحب والعطف، بل كانت كراهيتي له تزداد، ولولا أولادي وضغوط أهلي- بسبب العادات والتقاليد التي تنظر للمطلقة نظرةً متدنيةً- لانفصلت عنه منذ فترة طويلة، خاصةً أن الانفصال الوجداني بيني وبينه قائم.
وحالة عبد الوهاب السيد (موظف) هي نفس الحالة السابقة، فرغم أنه يعيش مع زوجته في بيت واحد، ولكن كلاًّ منهما في غرفته الخاصة، وكل ما يريده يقوم بعمله وحده؛ ولأن زوجته عصبية وأيضًا استفزازية، فحرصًا على أبنائه حاول إنهاء النزاعات التي كانت تحدث بينهما بصفة مستمرة، وحوَّلها إلى صمتٍ وجمودٍ بينهما، وبالنسبة لأولاده فلديه بنتان متزوجتان، وهما تَعرفان تمامًا طبيعة العلاقة الحالية بين أبيهما وأمهما؛ ولأنهما قاسَتَا في فترة الطفولة والمراهقة فهما تدركان أنَّ ما وصل اليه الوالدان الآن هو أفضل حالاً من السابق.
واعترافًا بالخطأ تقول هبة عاطف (بكالوريوس إعلام) بهرني في زوجي أنه حافظ للقرآن الكريم ويعمل مهندسًا، كما أنه ميسور الحال، ولكنَّ زواجي لم يدُم إلا عامًا واحدًا نتيجة أنانية الزوج وكبريائه حتى على أقرب مَن حوله، فكان يعاملني معاملةً سيئةً بل ويعتبرني مجردَ خادمة في البيت، ويصل به الأمر إلى إهانتي أمام الأقارب والأصدقاء، ومع هذا كنت أتحمَّل؛ أملاً في أن يصلح الله حالَه ويهديَه، ولكن عندما وصل الأمر ليس فقط لإهانتي بل لإهانة أبي الذي يحترمه الكبير والصغير، كانت هناك وقفةٌ شديدةٌ ليعرف أني تحملت فوق طاقتي ولكنْ للصبر حدود.
حديثو الزواج
تقول الدكتورة سامية خضر- أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس-: إن ما يُعرف بـ"الطلاق العاطفي" بدأ ينتشر الآن بين حديثي الزواج، ويرجع ذلك لأسباب، منها نظرة الناس الخارجية للأشياء؛ حيث ينحصر تفكير المُقدِمين على الزواج في ليلة الزفاف والفرح، ثم تبدأ تنقشع كلُّ الخيالات بعد ذلك وتظهر الحقيقة، والواقع عبارة عن مسئوليات، أو يكون هناك عدم اهتمام من كِلا الطرفين بالآخر أو وجود مشاكل مادية، أو نتيجة الغيرة أو الأنانية أو التكبر.
وهذه الصفات- كما توضِّح د. سامية خضر- موجودةٌ بين الشباب؛ لأنهم لم يتعلموا أن الزواج شركة ومسئولية يتم تقسيمها بين الطرفين، فالأم تضع ابنَها في منزلة عالية فلا يتحمل مسئولية، والبنت- بسبب ظروف التعليم- أكثر تدليلاً، وبالتالي تكون الفجوة ويصعب التلاقي؛ خاصةً إذا ما جُرح أحد الطرفين الآخر بكلمة أو لفظ، ومن هنا تحدث مفاجآتٌ ويكون التصادم، وهو ما يشار إليه بـ"الطلاق العاطفي".
وتُلقي بالمسئولية على الدراما التليفزيونية، وتصفها بأنها تافهةٌ وغير هادفة ولا تقدم أي رسالة، بل تعمل على تغييب العقل وتقلِّل من قيمة الفكر والمسئولية وتؤدي إلى انسحاب الإنسان من الحياة الحقيقية، مشيرةً إلى أن البيت ليس وحدَه المسئول عن توجيه الأبناء وإرشادهم، ولكن تؤكد أن قوة المجتمع أقوى بكثير من قوة البيت، وأن الإعلامَ أصبح لا يليق بالقرن الواحد والعشرين الذي يتميز بالغزو الثقافي والفضائي والعسكري، ولكن كل ما تفعله الدراما من أجل المال، ولا يقل إجرامًا عن تجار المخدرات.
توافق نفسي
د. فكري عبد العزيز- استشاري الصحة النفسية- يؤكد أن الزواجَ كمرحلة مهمة في حياة الإنسان لتكوين أسرة وخلية جديدة في المجتمع يلزمه هذ التوافق الصحي النفسي الاجتماعي بين الطرفين.
ويقول: إن من أسباب فشل العلاقات الزوجية أن يكون هذا الزواج قد جاء نتيجة أغراض أو غايات معينة، كخشية البنت أن يفوتَها قطار الزواج مثلاً، أو الزواج المصاحب بتنازلات لإرضاء الأسرة والمحيطين والمجتمع، والزواج التخطيطي، كل هذه الزيجات يصاحبها ملل- ولا ريبَ ولا شكَّ- في مراحل استكمال الحياة، كما تظهر أشكال الأنانية والذاتية والمشاحنات الأسرية ويحدث ما يُعرف بـ"التفكك الأسري".
ويستطرد د. فكري عبد العزيز قائلاً إنه نتيجةً لظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية يوجد الملل والاكتئاب ويحدث النفور والبُعد الوجداني النفسي، وهو ما يعرف بـ"الطلاق العاطفي"، وهو أصعب أنواع الاكتئاب؛ حيث يصاحبه وعيٌ وإدراكٌ حسيٌّ للظروف المحيطة، ويحدث الانفصال الجسدي والنفسي.
ويشير الدكتور عبد العزيز إلى ضرورة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي، وأن يكون مبدأ الاختيار هو الدين والأخلاق، وتكون المعاملة بين الزوجين خالصةً لله لا لأغراض أخرى.
ويحذر من خطورة ما يتعرض له الآباء على الأبناء، وخاصةً الأطفال والمحيطون، فهم المؤثر الأول على تنمية القدرات الوجدانية والعقلية، ووجود هذا الجمود الوجداني يؤثر على الأطفال، فابتسامة غير سوية أو حديث غير مقبول- إلى جانب النزاعات المستمرة- كلها تؤثر على نفسية الأبناء، ويحدث نتيجةً لهذا قضم الأظافر، والتبول اللاإرادي، والأعراض الهيستيرية وغيرها من الأمراض النفسية.
قضية متشعبة
وتتساءل د. آمنة نصير- الأستاذة بجامعة الأزهر- أين تذهب كل هذه المشاعر في فترة الخطوبة عندما يضمهم بيت واحد؟! فتشير إلى أن الاجابة على هذا السؤال متشعبة تعود للمرأة والرجل وطبيعة الحياة، فالرجل بعد أن يحقق آمالَه في بناء البيت يتناسَى الكلمة الطيبة وكلمة الحب الجميلة التي يُنعش بها حياة الزوجة، إلى جانب المجاملات الحلوة في المناسبات المختلفة التي يَروي بها الحياة الزوجية؛ حتى لا يجفَّ شجَرُها وتتساقط أوراقها، أما بالنسبة للمرأة فلا تتصور أنها بمجرد أن حقَّقت آمالَها في الزواج والبيت وإنجاب الأطفال تكون الدنيا قد تجمَّدت وتنسى تمامًا الاهتمامَ بمظهرها وجمالها وتجديد نفسها في بيتها ومظهرها وكلامها.
وتوضح أن كلا الزوجين يخطئ في حق الآخر، فبمجرد الزواج كأنهما وصلا إلى نهاية الأماني، وهذا يحولهما إلى حياة رتيبة، ويصيران غرباء في بيت واحد، ونذكر هنا الكلمات الجميلة التي قالها ابن عباس حيث يقول: "إني أحب أن أتزين لزوجتي كما تتزين لي"، وهي توصيةٌ تحمل معنى التزيُّن، وهو تزيُّن في الكلام والمظهر وحسن العشرة لتجديد فنون الحياة، فيسقط كلاهما فيه، من تربية للأبناء والمتاعب الاقتصادية.
غياب التفاهم
وتؤكد الدكتورة آمنة نصير أنه إذا غاب التفاهم والمودة والرحمة والسكن، وهذه هي الأعمدة الأساسية في الشريعة الإسلامية في بناءِ السكن السويِّ الجميل كانت النزاعات المستمرة.
وتحذر أيضًا من ضرورة ألا يقف الزوج أمام الزوجة أو العكس كجلاَّد لكل ما هو مطلوب، فلا بد أن يراعي كلُّ طرف ظروف الآخر، فكلما رسخت الأسرة روحَ التقارب والمودة والتفاهم كلما بارك الله لهذه الأسرة في الداخل وإن كان قليلاًَ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: من الآية 2).