في العدد رقم 61 من مجلة (الدعوة) الغراء، كتب المرشد الراشد الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله هذا المقال، يتعرض فيه لبعض الدروس التربوية المستفادة من حادث الإسراء والمعراج، ينصح بها شباب الدعاة، حُبًّا لهم وأملاً فيهم وإشفاقًا عليهم، وفي أسلوبه المعتاد الذي ينضح رقةً وسلاسةً وعُذوبةً، ويُنبئ عن نفس كاتبه المحبة الخيرة الصافية السهلة السمحة، كما يُدلي بدلوه في قضية كانت مثار اختلاف بين العلماء وهي قضية الإسراء هل كان بالروح فقط أم بالروح والجسد، ويتناولها بأسلوبه المعتاد البعيد عن التكلف، البعيد كل البعد عن التعصب للرأي أو التجريح للمخالفين.

 

ونضع بين يدي القراء النص الكامل لهذا المقال الهام والطريف:

"تعودت هذه المجلة ألا تُخطِّئ أحدًا يستند إلى رأي صحيح إذا ما استندت هي بدورها إلى رأي صحيح آخر، اقتنعت به، لئلا تدخل في جدالٍ لا نفع فيه للمسلمين، وحسبهم ما هم عليه اليوم من حالٍ لا ترضى ولا تسر، وطالما نصحنا المسلمين جميعًا، ألا يتفرقوا شيعًا بسبب الفرعيات الفقهية، فالأمر اليوم أخطر مما يظنون، ونحن حريصون كل الحرص على أن تتوحد كلمة المسلمين في الدفاع عمَّا يُبيته لهم أعداء هذا الدين وهم كثيرون.. وهم ماديًّا أقوى من المسلمين، حتى إذا ما عاد للمسلمين سالف مجدهم، كان لهم أن يعودوا إلى المناقشات حول الخلافات الفقهية، إن رأوا في ذلك مصلحة أو متعة فكرية، وإن كنا بدورنا لا نحب لهم ذلك على الإطلاق.

 

ولكننا بهذه المناسبة الجليلة.. مناسبة الإسراء والمعراج رأينا أن نعرض وجهة نظرنا بأدلة استقيناها من مظانها التي رجعنا إليها، إنه أمر شغل المسلمين، واختلف فيه علماؤهم، ولسنا ندَّعي علمًا للحكم فيه بصواب فريق دون فريق، ولكننا من الفهم، في حدود الحل والحرمة، بحيث نستطيع أن نقتنع بوجهة نظر، يدعمها دليل يرضينا ونرتاح إليه، وفي كلتا الحالتين لا نحمل أحدًا على الأخذ بما نقول، فلكل منهم أن يرتاح إلى ما اقتنع به، ولما كَثُرَ الكلامُ في أيامنا هذه بقصد زعزعة مكانة السنة في أذهان المسلمين، والأخذ بها كمصدر صحيح سليم من مصادر التشريع، عبادة ومعاملات، دار في خلدي أن أتحدث عن مكانة سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- في هذا الدين، ولئن كان هذا الحديث مكررًا، ولئن كانت هذه المكانة مقطوعًا بسموها وجلالها، فإنَّ التذكيرَ بها واجب؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين، وهمِّي الأول في ذلك، هو ذلك الشباب الطاهر، المقبل على مصادر دينه، يستسقي منها ما يعزه في دنياه ويسعده في آخرته حتى يتوافر له اليقين القوى بصحة ما جاء به رسولهم الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- قرآنًا وحديثًا، ومتى اطمأنَّ الشباب إلى هذا، أخذ بكل ما جاءه به نبيه- صلى الله وسلم-، معرضًا عن تلك المحاولات الفاشلة التي تريد صرفه عمَّا شرح الله صدره له، من دقة تشريع دينه وزعامة نبيه عليه الصلاة والسلام.

 

 الصورة غير متاحة
وبإهلال رجب الفرد، قدرت أنَّ المناسبة مواتية، فاتخذت ذلك وسيلة للكتابة عن الإسراء والمعراج من هذه الزاوية، إني أوقن بأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أُسري به روحًا وجسدًا، وهذا اليقين لا يحتاج عندي إلى دليل أو برهان، ولكني قدرت أن غيري قد يحتاج إلى هذا الدليل، فجمعت له من الأدلة ما وقع تحت نظري أثناء قراءتي، وإني لأبتهل إلى الله جلَّ وعلا، أن يكون فيما أقدم خير ما ينتفع به المسلمون، فإنْ تمَّ القصد، فلله الحمد والمنة، وإلا فجهد أردت به خيرًا، ومحاولة أتضرع إلى أن يكتب لي بها الأجر، قدر ما انطوت عليه نيتي:

أولاً: لو كان الإسراء والمعراج بالروح فقط، لما كان آية، ولما كان معجزة، فكثير من الناس تطوف أرواحهم في الرؤى بعوالم ما لهم بها من عهد، وما كانت تخطر لهم على بال، والكثيرون قد اطلعوا في رؤاهم على الجنة، وأدهشهم ما هي عليه من حسن وجمال وروعة وجلال، فهل كانت هذه خصيصة يتميزون بها عن غيرهم من صالحي المؤمنين؟؟ وأي فرق بينهم وبين سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام في هذا المقام، إذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أُسْرِي