حسن البنا اسم لم يختلف حوله الكثير، من كونه استحوذ على قلوب من عرفه، ليس بخطبه فحسب، ولكن بسلوكه وتصرفاته العملية نحو الجميع، فقد أجمع كل من عرفه أنه أحد الإصلاحيين في القرن العشرين، والذي استطاع أن يغير الكثير في فترة وجيزة، وينشئ حركة إسلامية وسطية شاملة تعمل في كل الميادين الحياتية دون تفريق.

وأهم ما ميز حسن البنا – كما أجمع الكل - أنه فهم معنى الإسلام بسعته، فطبَّقه بشموله وترجمه عمليًّا، فقدمه بصورته الصحيحة للجميع، فلم يشعر أحد من أبناء المجتمع بالتمييز في المعاملة أو العنصرية، كما لم يعترض أحد على الإسلام الشامل الذي أظهره حسن البنا بصورته التي جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة.

وفي هذه السطور نتوقف أمام رأي رجلين كبيرين من الأقباط في الإمام البنا وكيف كانت علاقته بهما، وكيف كان التعاون والتآزر الفكري والوطني بينهما وبينه.

فقد كتب مكرم عبيد باشا - وهو أحد الشخصيات الشهيرة في التاريخ الحديث، ومن المعروف أنه الوحيد الذي حضر عزاء الإمام الشهيد - تحت عنوان (الإمام الشهيد) فقال:

تفضلت مجلة "الدعوة" الغراء فطلبت إلىّ أن أكتب كلمة فى ذكرى الراحل الكريم، الذى شاءت له رحمة الله أن يغادر هذه الدنيا الغادرة، إلى جوار ربه الرحمن الرحيم، كما شاءت لنا نحن رحمة الله أن يظل الراحل الذى فقدناه، ماثلا بيننا بذكراه، وبتقواه.

وهل هذا الراحل الماثل إلا فضيلة المرشد المغفور له الشيخ حسن البنا؟

إي نعم، فإذا كنتم أيها الإخوان المسلمون، قد فقدتم الحاكم الأكبر، الخالد الذكر، فحسبكم أن تذكروا أن هذا الرجل الذي أسلم وجهه لله حنيفًا، قد أسلم روحه للوطن عفيفًا، حسبكم أن تذكروه حيًّا في مجده، كلما ذكرتموه ميتًا في لحده.

وإذا كان الموت والحياة يتنازعان السيطرة فى مملكة الإنسان، ويتبادلان النصر والهزيمة فيتساويان، فالغلبة للحياة مع الذكرى، وللموت مع النسيان، ولهذا فالميت حى لديك إذا ذكرته، والحى ميت لديك إذا نسيته.

وما من شك أن فضيلة الشيخ حسن البنا هو حي لدينا جميعًا في ذكراه، بل كيف لا يحيا ويخلد في حياته رجل استوحى في الدين هدى ربه، ففي ذكره حياة له ولكم.

ومن ذا الذي يقول بهذا هو مكرم عبيد صديقه المسيحي الذي عرف في أخيه المسلم الكريم الصدق والصداقة معًا، ولئن ذكرت فكيف لا أذكر كم تزاورنا وتآزرنا إبان حياته، ولئن شهدت فكيف لا أشهد بفضله بعد مماته، وما هي - وأيم الحق - إلا شهادة صدق أُشْهد عليها ربي؛ إذ ينطق بها لساني من وحي قلبي.

بل هي شهادة رجل يجمع بينه وبين الفقيد العزيز الإيمان بوحدة ربه، وبوحدة شعبه، والتوحيد في جميع الأديان المنـزَّلة لا يكفي فيه أن نوحد الله بل يجب أن نتوحد في الله كما أن وحدة الوطن لا يكفي فيها وحدة أرجائه، بل يجب أن تتوافر لها قبل كل شيء وحدة أبنائه!.

ولقد كان الإخوان المسلمون والكتلة الوفدية هما الهيئتين الوحيدتين اللتين تبادلتا الزيارة في دار الإخوان ونادي الكتلة، بل كان لي الحظ أن يزورني - رحمه الله - في منزلي، وأن نتبادل خلال حديث طويلٍ المشاعرَ الشخصية والوطنية، وكنت أراه في حديثه أبعد ما يكون عن الشكليات والصغائر؛ مما جعلني أعتقد أنه رجل قَلَّ مثيله بيننا في التعمق تفكيرًا، وفي التنزه ضميرًا.

ولقد زرته - رحمه الله - إثر موته في منزله، فكانت زيارة لن أنسى - ما حييت - أثرها الفاجع والدامع، ولقد هالني أن أجد قوة من البوليس تحاصر الشارع الذي به منزل الفقيد، ولولا أن ضابط البوليس عرفني فسمح لي بالمرور لما تيسر لي أن أؤدي واجب العزاء.

ولئن نسيت فلن أنسى كيف كان والده الشيخ البار متأثرًا بهذه الزيارة، حتى إنه قصَّ علينا - والدمع يفيض من عينيه - كيف منعوا الناس من تشييع جنازة الفقيد، ولم يسمح لغير والده بالسير وراء نعشه، كما لم يسمح للمُعَزّين بالعزاء في منزله، وراح الوالد الكريم يشكرني، ويدعو لي دعواته المباركات التي ما زلت أتبرك بها، ولو أني قلت له إن واجب العزاء هو فرض واجب الأداء، فإذا ما قصرت فيه أنا أو أي مصري كان في ذلك تنكُّر لتقاليدنا وأوليات الوفاء.

إخواني..

إي نعم، فأنتم إخواني أيها الإخوان المسلمون.

أنتم إخواني وطنًا وجنسًا، بل إخواني نفسًا وحسًا، بل أنتم لي إخوان ما أقربكم إخوانًا؛ لأنكم في الوطنية إخواني إيمانًا، ولما كانت الوطنية من الإيمان فنحن إذن إخوان في الله الواحد المنان. وإذا ما ذكرتم اليوم الفضيلة في قبرها، فاذكروا أيضًا ما كان يذكره هو على الدوام؛ إذ يذكر الحرية في سجنها.

فلنطالب إذن بتحرير بلادنا، وتحرير أولادنا المساجين المساكين، فإن الإفراج عنهم عزاء، وجزاء في وقت معًا.

كما كتب الأستاذ مريت بطرس غالي – وهو من كبار المفكرين والمثقفين - تحت عنوان (في ذكرى الإمام الشهيد) فيقول:

عرفت المغفور له الأستاذ حسن البنا منذ سنوات عدة، فعرفت فيه الرجولة التامة، ورأيت فيه - على الدوام - رجلا فذًا من الناحيتين الخلقية والإنسانية، وقد كان - رحمه الله - على ثقافة واسعة، يتمتع بشخصية جذابة ويأخذ بأسباب القلوب، ولا شك أن رجلا هذه طباعه وتلك كفايته كان ذخرًا قيمًا لبلاده، فجاء مصرعه خسارة كبيرة، ويزيد الخسارة فداحة أن وقع فريسة اغتيال مدبر، وقد تفشى بيننا داء الاغتيال السياسى البغيض منذ أوائل هذا القرن.

وهؤلاء الذين يقيمون من أنفسهم مدعين وقضاة ومنفذين وجلادين بدافع من هواهم أو رأيهم الشخصي إنما هم أخطر الناس على النظام والاستقرار والمدنية، ولا بد أن يؤخذوا أخذة رابية يعتبر بها الغير، حتى لا يتطلعوا إلى اغتصاب حق الدولة وحدها في مظاهرة العدالة والاقتصاص من كل من يتهيج عليها.
--------
مجلة الدعوة: جمادى الأولى 1371هـ / فبراير 1952م، جمادى الأولى 1372هـ 1953م.