تحقيق- محمد طاهر

جاء فوز الروائي التركي أورهان باموك بجائزة نوبل في الآداب لهذا العام ليثير من جديد الشبهات والشكوك حول هذه الجائزة والهدف منها ولمن تعطى!!

 

وجائزة نوبل- المنسوبة إلى صاحبها العالم السويدي ألفرد نوبل(مكتشف الديناميت)- يتم تقديمها لشخص أثرى حركة السلام كاعتذار من العالم نوبل عن الاستخدام غير السلمي لاكتشافه المدمر (الديناميت)، وتقدر قيمة هذه الجائزة بما يعادل حوالي ‏1،4‏ مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى شهادة تقدير وميدالية ذهبية، ومن المعروف أن هذه الجائزة لا يعلن عنها إلا قبل 48 ساعة من الكشف عن الفائز بها.

 

ولو استعرضنا من فازوا بجائزة نوبل، لوجدنا أن لكل منهم بعدًا سياسيًّا، فجائزة نوبل التي حصل عليها الرئيس الراحل أنور السادات قدمت للسلام.. وعلى الرغم من انفراده بقرار السلام إلا أنها قسمت بينه وبين مجرم الحرب الصهيوني الإرهابي (مناحم بيجن)، عام 1980م، بزعم أنه رجل السلام!!

 

بينما كان في حقيقته مجرمًا وسفاحًا خطيرًا ارتكب كثيرًا من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني
وفي عام 94 تم منح الجائزة لمجرم الحرب الصهيوني إسحاق رابين والذي شهد عهده الاستيلاء على أكبر نسبة من المغتصبات في الأراضي الفلسطينية،

 

الأمر نفسه يلحق أيضًا الدكتور أحمد زويل الفائز بنوبل في العلوم عام‏ 1999م، فهو لم يقدم شيئًا مفيدًا للوطن العربي، فكما قال كل من اللواء صلاح سليم والدكتور أشرف البيومي فإنه اكتشف الفيمتو ثانية في الفيزياء وحصل على نوبل نتيجة لهذا الاختراع، بعد أن قام بتطوير منظومة الصواريخ الصهيونية لمواجهة صواريخ حزب الله "الكاتيوشا"، لكن زويل زعم أن العلم ليس له وطن وأنه ذهب للكيان الصهيوني مرتين الأولى من أجل تكريمه في الكنيست بمناسبة حصوله على جائزة والثانية لحضور مؤتمر علمي، مع العلم أن ذلك حدث قبيل حصوله على جائزة نوبل!!

 

وكذلك نال هذه الجائزة كل من أيلي ويزل (نوبل للسلام 1986م)، والدالاي لاما (نوبل للسلام 1989م) ونائب رئيس الوزراء الصهيوني شيمعون بيريس (نوبل للسلام 1994م) والأيرلندية بيتي ويليامز (نوبل للسلام 1976م) والأسترالي خوسيه راموس هورتا (نوبل للسلام 1996م) وديفيد ترمبل (نوبل للسلام 1998م) من أيرلندا الشمالية، والنيجيري وولي سوينكا (1986م) والبريطاني في.أس.نايبول (2001م). وكذلك نالها نجيب محفوظ في الأدب عام 1987م، ولعدد آخر من الشخصيات التي نستعرضها في السطور التالية.

 

شبهات

وهذه الجائزة ربما قد تشين أو قد تكون في غير صالح المرشّح للفوز بها حتى لو كان بريئًا وتضعه في دائرة الشبهات بالنظر إلى تاريخها، وبالنظر إلى الشخصيات التي تم منحها من قَبل هذه الجائزة؟ فالمثير للعجب أن هذه الجائزة تمنح بشكل غير عادل إلى أكابر المجرمين في العالم، الأمر الذي يشي بأنها ذات غرض وليست محايدةً، وما يؤكد الشبهة أنه على الرغم من أن الكيان الصهيوني تأسس عام 1948م، إلا أنه تفوق على الدول العربية مجتمعةً في سباق جوائز نوبل وحسب المعلومات المتوفرة فإن أول صهيوني فاز بجائزة نوبل كان عام 1966م، وهو (شموئيل يوسف عفنون) (1888م-1970م)، وكانت في فرع الآداب "تقديرًا لأسلوبه القصصي والذي يستمدّ الموتيفات من الحياة اليهودية". وفاز عفنون بالجائزة مناصفة مع السويدية نيلي ساجز (1891م-1970م). ولم يخل منح عفنون من انتقادات للأكاديمية السويدية، حول شبهات سياسية لمنحها جائزتها له للآداب لعام 1966م، وانتظر الكيان الصهيوني حتى عام 1978م، ليحصل على جائزة نوبل جديدة، كانت هذه المرة من نصيب رئيس وزرائها آنذاك مناحيم بيجن (1913م-1992م) والذي حصل عليها مناصفة مع الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات (1918م-1981م) وذلك "تقديرًا لإجرائهما مفاوضات السلام ". وفي عام 1994م، حصل إسحق رابين (1922م-1995م)، رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك وشمعون بيريس (1922م-)، مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات (1929م-2004م) على جائزة نوبل للسلام للعام 1994م، وذلك تقديرًا لجهود الثلاثة "الرامية إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط"، وفي عام 2002م تبسمت نوبل من جديد للصهاينة عندما تم منح دانيئيل كهانمان (1934م) جائزة نوبل للاقتصاد للعام 2002م، وحصل على الجائزة مناصفةً مع العالمة الأمريكية فيرنون سميث (1927م) وحصل اثنان من الصهاينة على جائزة نوبل للكيمياء للعام 2004م، وهما أهارون تشيخانوفر (1947م-) وأبرهام هيرشكو (1937م-) بالمشاركة مع الأمريكي أروين روز (1926م-) وفي مقابل هذه الجوائز كان نصيب العالم العربي منها أربع جوائز الأولي حسب الترتيب للرئيس الراحل أنور السادات- السلام-، ونجيب محفوظ- الأدب- والمصري الأمريكي الدكتور أحمد زويل- الكيمياء-، ثم الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية‏ مناصفةً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية- السلام- لعام 2005م، لدوره في ملاحقة ومحاربة ونزع الأسلحة النووية العربية والإسلامية وعلى اعتبار أن البرادعي لم يشر إلى الأسلحة الصهيونية من قريب أو بعيد وقصر جهده خلال السنوات الماضية على تلفيق تهم للعراق وعلى ملاحقة إيران وكوريا، وجاء نصّ القرار على أن الوكالة الدولية ومديرها العام حازا هذه الجائزة "لجهودهما الهادفة إلى الحول دون استخدام الطاقة النووية لأغراض عسكرية والتأكد من أن الطاقة النووية لأغراض سلمية تستخدم بأكثر الطرق أمنًا وهو أمر ‏يحتاج لأن تؤكده السنوات المقبلة"!!

 

الأديب العالمي البرتغالي (خوسيه ساراماجو) أيضًا والذي اعترض الفاتيكان على نيله لنوبل لروايته المشهورة  "الإنجيل بحسب يسوع المسيح"  فقد حاز على جائزة نوبل في الآداب عام 1998م، بسبب مقطع يمارس فيه يسوع الحب مع مريم المجدلية ويفقدها عذريتها حيث اتهمته الحكومة البرتغالية بالتجديف وبـ"انتهاك إرث البرتغاليين الديني" ومارست الرقابة على الكتاب، جراء هذه الحادثة، فقرر الكاتب الرحيل عن بلاده واختار الإقامة في جزيرة لانثاروتي في الكاناريا، وما زال مقيمًا فيها حتى الآن. 

 

أما الكاتب التركي "أورهان باموك" والذي فاز بجائزة نوبل للأدب لعام 2006 م، فهو من أشهر كتاب الجيل الجديد في تركيا وهو أول كاتب في العالم الإسلامي يدين الفتوى الصادرة ضد الكاتب الملحد سلمان رشدي وقد أعلنت أكاديمية نوبل السويدية أن الكاتب التركي اكتشف رموزًُا جديدة لصراع الثقافات وامتزاجها من خلال أعماله فلم يخل فوزه بنوبل أيضًا من الشبهات فقد سبق أن ذكر آراءَ مثيرةً للجدل حول قيام تركيا بمذابح ضد الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى والأكراد في الثمانينيات من القرن الماضي وأن هناك حوالي مليون أرمني و30 ألف كردي قد قتلوا في تركيا وقد واجه بسبب هذه التصريحات حملات قومية وصلت به إلى المثول أمام المحكمة بتهمة إهانة الهوية التركية وتمت ملاحقته قضائيًّا بسبب الإهانة الواضحة لبلاده وهي جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن ما بين ستة أشهر وثلاث سنوات، ولكن المحكمة برأته بعد عام من تصريحاته وأسقطت التهم المنسوبة إليه تحسبًا لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي يرى في هذه القضية حرية التعبير، أي أن أورهان باموك أشهر روائي تركي وصاحب المواقف المنتقدة لسلبيات اجتماعية في بلاده قد منحوه جائزة نوبل للآداب لعام 2006م.

 

وقد أثار- من قبل- حصول الباحثة الإيرانية شيرين عبادي على جائزة نوبل للسلام أيضًا كثيرًا من الجدل في الأوساط السياسية الإيرانية، فقد اختلف السياسيون من محافظين وإصلاحيين حول الأهداف الحقيقية وراء منحها الجائزة فتناقضت ردود الأفعال تجاه الحدث، وصل إلى اتهام نائب رئيس هيئة القضاة في إيران للغرب بالتورط فيما دعاه مؤامرة كبيرة ضد إيران والعالم الإسلامي، وهل كان منحها جائزة نوبل للسلام وسيلةً للضغط على إيران وإحراجها لتغيير سياستها الداخلية والخارجية؟ لأنه ماذا قدمت شيرين عبادي للسلام العالمي؟ فبالرغم من تقديرنا لجهودها في أي إصلاحات ديمقراطية في إيران، كيف خدمت السلام العالمي؟ والواضح أن جائزة نوبل للسلام أعطيت لشيرين عبادي بسبب آرائها المناهضة لسياسة بلدها والخط النقدي الذي تتبناه وهنا نتساءل: هل كان يعرفها السواد الأعظم من الإيرانيين قبل أن تحصل على هذه الجائزة؟ والغريب هو البيان الذي صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية وعن البيت الأبيض اللذين أشادا بفوز شيرين بالجائزة بالقول بأن واشنطن تساند كلية طموحات وتطلعات الشعب الإيراني من أجل الحرية والديمقراطية!!

 

ولم يمر حصول الأديب العالمي نجيب محفوظ على نوبل عام 1987م، أيضًا دون اتهامات أطلقت حول علاقاته ومواقفه من السلام مع الكيان الصهيوني فقد أحاطت شبهات عديدة بمنحه جائزة نوبل في الآداب فقد كان اتجاه نجيب محفوظ إلى حمل لواء إحياء النزعة الفرعونية وقتها يعبر في جانب كبير منه عن إعجاب كبير بالأفكار التي كان ينشرها أستاذه سلامة موسى "1887م-1958م" الذي كان أحد دعاة الشعوبية والتغريب في المجتمع المصري في ذلك الوقت، ودأب على ترويج أفكار تصادمت بشكل سافر مع منظومة قيم المجتمعين المصري والعربي في هذه الفترة كان من أخطرها دعوته إلى عدم فرض أية قيود أخلاقية على الإنسان، مبررًا ذلك بالقول إنه "ليس من مصلحة الإنسان أن يعيش في قفص من الواجبات الأخلاقية"، بل ولم يول نجيب محفوظ القضية الفلسطينية الاهتمام الواجب في أعماله بل عبر عن آراء اعتبرها الكثيرون صادمة إزاء الصراع العربي- الصهيوني إلى حد أنه حاول التأكيد أن دعوته للصلح مع الكيان سبقت حتى تولى الرئيس المصري الراحل أنور السادات الحكم في البلاد، وكان يعتبر أن حرب الاستنزاف كلام فارغ، لأن المواجهة العسكريّة الطويلة لن تجدي، ويمكن أن تستمرّ لأجيال طويلة، وتستنزف طاقاتنا وإمكانيّاتنا وتؤخّرنا حضاريًّا لقرن من الزمان على الأقلّ إذن لماذا لا نجرّب السَّلام؟!! فمن الجائز أن يثبت اليهود أنهم جيران صالحون!!، وهكذا جرد نجيب محفوظ في هذه العبارات الأمة العربية من كافة خياراتها ولم يبق لها سوى التفاوض سبيلاً لاستعادة حقوق مشروعة من عدو لا يعرف سوى لغة القوة.

 

وكان لهذا الموقف المعلن من القضية الفلسطينية دور كبير في إثارة الشكوك حول الدوافع التي حدت بالأكاديمية السويدية لمنح نجيب محفوظ جائزة نوبل في الآداب عام 1987م، وأشار العديد من الأدباء المصريين والعرب- وكان من أبرزهم الأديب المصري يوسف إدريس- إلا أن تأييد محفوظ للتطبيع مع الكيان الصهيوني كان السبب الأساسي الذي دفع به إلى منصة التتويج للعالمية ولم تكن شبهات التطبيع وحدها هي التي علقت بثياب محفوظ بل كانت وصمته الأكبر في نظر منتقديه هي روايته الأكثر إثارة للجدل على الإطلاق "أولاد حارتنا" والتي جاءت ضمن الحيثيات الرسمية التي قدمتها لجنة نوبل لفوز محفوظ بالجائزة الشهيرة ولم يكن الرمز للأنبياء في "أولاد حارتنا" هو محور الجدل الأكبر بل ربما عُد ذلك هينًا بالقياس إلى ما أثير حول شخصية "الجبلاوي" التي أكد الكثيرون أن محفوظ قصد من خلالها الرمز إلى الخالق عز وجل فنجيب محفوظ رمز إلى الله- عز وجل- بالجبلاوي، واشتق اسم جبلاوي من "جبَل" أي خلَقَ وكان من الطبيعي في ظل هذا المناخ الملتبس خاصة أن محفوظ- ربما إدراكًا منه لفداحة ما سطره في الرواية- قد آثر الابتعاد بنفسه عن قضية تفسير الرموز هذه، وألا تطبع "أولاد حارتنا" سوى في بيروت وتمنع نسخها من دخول مصر حتى هذه اللحظة، إضافةً إلى ذلك رؤيته للمرأة والتي تجول بين السلبية والإباحية والتي بدت بجلاء من خلال أعماله الأدبية، ولعل أشهر هذه الأعمال على الإطلاق ثلاثيته "بين القصرين، قصر الشوق، السكرية" التي بدت فيها صورة المرأة باهتة سلبية، أو فتاة ليل كما هو الحال مع "زبيدة" و"زنوبة العوادة" في الثلاثية أيضًا، فضلاً عن "ريري" في "السمان والخريف" ونور في "اللص والكلاب"، حتى أن الدكتورة عزة هيكل أشارت آنذاك إلى أن محفوظ قد قدم نماذج نسائية ملوثة دومًا بالسقوط الأخلاقي، مضيفة أن "النموذج السوي للنساء لم نجده في نصوص محفوظ سوى في رواياته الأولى".

 

الغريب أن رحيل نجيب محفوظ جاء ليثير من جديد الشبهات حول حصوله على جائزة نوبل حيث حرصت الصحف المصرية أن تبرز نعي أصحاب نوبل المصريين للفقيد إلى جانب نعي كل من قادة أوروبيين وأمريكيين لنجيب محفوظ وفي مقدمتهم جورج بوش وجاك شيراك وهو أمر لافت للنظر يجعلنا نلقي الضوء على أصحاب نوبل قبيل التطرق لدور فقيد مصر الأديب نجيب محفوظ!!

 

لكن المأخذ الأهم هو مهادنة الصهيونية، فقد أخذ نوبل ولم يشجب مرةً واحدةً الصهيونية إلى درجةِ مدح اليهود في بعض جملٍ من أعماله مثل "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"الحب تحت المطر".

 

ويبقى ماثلاً في الأذهان الرجل الذي تصدى للولايات المتحدة، عندما رفض "ماركيز" الجائزة العالمية "نوبل" الأدبية من أجل سلام العالم، وتكفيرًا على اختراع نوبل المدمّر، لم يتناقض مع نصوصه، وأعلن أنه يرفض الجائزة كون "مناحيم بيجن" القاتل حصل عليها، وما دام هناك احتلال لفلسطين، فإن هذه الجوائز بتسلّط القطب الأقوى على مقدّراتها تحمل تشجيعًا لبيع الذمم والضمير الثقافي.

 

ولنتذكر أيضًا موقف الرئيس المصري محمد حسني مبارك عندما عرضت عليه الجائزة بشرط أن يذهب إلى القدس ويضع يده في يد السفاح العتيد أرييل شارون فرفضها، فمن الواضح إذن أن من يمنح الجائزة هو الذي يمتثل لتوجه الولايات المتحدة أو التوجه الغربي، أو التوجه لمن يقف وراء اللجنة المانحة لنوبل؟ 

 

وبالتالي أيضًا لا يمكن أن ننسى أن هذه الجائزة أُعطيت لشخص مثل الرئيس المناضل ياسر عرفات عندما كان متطابقًا في بعض مسائل السياسة التي يعمل بها مع الغرب، فكان بالأول قاتلاً، ثم أصبح حامل جائزة نوبل للسلام، ثم أصبح قبل موته مجددًا قاتلاً عندهم عندما لم يتطابق مع أهدافهم.

 

والطريف أن نوبل للسلام أعطيت للسادات لأنه تصالح مع اليهود ثم أعطيت لعرفات لنفس السبب ثم أعطيت لنجيب محفوظ لأنه دعا إلى التصالح مع اليهود وختمها البرادعي بتلفيق تهم للعراق وملاحقة السلاح النووي الإيراني مما حدا البعض للقول بأن كل من يدخل البوابة اليهودية ويصافح الصهاينة يعطوه نوبل!! وربما تكون هذه الجائزة الهدف منها أيضًا تأليب رأي عام داخلي أو خارجي على بعض الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي.

 

لعنة نوبل

ولا يوجد أفضل من الإشارة إلى مصير عدد ممن نالوا هذه الجائزة، كمعنى رمزي لما آل إليه أصحابها في منطقة تفور بالصراعات، حيث تم اغتيال السادات وسط جيشه عام 1981م، وكان السادات قد دعا فيه إلى السلام ولم تكد تمر أربع سنوات على وقف إطلاق النار بين مصر والكيان الصهيوني حتى فاجأ السادات العالم عام 1977م، بزيارته للقدس وإلقائه خطابًا في الكنيست وكان رد الفعل العربي على تلك الخطوة قويًّا إذ لم يكن مهيأ بعد للجلوس مع الصهاينة وجهًا لوجه ناهيك عن توقيع معاهدة سلام معهم، لذا كان قرار المقاطعة العربية لمصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، وانتهت المسيرة السلمية المصرية مع الصهاينة في الولايات المتحدة الأمريكية بالتوقيع على اتفاقية كامب ديفد في 26 مارس 1979م.

 

وبينما كان السادات يتهم بالخيانة من قبل الدول العربية الرافضة لمساعي السلام المصرية مع اليهود، كان العالم الغربي يمنحه جائزة نوبل هو وشريكه في العملية السلمية مناحيم بيجن عام 1978.

 

ولم يستطع السادات أن يحافظ على مكتسباته التي حققها من خلال انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر طويلاً، إذ سرعان ما بدأ الرأي العام المحلي يتغير تجاهه خاصة بعد أن أمر في سبتمبر عام 1981م، باعتقال 1600 من القيادات الإسلامية والشيوعية والمسيحية دون سبب واضح. وكانت عملية الانتقام غير متوقعة، فقد اغتيل الرئيس المصري محمد أنور السادات وسط جيشه وفي ليلة عرسه كما قيل، في احتفاله بذكرى انتصار القوات المصرية على الجيش الصهيوني في حرب 1973م، أثناء عرض عسكري، فقد أطلق عليه النار مجموعة من جماعة الجهاد في مصر فأردوه قتيلاً في أكتوبر عام 1981م.

 

كما اغتال متطرف يهودي رابين عام 1995م، وثمة شبهات حول تعرض عرفات الذي توفي عام 2004م، لحادث اغتيال ولم ينج من (لعنة) نوبل للسلام هذه حتى مناحيم بيجن، الذي دخل في حالة اكتئاب عنيفة انتهت بوفاته!! أما نجيب محفوظ فقد قام شاب مصري 14 من أكتوبر من عام 1994م، بطعنه في رقبته، وهي الطعنة التي كادت تودي بحياته لولا أن عناية الله تداركته، إلا أن محاولة الاغتيال أثرت على قدرة محفوظ على تحريك يده اليمنى وبالتالي قدرته على الكتابة، وظل الأديب المصري لشهور طويلة في أعقاب هذه المحاولة لا يستطيع الكتابة على الإطلاق.

 

جوانب واضحة

الدكتور محمد يحيى أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة يرى أنه يجب ألا يلفت أنظارنا منح الجائزة لشخص ما عن الجوانب السياسية الواضحة في هذه الجائزة، فعندما منحت هذه الجائزة للإيرانية شيرين عبادي ذكرت اللجنة المانحة في أول بيان لها، وهذا ما ذكرته بعض وكالات الأنباء العالمية آنذاك، أن الجائزة منحت لجهود السيدة شيرين في مجال قوانين الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والمواريث في إيران، وأيضًا في جهودها في تيار وصف بأنه الإسلام الإصلاحي في إيران، والسؤال هنا هو أنه كيف تمنح الجائزة لشخص رجلاً أو سيدةً يمثل تيارّا معينًا أو أيًّا كان هذا التيار داخل دين؟ رغم أن هذه الجائزة مفترض أنها جائزة عالمية، تعطى لاعتبارات إنسانية عامة، لا تتعلق مثلاً بموقف هذا الشخص داخل دينه أو داخل عقيدته، أو أيًّا كان هذا الموقف، هذه من ناحية، فكان من الواضح أن هناك نوعًا من أنواع التحريض إذا قلنا، على أن الأشخاص الذين سوف ينتهجون هذا النهج الإصلاحي، سوف يكافئون دوليًّا، وهذا هو المستغرب!!

 

والواضح أن هناك بعدًا سياسيًّا فيمن حجبت عنه هذه الجائزة، فمثلاً تردد أن بابا الفاتيكان (يوحنا بولس الثاني) كان من المرشحين بقوة لنيل هذه الجائزة، لكنه لم يحصل عليها طبعًا هذا يذكرنا بمواقف الفاتيكان كانت المعارضة لغزو أمريكا للعراق، ومن المعروف أيضًا أن الفاتيكان له مواقف تعارض التيارات الاجتماعية السائدة الآن في الغرب، ليس فقط فيما يتعلق في قضية الشذوذ الجنسي أو قضية الطلاق، ومنع الحمل إلى ما أشبه من العلاقات الزوجية خارج إطار الزواج، فحجبت عنه الجائزة لهذه الأسباب.

 

ويرى الدكتور محمد يحيي أن في حصول الإيرانية شيرين عبادي على نوبل كانت الاعتبارات غير الموضوعية فاقعة إن جاز هذا التعبير لأن منح الجائزة إلى سيدة إيرانية بالذات، في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لهجمة منظمة أمريكية، بدا واضحًا، وهذا ما قال به في الواقع جميع المحللين، أنه يأتي في إطار هذه الهجمة، فمثلاً إعطاؤها الجائزة هدفه الضغط على إيران لكي تفسح مثلاً المجال للتيار الذي تمثله شيرين وغيرها بشكل أوسع، وربما كان المستهدف لمنح الجائزة هو إكساب السيدة شيرين عبادي شهرة تمكنها مثلاً من أن تقود حركة معارضة في إيران ضد نظام الحكم القائم هناك، لا سيما بعد أن فشلت حركات أخرى مثل التيار الإصلاحي القائم في إيران أو جماعات مثل جماعات مجاهدي خلق التي كانت موجودةً في العراق كما يقال، فشلت هذه الجماعات في إحداث تغيير في النظام الإيراني القائم، فربما كان منح نوبل إلى شيرين عبادي يمثل نوعًا من أنواع الدفعة المعنوية لها، ولمن يشاكلونها في الرأي وفي التوجه، لكي ينشئوا حركات داخل إيران.

 

والمدهش أن 36 شخصيةً عالميةً، بينها 29 من الحائزين على نوبل، في مؤتمر لهم تحت عنوان «عالم في خطر» أصدروا مؤخرًا بيانًا تضمن مجموعة توصيات أبرزها الدعوة إلى «تعزيز المؤسسات الديمقراطية ودعم التنمية الاقتصادية لمواجهة انعدام المساواة والظلم اللذين يشكلان جذور الإرهاب»، ودعا المشاركون إلى «الإدارة الرشيدة من خلال سياسات واضحة والمحاسبة القائمة على نواحٍ محددة من المسئوليات، وإعطاء المرأة صلاحيات للمشاركة في أنشطة التنمية الاقتصادية»، ودعا المشاركون في البيان الختامي إلى «الإقرار بالدور الأساسي للمجتمع المدني وتوسيعه عبر إيجاد ظروف تمنع النزاعات وتصنع السلام»، وأكد المجتمعون «الحق الأساسي في المعرفة وتطوير الأبحاث وقدرات التطوير في البلدان النامية وتشجيع الاتفاقات الثنائية والإقليمية في المجال العلمي في الشرق الأوسط» كما دعوا إلى «تأكيد حرية الصحافة بالتزامن مع تطوير وسائل المحاسبة للصحافيين»، وبالطبع كان الأولى أن يخرج هذا المؤتمر بدعوة إلى وقف المجازر الصهيونية التي ينفذها الكيان الصهيوني بتخطيط وإيعاز أمريكي.