تحقيق- أحمد الطهطاوي
الزواج علاقة إنسانية سامية حددت لها الشريعة الإسلامية ضوابط ومعايير، تهدف في النهاية إلى بناء كيانٍ أسري من أب وأم وأولاد، وبالتالي تتشكل بنية مجتمعٍ مستقر، ولكن واقع الحال الآن يؤكد أنَّ المجتمعَ فقد الكثير من خصائصه الأخلاقية، تحت مسميات براقة وظروف حياتية صعبة يعاني منها الرجل والمرأة على السواء، مما يدفعهما إلى اتخاذ الزواج وسيلة لتسهيل الحصول على عملٍ بالخارج في بعض الدول التي تشترط على راغب العمل أن يكون متزوجًا، وكأنَّ الميثاقَ الغليظ- كما وصفه الله- "رباط الزواج المقدس" ليس أكثر من ورقة تُضم إلى باقي أوراق السفر.
والحالات الحية على هذه النوعية كثيرة حتى باتت ظاهرة تجسد معاني الألم والمعاناة بشكلٍ واضحٍ في المرأة أكثر من الرجل، بحكم تركيبتها النفسية ووضعها الصعب بين ظروفٍ اقتصاديةٍ تضطرها إلى التضحيةِ بالزواج المستقر لمجرد الحصول على فرصةِ عملٍ بالخارج، وبين مجتمعٍ لا يرحم ويفرض عليها احترام تقاليده أيًّا كانت ولا يُوفِّر لها أدنى مستويات المعيشة الكريمة.
المال
كانت أماني محمود- مدرسة ومعارة إلى إحدى دول الخليج هي أولى الحالات التي قابلناها قالت إنها تزوجت من شابٍ تعرَّفت عليه عن طريقِ التليفون بعد أن ضاقت بها السبل وتقول: "في البداية لم أُفكِّر في الزواج، فأنا اعتدت على حياةِ العزوبة، وكل ما يريده الإنسان من متطلباتِ الحياة من مأكلٍ ومشربٍ وملبس أستطيع أن أوفرها لنفسي دون أية صعوبة، لكن عندما بدأ الأهل يلحون عليَّ في الزواجِ ويضعون العراقيل أمامي ضد سفري للعمل بالخارج، اضطررت أن أدخل قفص الزوجية،، ورغم أنني غير سعيدة إلا أن ذلك كان أمرًا ضروريًّا حتى ولو لم نشعر بالسعادة فيكفي أنها الطريقة الوحيدة التي جعلت أهلي يسمحون لي بالسفر لأحقق أحلامي المادية فكان الزواج أرحم!!
استحالة العشرة
طارق علام- مهندس حر- يرفض هذا النوع من الزواج، ويرى أنه مبني على المنفعةِ الشخصية التي تتعارض مع هذه العلاقة والارتباط الوثيق الذي قال عنه الله "ميثاقًا غليظًا"، ويرى أن هذا النوع من الزواج خطأٌ كبيرٌ إذا لم يتم التعارف مسبقًا؛ لأن الحوار يكشف كلاًّ منهما للآخر، واللقاء مهم جدًا.
والزواج المبني على المصلحةِ لا الحب هو أسوأ مشكلة تواجه الإنسان في الغربة، فقد يرتاح للشكلِ الخارجي لكن عندما يتعامل معه لا يتقبله، وأعتقد أنَّ الزواجَ أمرٌ آخر يحتاج إلى دراسةٍ متعمقةٍ وبحث في إمكانية التوافق بين الشخصين، ومقدرة كل شخص على استيعاب الآخر، وهذا لا يؤمنه اللقاء الواحد أو الاتصال الهاتفي"، ويضيف أنَّ الحاجةَ الماليةَ أو السفر أو غيرهما لا تكون أبدًا هي السبيل الوحيد للزواج من إنسانة لا أعرفُ طباعها وماذا يحدث لو لم نتفاهم هناك.. هل أطلقها أم أهجرها أم أعيش معها مضطرًا، إنَّ هذا لا يعد زواجًا والدين منه براء.
القسمة والنصيب
وللأمهات رأي، حيث تقول ماجدة مصطفي "أم أيمن": إذا كان الشخص المتقدم لابنتي على خُلقٍ فما المانع من أن تسافر ابنتي معه لتبني مستقبلها.. كثيرٌ من الفتياتِ تزوجن بهذه الطريقة، ويعشن حياةً سعيدةً في الغربة، على كل المستويات، والمسألة بحاجةٍ فقط للمغامرة، وعلى الإنسان أن يغامر في هذه الحياة؛ لأن الغربة تُؤمِّن حياةً ماديةً واجتماعيةً أفضل، ولكن الأمر يعود في النهاية إلى الفتاة إذا كانت قادرة على خوضِ هذه التجربة أم لا، ويبقى النصيب هو السيد في هذه الأمور فقد تعيش الفتاة في كنفِ أسرتها، وتكون غير سعيدة في زواجها، لكن لا بد أن يلتقيا مدة كافية قبل الزواج ليفهم كل منهما الآخر، إضافةً إلى ضرورة استشارة الأهل فهم لهم رأيهم الذي يساعد في إتمام قرار الزواج بحكم خبرتهم.
تبادل مصالح!
ورغم أنها حرية شخصية إلا أنَّ من الواضح وجود تبادل للمصالح،، هذا ما تؤكده الدكتورة آمنة نصير- عميدة كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر- بقولها إنَّ هذه الظاهرةَ أصبحت حقيقةً بالفعل، ولها أسباب عدة من بينها ضيق الحال مما دفع الكثير من الشباب والفتيات إلى البحث عن فرصةِ عمل في الخارج.
وهي قضية يمكن وضعها في خانةِ الأمراضِ البشرية، لفقدان الرضا والسعي المقبول داخل الوطن؛ ولذلك تحتاج إلى دراسةِ ووضع روشتة علاجية لما أصاب هذا المجتمع الذي لم يكن معروفًا عنه هذه الظاهرة في الماضي، أنه أحب الهجرة أو رحب بترك بلاده، وعندما دخلنا في هذا الحب المريض حدث ما حدث من انحرافاتٍ اجتماعيةٍ وأخلاقية، وترى أنَّ السببَ الأول فيها عدم اهتمام المسئولين على مختلف القطاعات بمراعاةِ النهضة والتنمية الحقيقية لموارد هذا البلد، وهي كثيرة إذا وجد العقل اليقظ، والإرادة.
وبالنسبة لهذا النوع من الزواج تقول د آمنة "هذه الحالات ليست زيجة إنما هي تجارة ومنفعة إن صح القول، وفي الأعم لا تدوم، فبعض الدول تشترط أن تكون المرأة متزوجة حتى يكون معها محرم، والدول الأخرى تشترط هذا حتى تكون المرأة ناضجة لديها من فهم الحياة ما يصونها أو يحميها من أهل هذا البلد.
وخلاصة القول إنَّ هجرةَ المرأة لطلب العمل في بعضِ الدول يلف حولها الكثير من المشاكل والمآسي الاجتماعية والأخلاقية.
وحول شكل العلاقة بين الزوجين توضح د. آمنة نصير أنه من المفترض أن يكون الرجل هو معيل الأسرة، هو الذي يعمل وينفق لكن في الإعارات يحدث العكس غالبًا فتصبح المرأة هي المعيل فتنقلب الأوضاع بحيث يأخذ الرجل دور المرأة في البيت، وهنا ينشأ الصراع الدفين والكراهية والشقاق، بين هذه الزوجة العاملة والزوج العاطل.
وعن تأثير هذه العلاقات المشوهة على الأطفالِ تستطرد أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية قائلة: "هذه الأوضاع المقلوبة تنعكس على الأطفال بشكلٍ سلبي، فينشأ الطفل منشأً غير طبيعي يؤثر بالسلب على تركيبته النفسية وعلى سلوكياته".
الفقر أهم الأسباب
وعن الأسباب التي تدفع كلا الطرفين لانتهاجِ مثل هذا السلوك يوضِّح د. إبراهيم بيومي غانم- رئيس وحدة الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية- أنَّ الزواجَ له قواعد وأصول ومبادئ قررتها أحكام الشريعة الإسلامية، التي شددت على احترامِ ميثاقِ الزواج كرباطٍ مقدس، ومثل هذا النمط من الزيجاتِ هو أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية في المجتمعات المصدرة للعمالة من ناحية، وأحد مظاهر الانحلال والتفسخ الأخلاقي في الدول المستوردة للعمالة من ناحيةٍ أخرى، لتجنب حدوث مشاكل وأزمات اجتماعية في هذه البلدان.
واشتراط وضعية الزواج للمرأة العاملة أو الرجل للالتحاقِ بالعمل في الخارج يجب التمييز فيه بين حالتين، الأولى أن يكون الزواج قائمٌ بالفعل وهذا لن يترتب عليه تدمير للأسرة، والثانية- وهي محل الجدل- هي أن يكون الزواج بغرضِ السفر للعمل سواء من جانب المرأة أو الرجل، مصلحي ومادي ويتصف بالنفعية لكلا الطرفين بغضِ النظر عن مواصفات الاختيار كل شريك للآخر.
ويؤكد أنَّ كل الشواهد والسوابق والحالات التي تمَّت وفق هذا النموذج النفعي تشير إلى زيادة معدلات انهيارِ الأسرة بعد فترةٍ قصيرةٍ من الزواج، والفشل الذي ينتهي بالطلاق والدخول في مرحلةٍ أخرى من الخسائر المتواصلة لكلا الطرفين، فالاتجاه العام لهذه الزيجات لا ينجح في بناءِ أسرةٍ قوية، وإن نجح في بعض الحالاتِ النادرة في الإبقاءِ على الأسرة شكلاً فتبقى أزماتٌ كثيرةٌ مكبوتةٌ بسبب الخلافاتِ بين الزوجين اللذين تمَّ اختيار كلٍّ منهما للآخرِ في ضوء المصلحة فقط.
الدين يرفض
ولا يمكن إغفال رأي الدين الإسلامي، فالشريعة مسئولة عن حفظِ النسل وعن ترابطِ الكيان الأسري، وعن ذلك يقول د. محمد المختار المهدي الرئيس العام للجمعية الشرعية في مصر إنَّ الزواجَ مِيثاق غليظٌ يُباركه اللهُ مِن فوق سبع سماواتٍ ويأمر الزوجَينِ بالمحافظة عليه والعمل على دَوامِه بالحُبِّ والإخلاص والثِّقة وحُسن المُعاشرة والتسامي عن المادِّيَّات بقَدْرِ الإمْكان.
أما هذا النوع من الزواج الذي يقوم على المنفعةِ والمصلحةِ والذي قد يتم تحديد مدته بين الزوجين بانتهاءِ عقد عمل الزوج أو الزوجة- على الأخص- فلا يصح شرعًا.
فالقرآن قد عرَض للزواج بلَفْظه تارةً وبلفظ النِّكاح أُخرى في آيات كثيرة، ولا يَفهَمُ منها ناطقٌ بالضاد سِوى الزواج الذي جعل أساسه الدوام، وتكوين الأُسَر، وربطت به تلك الأحكام التي أشرنا إليها، واقرأ في ذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (الآية: 228 من سورة البقرة). ﴿ولَهُنَّ مثلُ الذي علَيْهِنَّ بالمَعْرُوفِ﴾ (الآية: 228 من سورة البقرة) ﴿حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (الآية: 230 من سورة البقرة). ﴿وأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ والصَّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ وإمَائكمْ﴾ (الآية: 32 من سورة النور). ﴿وكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وقدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الآية: 21 من سورة النساء).
اقرأْ هذه الآيات وأمثالها لتعلم أنها- على رغم ما يُحاول المَفتونون بمشروعية زواج الحاجة من تحريفها عن مواضعها- بعيدة كل البُعد عن زواجهم الذي يُعلنون أنه مشروع لغايةٍ في نفوسهم، أو تَعَصُّبًا لآراء لا تعرفها حُجة.
ويختتم د. المهدي حديثه بالقول إنَّ الشريعة التي تُبيح للمرأة أن تتزوَّج في السَّنة الواحدة أحدَ عشرَ رجلاً طالما هي تحتاج لذلك في سفرها أو مقاصدها، وتُبيح للرجل أن يتزوج كل يوم ما تمكَّن من النساء، دون تحميله شيئًا من تبِعات الزواج.. إن شريعةً تُبيح هذا لا يُمكن أن تكون هي شريعة الله رب العالمين، ولا شريعةَ الإحْصان والعفاف، فالمشرع الإسلامي يبغي الحفاظ على الأسرة ورابطها، وألا يكون الزواج مجرد ورقة ضمن إجراءات السفر.