من التهم التي ألصقت بالإخوان – ولا زالت – تهمة استخدام العنف أو الإرهاب وحين تُذكر جماعات العنف المسلح في عصرنا يسارع ذوو الغرض والهوى لإدخال جماعة الإخوان فيهم.

وهذا لعمري من الاعتساف والتحريف والظلم المبين الذي لا يخفى على دارس منصف، فالإخوان – من الناحية النظرية – لم يجيزوا استخدام القوة المادية إلا في مجالات معينة وبشروط واضحة، بينها الإمام البنا في رسائله بوضوح كما في رسالة "المؤتمر الخامس" وغيرها . ومن هذه المجالات: مقاومة الاحتلال الإنجليزي لمصر والاحتلال الصهيوني في فلسطين.

وقد اشترك الإخوان بالفعل في قتال الصهاينة سنة 1948م في حرب فلسطين وكان لكتائبهم دور مشهور, وبطولات قارعة رائعة, وشهداء أطهار أبرار، شهد لهم بها رجال كبار من قادة الجيش المصري وإن كان جزاؤهم بعد ذلك أنهم أُخذوا من الميدان إلى المعتقلات.

كما كان لهم دور معروف غير منكور في معارك القناة؛ حيث شارك شبابهم في الجامعات والأزهر وغيرها، وكان لهم شهداء معروفون. وكان لاستخدام العنف في غير الميدان دور محدود قصد به ضرب المصالح اليهودية والبريطانية ردًّا على المجازر الهائلة التي وقعت في فلسطين على أيدي العصابات المسلحة التي استباحت كل المحرمات.

ولو جُمع كل ما فعل الإخوان لضرب تلك المصالح لم يبلغ عشر معشار ما كانت تقوم به الجماعات المسلحة اليوم في مصر أو في الجزائر في يوم واحد.

فما عرف عن الإخوان أنهم قتلوا سائحا أو اعتدوا على قبطي أو قتلوا امرأة أو طفلا صغيرا أو شيخا كبيرًا كما شاهدنا ما يفعله هؤلاء الوحوش الذين يذبحون الناس بأبشع الآلات واشنع صور القتل ولا يتورعون عن قتل النساء والولدان والزراع والرهبان, ممن لا ناقة لهم في حرب ولا جمل ولا نعجة ولا حمل!.

فمن غير المقبول والمعقول أن يلحق الإخوان بهؤلاء المفترسين . وهناك حوداث معروفة من أعمال العنف منسوبة إلى الإخوان لها ظروفها وملابساتها: ومن العدل أن توضح في إطارها الزمني فقد كان الاغتيال السياسي معروفا عند الوطنيين منذ اغتيال بطرس باشا غالي, وأمين عثمان وغيرهما وكان الرئيس السادات ممن اتهم في مقتل أمين عثمان.

فمن ذلك: حادثة قتل القاضي الخازندار فى ظروف معروفة زينت لبعض الشباب المتحمس أن يقتلوا هذا القاضي, ولم يكن ذلك بأمر الأستاذ البنا ولا بإذنه أو علمه وقد استنكر وقوع هذا الحادث ومن الإنصاف أن يوضع الحدث في ظرفه الزمني, مقرونا بالباعث عليه, حتى لا يؤخذ من حجمه، ولم يتكرر هذا من الإخوان قط، ولم يفكروا في أخذ ثأرهم حتى من القضاة العسكريين الذين حكموا عليهم أحكاما لا يشك إنسان موضوعي أنها قاسية ظالمة.

وبعد ذلك كان قتل النقراشي رئيس الوزراء والحاكم العسكري الذي يحمل تبعة (حل الإخوان) واقتيادهم إلى المعتقلات بالآلاف وتعرضهم للتعذيب والفصل والتشريد والتجويع, حتى الذين كانوا يقاتلون الصهاينة في فلسطين نقلوا من الميدان إلى الاعتقال، فقام شاب من الإخوان بمساعدة بعض زملائه في (النظام الخاص) بقتله، وهو ما حاول الأستاذ حسن البنا الحيلولة دون وقوعه ولقي بعض الرجال المسئولين وحذرهم من أن يتهور بعض شباب الإخوان ويحدث ما لا تحمد عقباه، فقالوا له بعبارة صريحة ماذا يفعلون؟ سيقتلون رئيس الوزراء ليكن إن ذهب عير (أي حمار) فعير في الرباط!.

وقد استدعي الأستاذ البنا بعد مقتل النقراشي وحقق معه, ثم أفرج عنه إذ لم تثبت أيه صلة له بالحادث.

والحادثة الثالثة: محاولة نسف محكمة الاستئناف التي كانت تضم أوراق قضايا الإخوان, وهو الحادث الذي أغضب الأستاذ البنا كثيرا وجعله يسارع بإصدار بيانه الشهير الذي نشرته الصحف وفيه يقول: "هؤلاء ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين!"

والواقع أن الجماعة بعد حلها ليست مسئولة عن هذه الحوادث؛ لأنها ليست موجودة حتى تساءل. ولم يحدث بعد ذلك أي حادث عنف إلا ما كان من محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية في أكتوبر سنة 1954م, وهو حادث تكتنفه الشبهات من كل جانب, وقد شكك فيه بعض رجال الثورة أنفسهم، مثل حسن التهامي.

ولو أخذنا الأمور على ظواهرها فليست الجماعة مسئولة عنه ولم يثبت في التحقيق أنها هي التي دبرته, وإنما هو من تدبير هنداوي دوير ومجموعته.

على كل حال, هذا تاريخ ولم يثبت بعد ذلك أن الإخوان استخدموا العنف من سنة 1954م حتى اليوم رغم ما وقع عليهم من عسف وظلم وقتل علني لقادتهم بحكم القضاء العسكري, والتعليق على أعواد المشانق مثل الشهداء: عبد القادر عودة – محمد فرغلي – يوسف طلعت – إبراهيم الطيب , أو لشبابهم بحكم التحريش المثير داخل السجن كما في حادث سجن طره الشهير الذي قتل فيها السجانون مسجونيهم علانية, وسقط ثلاثة وعشرون شابا من خيرة الشباب شهداء في سبيل الله ولم يصنعوا جرما إلا أنهم طالبوهم بتحسين أحوالهم والسماح لذويهم أن يزورهم كبقية سجناء الدنيا.

وقد أعدم بعد ذلك: سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل, ومحمد يوسف هواش ولم يريقوا قطرة دم واحدة, إلا ما قيل: إنهم كانوا ينوون كذا وكذا.

واقتيد الإخوان بعشرات الألوف إلى السجون والمعتقلات وعذبوا تعذيبا لم يسبق له مثيل. ورغم توسط الكثيرين واحتجاج الكثيرين على إعدام سيد قطب لم يستجب عبد الناصر لهم وأصر على القتل.

وهناك الإخوان الذين قتلوا تحت سياط التعذيب في السجن الحربي بعد أن سهر عليهم الجنود القساة يتعاورون عليهم واحدًا بعد الآخر, كلما تعب هذا من الجلد والإيذاء أخذ عنه صاحبه, فمن هؤلاء المعذبين من تحمل جسده, وإن بقي طوال عمره يعاني آثار العذاب ما يعاني ومنهم من نفذت طاقته, وعجز عن الاحتمال فخرّ قتيلاً بين أيدي هؤلاء الوحوش وهم لا يبالون.

أعرف من هؤلاء صديقنا الشيخ محمد الصوابي الديب خريج كلية الشريعة وزميلنا في بعثة الأزهر للجهاد في القناة الذي احتيل عليه فجيء به مخلوف مفتي الديار المصرية عليه رحمه الله ولما سئل أخونا: أين قضى تلك الفترة قبل سفره إلى جدة رفض أن يبوح باسم الشيخ حتى لا يؤذى في شيخوخته وصبر على العذاب حتى لقي ربه.

وقد كان كثيرون يطالبون الإخوان أن يأخذوا بثأرهم من الضباط الذين اشتهروا بتعذيبهم مثل حمزة البسيوني قائد السجن الحربي الذي كان يقول في صلف وغرور: لا قانون هنا: أنا وحدي القانون!. بل تطاول بجرأة ووقاحة على مقام الألوهية, حين كان الإخوان يقولون تحت وطأة التعذيب: يا رب يا رب فيقول متبجحا: أين ربكم هذا؟ هاتوه لي, وأنا أحطه في زنزانة!!

هذا الطاغية تركه الإخوان ومن عاونه لقدر الله الأعلى, فسخر منه القدر؛ حيث تحطمت سيارته في طريق الإسكندرية القاهرة وقطع جسمه أشلاء وقد عرف أهل القرية التي قتل أمامها ومزق شر ممزق: من هو صاحب السيارة, فكانوا يقولون: أخزاه الله لقي جزاء ما قدمت يداه.

المهم أن الإخوان لم يفكروا في الانتقام من ظالميهم, وتركوا الأمر لربهم ينتقم لهم إنه عزيز ذو انتقام وهو سبحانه يمهل ولا يهمل.

فسبحان الله جماعة بهذه الروح المتسامحة مع أقسى ظالميها كيف تتهم بالعنف أو بالإرهاب وهي منهما براء؟!!

مسئولية الإخوان عن جماعات العنف!

ومن التهم التي توجه إلى الإخوان باستمرار وتلوكها الألسنة والأقلام: أن (جماعات العنف) ظهرت من تحت عباءتهم, مثل جماعات (جماعة الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) و(جماعة التكفير) وغيرها من الجماعات التي نشأت في مصر واتخذت العنف نهجا لها وسبيلا لتحقيق أهدافها.

والحق الذي لا ريب فيه: أن بعض هذه الجماعات مثل (جماعة التكفير) تعتبر (انشقاقًا) على الإخوان وليس (امتدادًا) للإخوان.

وقد بدأت بذور هذه الجماعة في السجن الحربي كما بينا كيف تسلسل تفكيرهم في كتابنا (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) وانتهى بهم الأمر إلى ( تكفير الناس بالجملة) ابتداءً بالذين يتولون تعذيبهم بلا رحمة, ثم من يأمرهم بهذا التعذيب من الحكام, ثم من يسكت على هؤلاء الحكام من الشعوب وقد اعتزلت هذه الفئة الإخوان في السجون, وكانوا لا يصلون معهم وقام بينهم وبين الإخوان جدل طويل, ورد عليهم مرشد الجماعة الثاني الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله في مقولات سجلها ونشرها بعد ذلك في كتابه (دعاة لا قضاة).

وقد نقلت فيما سبق أن شكري مصطفى، أمير جماعة التكفير ومؤسسها، اتهم قادة الإخوان بالخيانة العظمى؛ لأنهم لم يقاوموا رجال الأمن والشرطة وسلموا جلود إخوانهم للسياط ورقابهم للمشانق.

فكيف يعتبر الإخوان مسئولين عن هؤلاء الذين انشقوا عنهم واتهموهم بأبشع التهم؟

إن هذا أشبه بمن يحمّل أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه وزْر جماعة (الخوارج) الذين كانوا جنودا في جيشه ثم انشقوا عنه وخرجوا عليه ورموه بالكفر وتحكيم الرجال في دين الله ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلة رضي الله عنه؟ هل يقبل عاقل هذا المنطق الأعوج؟ أن يحمل المرء تبعة من يخرج عنه ويتمرد عليه, وينصب له الحرب والعداء؟

هذا ما تتبناه للأسف الشديد أجهزة الإعلام المصرية والعربية وتردده ولا تمله, وما يكرره كتاب علمانيون أو ماركسيون يعادون الإخوان بل يعادون رسالة الإسلام.

وأما (جماعة الجهاد) و(الجماعة الإسلامية) في مصر فليست انشقاقا من الإخوان بل هي جماعات نشأت من أول يوم احتجاجًا على الإخوان وإنكارا عليهم أنهم خانوا (مبدأ الجهاد) الذي أعلنوه طريقًا لهم وشعارا يتغنون به (الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).

ويفسرون الجهاد باستخدام العنف في مقاومة الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله باعتبار أن هذا كفر بواح فيها من الله برهان.

والإخوان لم يخونوا مبدأ الجهاد كما زعم هؤلاء ولكن (الجهاد) ليس معناه ( القتال) بل الجهاد مراتب وأنواع أوصلها الإمام ابن القيم في كتابه الشهير (زاد المعاد) إلى ثلاث عشرة مرتبة واحدة منها فقط هي: قتال الكفار بالسيف وهذا له دوافعه وشروطه: أما في جهاد إخواننا الأفغان ضد الغزو السوفيتي وإخواننا في البوسنة والهرسك ضد التوحش الصربي وكذلك إخواننا في كوسوفا الآن وغيرهم من المسلمين الذين يعانون من الاضطهاد الديني والعنصري في أنحاء الأرض وأعظم هذا الجهاد: هو جهاد إخواننا فى فلسطين ضد العدوان الإسرائيلي المغتصب والإخوان حيثما كانوا يؤيدون هذا اللون من الجهاد بأنفسهم وأموالهم وألسنتهم , وبكل ما يستطعون , فالمسلمون أمة واحدة, يسعى بذمتهم أدناهم, وهم على من سواهم, والمسلم أخو المسلم, لا يظلمه ولا يسلمه أي لا يتخلى عنه ويمثل الإخوان في الجهاد الفلسطينى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي يؤيدها كل حر شريف مسلما كان أو غير مسلم.

أما فيما عدا هذا الجهاد العسكري الذي يوجه فيه السلاح إلى أعداء الأمة فعندهم أنواع أخرى من الجهاد الذي تحتاج إليه الأمة ولا يرتاب أحد في أنه فريضة وضرورة.

فالجهاد بالدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة إحدى هذه المراتب وهي المذكورة في سورة الفرقان المكية (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا)، وهذا (الجهاد) متاح اليوم بصورة لم تعهد من قبل: عن طريق الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية وعن طريق الإذاعات الموجهة القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت وغيرها من الوسائل والآليات التي تحتاج إلى طاقات بشرية هائلة وإلى أموال طائلة وإلى جهود مكثفة لم نقم بواحد في الألف منها مع أن هذا - كما قلت وأقول دائما - هو جهاد العصر.

والجهاد بحمل المتاعب والمحن والشدائد في سبيل الدعوة والصبر عليها إحدى هذه المراتب وهي مذكورة في سورة العنكبوت المكية (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين) (الآيات: 1-6).

وجهاد الظلمة والفجرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف في وجه الباطل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.. إحدى هذه المراتب وهو ما جاء في حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم في صحيحه: "ما من نبي بعثه الله فى أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمرهم ثم أنها يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وجهاد الحكام الظلمة باليد - أي بالقوة العسكرية - إنما هو لمن يستطيعه ومن لم تكن معه هذه القوة انقلب فرضه إلى المجاهدة باللسان فمن عجز انتقل فرضه إلى الجهاد بالقلبي وذلك أضعف الإيمان.

والإسلام يشدد في استخدام القوة المادية حتى لا تؤدي محاولة إزالة المنكر إلى منكر أكبر منه وهو ما سجله التاريخ والواقع.

ومن ناحية أخرى، لا يبالي هؤلاء من يقتل من الأبرياء من الرجال والنساء والولدان, الذين لا يستطعيون حيلة ولا يهتدون سبيلا, وقد نهى الرسول الكريم عن قتل النساء والصبيان في الحرب (الرسمية) بين المسلمين وأعدائهم حين تلتقى الجيوش وجها لوجه في يقتل إلا من يقاتل.

المهم أن فقه الإخوان في الجهاد يخالف فقه هذه الجماعات الجديدة.

كما أن فقه الإخوان في التغيير يخالف فقهها. فالإخوان يرون أن التغيير لابد أن يتم أولا داخل النفس الإنسانية, فالإنسان يقاد من داخله لا من خارجه من ضميره لا من يده, وهذا ما قرره القرآن في صورة قانون اجتماعى عام (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهذا طريق طويل ولكن لا طريق غيره يوصل إلى الغاية.

وقد رددت على فقه هذه الجماعات في استخدام العنف في محاضرات وخطب وحلقات تليفزيونية في الفضائيات المعروفة, مثل برنامج (الشريعة والحياة) في قطر وبرنامج (المنتدى) في تليفزيون أبو ظبي, وفي (دار الرعاية) في لندن وغيرها.

وبينت أن حسن النية والرغبة في نصرة الدين عند هذه الجماعات لا يبرر لها ما تفعل. فقد كان الخوارج صُواما عبادا, ولم يغن عنهم ذلك من الله شيئا, وأمر الرسول بقتالهم وقتلهم لخطرهم على المجتمع, وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه, كما قال الإمام أحمد.

لا يكفي حسن النية فمن الناس من زين له سوء عمله فرآه حسنا!

بل إن هذه الجماعات يخالف فقهها فقه الإخوان في قضايا كثيرة في السياسة الشرعية وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية والإعلامية وغيرها.
فهم متشددون في قضايا المرأة وفي قضايا التعددية السياسية وفي اقتباس بعشض أساليب الديمقراطية وضماناتها، مثل الانتخاب, التصويت بالأغلبية وإلزامية الشورى وتحديد مدة الأمير أو الرئيس.. الخ.

وكذلك في العلاقة بغير المسلمين من المواطنين وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها هل أساسه السلم أو الحرب؟ وإلى أي حد تتدخل الدولة في شئون الاقتصاد؟

فالعجب أن يقال: إن هذه الجماعات خرجت من معطف الإخوان, وهي تناقض الإخوان فكرا وأسلوبا وتتهم الإخوان بأنهم فرطوا في الدين وتعتبر اجتهادهم في قضايا العصر ضربا من التبعية والخضوع لتيار التغريب والغزو الفكري! أعني أن هذه الجماعات المسلحة تضاد الإخوان وتناقضها في توجهاتها وهي ليست ذلك في مصر وحدها بل هي كذلك في الجزائر وغيرها.

بيانات الإخوان المتكررة تدين العنف

فى السنين الأخيرة أوضح الإخوان موقفهم من العنف بكل الصراحة والوضوح فى بيانات رسمية معلنة ومنشورة يدينون فيها العنف ويستنكرونه ويرفضونه بكل أشكاله وصوره, ,أيا كانت مصادره وبواعثه, وذلك على أساس فهمهم لقيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه كما سبق أن أكد الإخوان مرارا على ضرورة إيقاف أعمال العنف المضاد, من منطلق وقاية البلاد من نزيف الدم الذي حرمه الله والحفاظ على المجتمع من الانهيار الاجتماعي والخراب الاقتصادي والذي لن يستفيد من ورائه إلا أعداء الإسلام وخصوم المسلمين.

لقد أدى الإخوان المسلمون دورهم بالنسبة لهذه القضية على أكمل وجه ممكن وبما تتيحه طاقاتهم وإمكاناتهم فعقدوا لذلك العديد من الندوات والمحاضرات والمؤتمرات واللقاءات العامة, وأصدروا البيانات والنشرات والكتيبات لتوعية المواطنين (وبخاصة الشباب) وتنبيه الرأي العام لمخاطر العنف والعنف المضاد وأثره السلبي على أمن واستقرار مصر، فضلاً عن دورها الريادي تجاه أمتها العربية والإسلامية، كما أن الإخوان حالوا - من خلال التربية المستمرة والتوجيه المباشر للشباب - دون وقوع عشرات الآلاف منهم في براثن أعمال العنف, وكم لهذا آثاره وانعكاساته البعيدة المدى على تحجيم هذه الأعمال وعدم تناميها وانتشارها.

وقد ظهر للشعب المصري بل للعالم كله في شتى بقاع الأرض ما تحمله دعوة الإخوان المسلمين من حكمة واعتدال وبعد نظر, وحرص على إسعاد البشر كل البشر ولم يحدث خلال الأزمات الماضية والحالية على كثرتها - والتي كان من الممكن أن تعصف بأمن الوطن واستقراره – أن استغل الإخوان أية فرصة لتصفية حسابات أو ممارسة أي عمل من أعمال العنف (ولو على المستوى الفردي) أو عقد اتفاقات أو تشجيع ممارسات من شأنها أن تضر بالصالح العام بل كانوا حريصين كل الحرص على أمن وسلامة وطنهم وهدوء واستقرار مجتمعهم، وذلك من منطلق إيمانهم وحبهم إسلامهم والتزامهم بأصول دعوتهم (بيان الإخوان بتاريخ 18 يونيو 1994)

وقد تعددت البيانات الصادرة عن الجماعة والتي تدين العنف, وتعبر فيها عن رأيها في هذا الخصوص وقد قامت كل الصحف في مصر الحكومية والحزبية بنشرها في حينها إما كاملة أو مقتطفات منها, بحيث لم يعد في مصر أحد يجهل رأي الإخوان في هذه القضية . وكان من أبرز البيانات التي صدرت ذلك البيان الجامع الصادر في 30 من ذي القعدة 1415 هـ الموافق 30 من أبريل 1995 والذي جاء فيه:

"لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية: أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي.. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعيي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية والتي تتنافس تنافسا شريفا في ظل الدستور والقانون وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر ولجميع صور العمل الانقلابي الذي يمق وحدة الأمة والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية ولكنه لا يتيح لهم أبدأ فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة.. كما أنه يمثل شرخا هائلا في جدار الاستقرار السياسي وانقضاضا غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع.

وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر على الأمة قد ورط فريقا من أبنائها في ممارسة إرهابية, روعت الأبرياء وهزت أمن البلاد وعددت مسيرتها الاقتصادية والسلمية, فإن الإخوان المسلمين يعلنون – في غير تردد ولا مداراة – أنهم براء من شتى أشكال ومصادر العنف, مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم, واقعون في المعصية, وأنهم مطالبون في غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق, فإن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , وليذكروا - وهم في غمرة ما هم فيها – وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع "أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا".

أما الذين يخلطون الأوراق عامدين, ويتهمون الإخوان ظالمين بالمشاركة في هذا العنف والتورط في ذلك الإرهاب متعللين في ذلك بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء وأن تستوعب في دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات ولا تكتفي بالمواجهة الأمنية – فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها في المجالس النيابية والانتخابات التشريعية, واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة, ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره يجاهدون به في سبيل الله (ولا يخافون لومة لائم) والأمر في ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة، ولكنه أمر دين وعقيدة يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (الشعراء 88, 89).

شهادات المسئولين للإخوان

ولعله من لمناسب هنا أن نورد شهادات للمسئولين الرسميين في مصر عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من هذه القضية يثبت كذلك كذب كل ما يقال عنهم بعد ذلك:

تصريح الرئيس حسنى مبارك

    فقد صرح الرئيس محمد حسنى مبارك لجريدة (لوموند) الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا سنة 1993 بتصريح نشرته الصحف المصرية وفي مقدمتها جريدة ( الأهرام بتاريخ 1/11/ 1993 قال فيه:

    "إن هناك حركة إسلامية في مصر تفضل النضال السياسي على العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح في انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين".

شهادة وزير الداخلية المصري

    ولم يكن رئيس الجمهورية هو الوحيد من رجال السلطة الذي أكد انقطاع أي صلة للإخوان بالعنف والإرهاب, بل إن وزير الداخلية الحالي اللواء حسن الألفي في مؤتمره الصحفي الذي عقده ونشرت وقائعه بتاريخ 14 من أبريل سنة 1994 سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية – وهما المنظمتان اللتان يتهمها النظام باستخدام العنف – فكان رده:

    "الإخوان جماعة لا يرتكب أفرادها أعمال عنف بعكس تلك المنظمات الإرهابية" (جريدة الجمهورية وجريدة الأهرام عدد 14/4/1994م)

شهادة خبير الأمم المتحدة

    كما أكد ذلك الخبراء والمختصون في هذا المجال وعلى رأسهم خبير الإرهاب الدولي المصري بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عز الدين – والذي قام الرئيس مبارك بتعيينه عضوا بالبرلمان عام 1995 ضمن العشرة الذين يحق لرئيس الجمهورية تعيينهم – حيث صرح في مقابلة موسعة له عن (الإرهاب والتطرف) مع جريدة ( الأنباء) الكويتية:

    "إن الإخوان المسلمين حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرف".. وإن الإخوان فى نظر عدد كبير من تنظيمات العنف يعتبرونهم متخاذلين وموالين للسلطة ومتصالحين معها." (العدد 6560 من جريدة الأنباء الكويتية) الصادرة في 13/8/114).