حظيت القضية الفلسطينية من الإمام الشهيد حسن البنا باهتمامٍ بالغٍ، حتى لا تُذكر فلسطين إلا ويُذكر معها الإمام وجهاد الإخوان المسلمين.

إن فلسطين تضم الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومهد الرسالات السماوية، وأرض المعارك الإسلامية المجيدة التي لا توجد فيها ذرة رملٍ واحدةٍ إلا وقد رُويت بدماء الصحابة والتابعين والمجاهدين من السلف.

كيف لا.. وهي جزءٌ من العقيدة الإسلامية وملكٌ لجميع المسلمين، وقطعةٌ من الوطن الإسلامي غاليةٌ لا يجوز التفريط في شبرٍ واحدٍ منها؟!.

ولقد عبَّر الإمام الشهيد عن ذلك بقوله: "فلسطين تحتل من نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًّا فوق المعنى الوطني المجرد؛ إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح- عليه السلام- وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويُغذي الأرواح".

ولم يكن اهتمام الإمام البنا بالقضية الفلسطينية وليدَ الحوادث أو من قبيل المصادفة، بل لقد فطن الإمام البنا إلى الأخطار الصهيونية المُحدِقة بفلسطين مذ كان يافعًا؛ حيث كتب في نهاية العشرينيات من القرن الماضي- وهو لم يتجاوز بعد الثالثة والعشرين- في مجلة "الفتح" التي كان يصدرها الشيخ محب الدين الخطيب مقالاً ينبه فيه إلى الخطر الصهيوني على فلسطين.

ثم ضاعف الإمام البنا جهوده بعد تأسيس الجماعة واضطلاعها بمهمة الدعوة الإسلامية، وتفاعل معها ماديًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، بل وعسكريًّا، وأصبحت القضية الفلسطينية في عهد الإمام البنا وحتى الآن من القضايا المركزية عند جماعة الإخوان المسلمين، وبفضل تلك الجهود أصبحت القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية والأمة الإسلامية.

أما ماديًّا
فقد كان من خلال حركات الدعاية الواسعة لجمع التبرعات والمعونات للشعب الفلسطيني التي قام بها الإمام والإخوان في مختلف المدن والقرى، من خلال التنسيق مع الهيئات الإسلامية المختلفة وجامعة الدول العربية لتقديم الدعم المادي للشعب الفلسطيني.

وأما إعلاميًّا
فمن خلال تأسيس اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين، واللجنة العليا لفلسطين، وتسخير صحف الإخوان لنشر أخبار الثورة الفلسطينية، ومعارك المجاهدين على أرض فلسطين، وكشف الممارسات البريطانية والصهيونية الوحشية على أرض فلسطين، ونشر بيانات زعماء فلسطين وقادة الثورة والجهاد، ونشر الفتاوى الشرعية للدعم المعنوي لحركة الجهاد، وبيان تفاعل العالم الإسلامي مع القضية.

وأما سياسيًّا
فمن خلال:

- إرسال البرقيات، وتقديم المذكرات والاحتجاجات إلى السفراء والوزراء في الداخل والخارج.

- تأييد السياسات الداعمة للقضية الفلسطينية، وتكريم الزعماء والمجاهدين الفلسطينيين.

- استنكار المواقف السلبية من الحكام والمسئولين.

- تنظيم المظاهرات والمسيرات والمؤتمرات لتعريف الشعوب الإسلامية بالقضية الفلسطينية ودعمها.

واقتصاديًّا
من خلال الدعوة إلى المقاطعة للبضائع الصهيونية والإنجليزية والأمريكية.

وعسكريًّا
من خلال المشاركة العملية في حرب فلسطين 1948م، وإرسال كتائب الإخوان إلى أرض فلسطين، وزيارته بنفسه للمجاهدين في فلسطين. ولكي نعرف أثر تلك الجهود فإنه في عام 1938م، سئل محمد محمود باشا- رئيس وزراء مصر وقتها- عن القضية الفلسطينية فصرَّح بأنه رئيس وزراء مصر، وليس رئيس وزراء فلسطين، وبعد عشر سنوات من جهود الإخوان تحركت من مصر كتائب المجاهدين والجيش المصري لحماية فلسطين وطرد العصابات الصهيونية منها.

ولقد قضى الإمام البنا جزءًا كبيرًا من حياته مدافعًا عن فلسطين بقلمه ولسانه وماله ونفسه حتى قضى شهيدًا، فهو- بحق- شهيد فلسطين وإن لم يمت على أرضها.

ويأتي هذا الموضوع ليلقي الضوء على بعض جهود الإمام البنا تجاه "القضية الفلسطينية"، تلك الجهود المباركة التي نسأل الله- تعالى- أن يكمل مسيرتَها إخوانُه وتلامذتُه ومحبوه من بعده.. إنه نعم المولى ونعم النصير.