قال الدكتور سيف الدين عبدالفتاح، استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن المستبدين يحرصون في كل أفعالهم وسياساتهم، في طغيانهم وظلمهم؛ على أن يجعلوا المواطن هامشيا مهمشا، عليه كل الالتزامات والمغارم وليس له أي حق يمكن أن ينهض من خلاله بمعاشه أو بكرامته وحقوقه.

 

وأوضح أن هذا الامر دفعنا في كتاب سابق عن المواطنة للحديث عن "مواطنة الإذعان" والذي تطارده الدولة في كل مكان حتى يكون عبدا خانعا ومواطنا صالحا (بمفهومهم) يملك كل ما يتعلق بالقابلية للاستبداد والخنوع والخضوع والتركيع والتطويع.

 

وأشار فى مقال نشر على صفحته موقع التواصل الاجتماعي"فيس بوك"، إلى النظر للمواطن باعتباره "مواطنا سياحيا" الذي يبدو في الصورة ويُستحضر حينما يصلح لعملية تسويق إعلانية كبرى، ويُهمل وينزوي حينما يكون عبئا على هذه "الصورة السياحية" إذ يشكل المواطن بفقره وتهميشه عبئا على الصورة التي يراد رسمها زيفا ويشكلونها كذبا؛ موضحًا تذكرت كل ذلك حينما زار شاه إيران قبل أن ينخلع مصر في عهد الرئيس السادات ورأيت بعين رأسي كيف وقد حددوا أنه سيمر على كوبري علوي لسكان أحياء شعبية فأكرهوهم على إغلاق شرفاتهم ومنعوهم من نشر ملابسهم وأجبروهم على إدخال مخزونهم الغذائي الذي اعتادوا أن يضعوه في تلك الشرفات، أكثر من ذلك فإنهم قرروا أن يطلون المنازل باللون الأبيض.

 

والى باقى نص المقال..

وقلت في حينه أن نظام الحكم اضطر أخيرا أن يؤدي خدمة لهؤلاء المهمشين لا لشيء سوى أنهم بصورتهم وأشكالهم ووضعهم وأحوالهم سيؤذون بصر "الشاه" ومن ثم وجب علينا أن نخفي المواطن "العورة" ونحاول أن نُجَمّل ما استطعنا سبيلا مثل هذه المنازل، فلا تجرح عينه وتحسن من صناعة صورة هي والزيف سواء.

 

ورغم ذلك لم يخطر علي بالي مثلا أن هؤلاء سيتحركون في دائرة تزوير مقيتة إلى الدرجة التي أصروا فيها ألا يقوموا بطلاء كل المنازل على ارتفاعها ولكن قاموا بطلاء هذه المنازل حتى مستوى نظر "الشاه" حينما يركب السيارة ويصدف أن ينظر هنا أو هناك؛ كان ذلك بالنسبة لي أن "النظام الحقير" حينما ينظر إلى أبنائه بكونهم عبئا وقد قام بالدور الأكبر في إفقارهم وتهميشهم وعدم الاهتمام بحياتهم ومعاشهم، ورغم أن هذه حياة دائمة لهم يئنون من غير "الآه" ويبكون من غير دموع، ولكنهم يطلع عليهم كل يوم جديد فيمارسون حياة قهرهم وإفقارهم، وبدا الأمر لنتعرف على "الموطن السياحي" والذي يجب أن يختفي في حال وجود سائح يتأذى منه، وكذا البيوت تطلى على مستوى نظره حتى لا يتأذى بأشكالهم المزرية وفقرهم المدقع.

 

أي نظام حقير هذا الذي يقوم بالاستبداد بهؤلاء وقهرهم وضمان كل مسالك خضوعهم ،ثم بعد ذلك يفعل هذا الذي يفعل لا اعتذارا لشعبه ولكن اعتبارا لضيفه، الذي يجب ألا يؤذى نظره ببؤس هؤلاء الذين لم يكونوا في يوم من الأيام إلا صنعة المستبد، الذى قام بكل أمر يتعلق بالتجويع فى مسار التطويع هادفا في النهاية إلى عملية تركيع كبرى لكل هؤلاء، ومن هنا ظهرت "مواطنة المغارم"، و"مواطنة الإذعان"، و"المواطن السياحي".

 

تذكرت كل ذلك وأنا أشاهد بعد نصيحة من زملاء لي هذا الأوبريت لما يحويه ومما قد يستحق التعليق؛ بدا الأمر بالنسبة لي بعدما فرغت من المشاهدة بشعور عميق بالإهانة والمهانة، مهانة سببها الزيف والتزوير على الحقيقة حينما يهدفون وبطريقة إعلانية سياحية وتسويقية ترويجية باستعراض مشاهد مزورة غير حقيقية لمشاهد اصطنعوها ضمن عمل قالوا أنه عمل فني في أوبريت "مصر قريبة"؛ مشاهد الزيف المصنوعة على أعين الاستبداد تقوم بمهانة كبرى لكل هؤلاء الذين تصدروا المشاهد إن كان ذلك تمثيلا أو غناء في حالة استجداء غير طبيعية، في حالة تسول لا يمكن بأي حال إلا أن نعتبرها ضمن مسار يُقزم من مكانة مصر والذي يقوم هذا الانقلاب بدور أكبر في تصنيع هذه الصورة بأفعاله وسياساته، كلها مشاهد تحرص أن تبلغ رسالة للقادم إلى أرض مصر: "نحن في خدمتك وطوع يمينك ما ملكت الأموال" مرة أخرى طمعا في "الرز" وليس طلبا للرزق، ونسى هؤلاء أن يطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فالأمور تجري بمقادير ولكنهم أرادوا أن يتموا دائرة المهانة لشعب بأسره قدموا فيه صورة الاستجداء والتسول.

 

أما صور الإهانة تنبع من مشاهد موازية، مشاهد مصر الحقيقية بفقرائها، ومهمشيها، فعلى الكوبري الذي تسير عليه ممثلة تحمل الوردة للضيف الخليجي ،فإنه على كوبري مماثل ينتحر من أعلاه مواطنين من الفقراء والشباب في عمر الزهور ضاقت بهم أحوال بلدهم، ولم يجدوا إلا بقرار ينبئ عن قهرهم كما ينبئ عن ضعفهم، قرروا مغادرة الدنيا لشعورهم أنهم ليسوا لهم فيها من نصيب، إن هؤلاء الذين يدفعون دفعا إلى هذه الظاهرة الخطيرة إنما تعبر في حقيقة الأمر عن مشهد غاب عن مصر القريبة لهم البعيدة علينا، ماذا فعلتم لهؤلاء، هل اعتبرتموهم سقط متاع لا يجب الحديث عنهم أو الاهتمام بهم، بئس هؤلاء الذين يقدمون وردة لأغنياء ولا يقدمون خبزا لعيش الفقراء.

في ذلك المكان الذي كان سيمر منه "الشاه" مررت منه بالمصادفة البحتة بعد أعوام، ومنذ أيام رأيت مشهد الأنابيب والمشاجرات عليها والطابور الطويل ومحاولات اقتناص المصريين والمصريات وسط ضيق الحال فلم يكن الأمر إلا أكواما من الفقراء تتدافع وتتقاتل للحصول على بعض حاجاتها، يبدو هؤلاء في معركة لقمة العيش التي لا ترحمهم ويقضون أوقاتهم للخروج منها بنصيب بشق الأنفس، وها هو مشهد المصريين الذين مازالوا يتجولون على أكوام الزبالة يتفحصونها ويأكلون منها وإذا مرضوا يلقون فيها، إنهم سقط متاع لا حساب لهم، يعتبرونهم غرما، ومن ثم يكون هذا الوصف من أحد المتنفذين، يصف هذا الشعب بـ "الشعب الجائع المتنيل بنيلة"، أما عندما يحتاجه للتفويض ويطلب منه التعضيد فإنه يناديه زورا وتزلفا "بالشعب العظيم"، ياهؤلاء الذين تنتمون إلى جوقة المستبد من مسؤولين ومن مؤسسات لماذا لم تجعلوا هذا الشعب عظيما وكريما وجعلتوه جائعا ومريضا أليس ذلك من فعلكم بسياسات الإفقار المتعمدة في بر مصر، وهذه مشاهد بعض المسؤولين الذين ينظرون إلى عموم الناس وكأنهم عبيد إحساناتهم فيقومون بتذنيب الناس واستعبادهم، وكأنهم لم يخلقوا إلا ميراثا أو عقارا.

 

وهاهي مشاهد المرأة المصرية التي تنتهك حرماتها باعتقالها وسجنها والمؤسف باغتصابها بل وتركها نهبا لفوضى التحرش فيكون ذلك مجالا أخر لظاهرة خسيسة تجعل مصر التي هى قريبة لهم بعيدة علينا وعنا، وهذا مشهد الجهل يبدأ من الكفتجي عبد العاطي المدعي والذي لاقى تشجيعا ومساندة من مؤسسة انتمى إليها بشكل "فخري" وصار يكذب ويكذب في محاولة ليجعل من قبول أمور لا تقبل ضمن عملية التطويع والتركيع، ألم تخجلوا من أنفسكم حينما سمحتم لإمرأة تمثل مُسخة في المجال العام صاحبة مقولة "شات أب يور ماوس أوباما" تلك السيدة التي استعرضت جهلها واستغلها نظام أرعن في توظيف الجهل لخدمته، وها هو مشهد استخفاف شديد الخطورة من إعلام الإفك والفجر الذي يلطخ سمعة المعارضين السياسيين ويخوض في أعراض زوجات حكام دول أخرى.

 

كل هذه المشاهد شكلت مع فضائح انتهاك حقوق الإنسان ومع أحكام بالإعدام المتتالية حتى بلغت رقما قياسيا في تاريخ المعمورة بأسرها ،ماذا يمكن أن يشكل ذلك بالنسبة للسياحة والسائحين وما هو وزن كل مصري مواطن في هذا المسار المهين؟!، ألا يمكن أن نقول أن ما نفاه المنقلب في التسريبات أكده الأوبريت الفاضح، أليست هذه مصر التي يستجدي المنقلب من خلالها وبحديث الزيف عنها يستجدي أغنياء الخليج "اللي عندهم فلوس زي الرز".

 

الأزمة أننا صرنا في حالة إعلانية، الإعلام إعلان، الرئاسة إعلان، كل أمر صار إعلانا وترويجا وفرمانا بالزيف والتزوير حينما نشهد ونستعرض تلك المشاهد المتعددة "لمصر الحقيقة" ونفضح كل المشاهد التي تتعلق "بمصر المزيفة"، فإذا ما قلت أن أوضاع مصر تتدهور، ومكانتها تتآكل اتهموك بأبشع تهم الخسة، ومفردات النذالة، واتهامات الطعن في وطنيتك وتخوينك، فأنت عميل أو خائن أو على أحسن الفروض تسئ إلى سمعة مصر، أتدرون من يسئ إلى سمعة مصر؟ هذا الذي ينظر إلى شعبه بأنه جائع ومتنيل بنيلة، هو ذلك الشخص أو المؤسسة التي تُصَدّر حالة مصطنعة ولا تعالج واقعا بل تسهم في تكريسه، ولا تقترب منه إلا لأسباب سياحية، صار الإفقار سياسة، وتعذيب الناس ممارسة، وإهمال حاجاتهم الأساسية وإغفالها إستراتيجية، الذي يشوه سمعة مصر الذي ينتهك حرمات الشباب في معتقلاته، كل ذلك قَزّم مكانة مصر وجعلها في موقع المتسول وهي الكريمة صاحبة المكانة ، أهكذا يمكن أن تحيا مصر، تحيا مصر من خلال فساد عميم وظلم مقيم واستجداء أثيم ، لا تحدثونا عن مصر المزيفة فتجعلونها قريبة وتطردون مصر الحقيقة التي صنعها نظام مستبد فاسد وقاتل وفاشي، فتكون بعيدة على أبنائها وعلى مواطنيها، مصر قريبة لهم ولا زالت بعيدة علينا وعنا .. فكوا أسرها..كفاكم اغتصابا لها ولشعبها.