ترجمة: حسين التلاوي
جريدة: ذي جارديان البريطانية
التاريخ: 16 سبتمبر 2006م
لم تخرج تصريحات بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر التي أساء فيها إلى الإسلام وإلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قبل أيام عن السياق الفكري العام للبابا؛ حيث سبق له أن وصف معتنقي الديانات من غير المسيحية أو اليهودية بأنهم "غير المؤمنين"، كما أنه وصف اليهود بأنهم "الإخوة الأعزاء"، ولا تأتي تلك المواقف بعيدةً عن مواقف سلفه يوحنَّا بولس الثاني الذي برَّأ اليهود من دم نبي الله عيسى عليه السلام، كما أنها تأتي في أعقاب تصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن التي ادَّعى فيها أن الأمريكيين يخوضون حربًا مع من سمَّاهم "الفاشيون الإسلاميون"، خاصةً أنه لم يفصل بين هذه التصريحات الفاتيكانية وبين أزمة الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام إلا ما لا يزيد على الـ7 أشهر، الأمر الذي يوضِّح أن هناك ما يشبه الحملة ضد الإسلام والمسلمين من مختلف القوى الدولية، والإشارة إلى تلك الحملة لا تأتي في إطار نظرية المؤامرة ولكنها تستند إلى وقائع فعلية.
إلا أن المثير للانتباه هو أن بعض الأصوات المسيحية انتقدت التصريحات التي أدلى بها البابا، واصفةً إياها بأنها عنصرية، وفي هذا السياق يأتي المقال الذي كتبه راعي كنيسة بوتني وأستاذ الفلسفة في كلية وادام بأوكسفورد الدكتور جيليز فريزر، الذي أشار في مقال له اليوم السبت 16 سبتمبر في جريدة (ذي جارديان) البريطانية إلى أن تصريحات البابا لا تُعتبر "زلة لسان" غير مقصودة، ولكنها توضح رؤية البابا للإسلام، وهي الرؤية التي تتركز على أنَّ الإسلام "خطير" و"غير إلهي"، مُضيفًا أنَّ البابا بهذه التعبيرات وضع الأسس التي ستسير عليها ولايتُه كرأس للكنيسة الكاثوليكية.
تأكيد السيادة المسيحية
"لم تكن هذه زلة لسان غير مقصودة، فأسفل رؤيته الفكرية يبدو أن البابا يعامل الإسلام على أنه خطر وغير إلهي".. "جيلز فريزر".
عُرِفَ البابا يوحنا بولس الثاني طوال فترة توليه البابوية بأنه كان على ارتباط بالصراع بين الغرب والشرق، وفي كلمة له مساء الثلاثاء في تجمع من الأكاديميين البافاريين حدَّد البابا بينديكت السادس عشر المعايير الخاصة بالصورة التي ستكون عليها فترته كـ"بابا"، واضعًا نفسه في مناقشة حول الإسلام أثارت موجةً من الغضب في العالم الإسلامي.
الكلمات التالية ليست كلمات البابا وإنما كلمات أحد الأباطرة البيزنطيين المجهولين في التاريخ، وهو مانويل الثاني باليولوجوس، والتي قالها في القرن الـ14، وهذه الكلمات هي: "أرني ما هو الجديد الذي قدمه محمد؟ كل ما هو شرير ولا إنساني، مثل دعوته لنشر الدين بالسيف"، وبالفعل أوضح البابا أنه لم يقتبس فقط ولكن مع ذلك فقد خرجت هذه الكلمات من فم البابا الذي يُعتبر الزعيم الروحي لمليار كاثوليكي دون أي تحفُّظٍ كافٍ، فلم تكن هناك أية إشارات إلى أنه ينأى بنفسه عن الادعاء بمسئولية محمد عن الشرّ، وبالتالي لم يكن من قبيل المفاجأة أن تثير تلك التصريحات الغضبَ وتؤدي للعديد من المطالبات بالاعتذار الشخصي.
الكتاب الأخير لكريستوفر تيرمان حول الحروب الصليبية يحوي الكثيرَ من المنطق عندما ينفي وجود أي رابط بين الصراع القائم حاليًا والحروب الصليبية، إلا أن ذلك النفي المنطقي لا يمكنه أن يُزيل الكثير من الجليد الموجود على العلاقات مع المسلمين، وبصفة عامة فإن أحد سابقي بينديكت السادس عشر في منصب البابوية وهو أوربان الثاني هو الذي دعا إلى الجهاد المسيحي ضد الإسلام، وقد كان المسيحيون "المولودون من جديد"* في طليعة من دعَّم غزو العراق واحتلال الأراضي الفلسطينية من جانب "إسرائيل" وعملية "إعادة الهيكلة" الكاملة للشرق الأوسط، وهي الكوارث التي فقد آلاف المسلمين حياتهم فيها.
إن أية تصريحات تصدُر من جانب أي زعيم مسيحي تمس تلك الجروح يمكن أن يتم تفسيرها من كل الزوايا المتاحة وبالتأكيد يعرف البابا ذلك، فإذا كان ملايين المسلمين قد شعروا بالغضب من بضعة رسوم كارتونية دانمركية أعدها رسَّامون مجهولون فإنه من البديهي أن يكون معروفًا حجم الضرر الذي يمكن أن تسببه مثل تلك التصريحات من جانب الحبر الأعظم في روما.
وأكثر من ذلك فإن البابا لديه سوابق في هذا السياق، فقبل أن يتم تنصيبه كـ"بابا" بشهور قليلة تحدث بصورة سلبية عن انضمام تركيا المسلمة للاتحاد الأوروبي، قائلاً إنه يجب الدفاع عن أوروبا المسيحية، ولكنَّ هذه التصريحات لم تلقَ اهتمامًا من جانب الزعماء المسلمين، وما جعل تصريحاته في بافاريا تكتسب كل هذه الحساسية هو أن ميونخ (عاصمة الإقليم) محاطةٌ بالعديد من البلدات التي تضم آلافًا من العمال الأجانب ومعظمهم من تركيا، والذين يعانون من سوء المعاملة من جانب المسئولين الألمان ويتعرضون للعنصرية، ولا يمكن لهؤلاء أن ينسَوا أن الإمبراطور مانويل الثاني حكم إمبراطوريته من المدينة التركية المعروفة الآن بإسطنبول، الأمر الذي يجعل الإشارات لتلك الفترة في هذا الزمن دليلاً على الانتصار المسيحي الذي تحقق في الفترة الحالية.
وفي عموم الأمر فإنه يمكن اعتبار خطاب البابا جزءًا مما أراده أن يكون مناقشةً أكاديميةً حول جوهرية فكرة العقلانية التي يراها ضروريةً، فقد قال إنه ينبغي "أن نتغلَّب على القيود الموضوعة على العقل، والتي ثبت أنها غير منطقية" وأصرَّ على رأيه، ومن المؤكد أن الأغلبية الساحقة من المسيحيين سيوافقون، إلا أنه حتى في ذلك الحديث الأكاديمي فإن نقدًا حادًّا للإسلام كان مختبئًا تحت ذلك المنطق الأكاديمي؛ حيث زعم البابا أن "فكرة الله في الإسلام في منتهى السموّ" وبالتالي فهي "لا ترتبط بأي من أفكارنا ولا حتى بالمنطق"، وهو ما يعني أن الإسلام لا علاقةَ له بالمنطق، وهذه التعبيرات بالتأكيد تعبر عن اعتقاد البابا بأن الإسلام خطير، وهذا يفسِّر لماذا تبدو تصريحات البابا وكأنها أمرٌ أكبر من مجرد زلة لسان عادية؛ حيث انتهى حديثه بإشارة أكثر عمقًا إلى حديث الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني، وهي "ألا تتعامل وفق العقل أو المنطق هو أمرٌ منافٍ لطبيعة الله" وذلك وفقًا لفهمه للمسيحية، وهذا المنطق هو ما يراه البابا الوسيلةَ التي يمكن أن ندعو بها الثقافات الأخرى للحوار.
الكثير من المدونات على الإنترنت أشارت إلى أن البابا قد يكون حمل في رأسه صورةَ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وهو يتحدث عن المحاور الفارسية، لكننا نريد أن نبتعد عن هذه النقطة فالأمر خطير بالفعل ولا يحتاج إلى إثبات خطورته من خلال ربطه بالواقع المعاصر، فالقول بأن الإسلام ضد العقل وأن العمل ضد العقل يُعتبر مخالفةً لإرادة الله فإن ذلك يكون قريبًا من القول بأن الإسلام "غير إلهي"، وهذا يتنافى مع دعوتنا للحوار بين الأديان وخاصةً مع تلوث يد كل منا بدماء الآخر.
هناك قول مكتوب: "لماذا تنظر إلى القذَى في عين أخيك ولا تلتفت إلى الوتد في عينك؟! لماذا تقول لأخيك: دعني أزيل القذَى من عينك ولا تلتفت إلى القذى في عينك أنت؟!"
------
* هذا التعبير واحد من المصطلحات التي تُسْتَخْدَم بين أتباع التيار الديني المسيحي الصهيوني، والذي ينتمي له العديد من عناصر الإدارة الأمريكية الحالية (المترجم).