- الجيل السابق: هناك تقصير وإهمال جسيم في تأهيل الفتيات أسريًّا
- التدليل الزائد وعدم تحمل المسئولية وراء أنانية زوجات اليوم
تحقيق: تسنيم محمد
الاختلاف بين جيلين من الأمهات أحدهما سابق والآخر حالي قضية مثارة دائمًا، والاتهامات بينهن متبادلة دائمًا.
ففي ظل عالمٍ متغيرٍ يموج بالتوتر تعقدت العلاقات الأسرية، وزادت حدتها في الآونة الأخيرة مع انتشار وسائل الإعلام والفضائيات والإنترنت، إضافةً للتطور والانفتاح الذي أصاب مجتمعنا العربي، صرخات الأمهات تتعالى يتساءلن: ماذا حدث لبنات هذا الجيل إنهن يتمردن ويثرن، هل أخطأنا في توريثهن تأهيلهن؟ ولماذا اختلف الجيل الجديد عن الجيل السابق رغم أنَّ المرجعيةَ واحدة؟، وعلى الجانب الآخر الفتيات تنفي وتبرر، إنها بالفعل أصبحت مشكلةً للأسر بصفةٍ عامةٍ وأسر الملتزمين بصفة خاصة فهم يعدُّون بناتهم لحمل المسئولية تجاه قضايا دينهن وأمتهن في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة الخلافات الأسرية، إلى جانب ضعف الثقافة والتدين والالتزام، (إخوان أون لاين) تحدَّث مع الجانبين، وخلال السطور التالية من هذا التحقيق نتعرف معًا على المشكلة لنرى مواطن الخلل.
ضعف الثقافة
بتول محفوظ سليمان- بكالوريوس صيدلة- 26 عامًا تقول: جيلنا غير مواكب للأجيال السابقة، فنحن في عصر السرعة، ونريد أن نتلقَّى المعلومة الأسرع سواء من خلال الإنترنت أو الفضائيات، وأعترف أن القراءةَ مهمة، لكن الفرق هو أنَّ هذا الجيل يريد معرفة المعلومة الأسهل والأيسر، وتعتبر "بتول" أن جيلها مظلوم؛ لأن الإغراءات أمامه كثيرة، فالمقارنة بين الجيل الحالي والأجيال السابقة- في رأيها- ظلمٌ لهذا الجيل.
وتتفق معها سماح حسين- ثالثة تجارة عين شمس- مشيرةً إلى أنَّ الثقافةَ الدينيةَ اختلفت وتضيف: قلما نجد أختًا الآن لديها الثقافة الدينية بشكلٍ جدي، وتعتقد سماح أنَّ هذا نتيجة لعدم الاطلاع أو غياب الحرص على العلمِ الشرعي، وعلى مستوى الالتزام في مسألةِ الزي الشرعي تقول: نعم نحن نلتزم بالزى الإسلامي ليس بالضرورة أن يكون الشكل المعروف الخمار المغلق من الأمام كما هو منظور الأخوات، فنحن نرتدي ما يواكب العصر في نطاقِ الزي الشرعي.
التربية العملية
وتعترض رُفيدة سناء أبو زيد- امتياز طب- على تعميم النقد، مؤكدةً أنها تعاملت مع أفراد لا يقلون عن الجيلِ القديم شيئًا بل ربما يزيدون في فهمهم وسعةِ أفقهم وربانيتهم؛ وإذا كان الجيل القديم يرى تميزًا في جانب العلاقة بالله والربانية.
أما على المستوى العام فهي ترى أنَّ الجيلَ الجديدَ في أشد الحاجةِ إلى التربيةِ، فإذا كان الجيل الأول قد ربَّاه الله وصهره لتحمُّل المسئولية فإنَّ الجيلَ الحديث مشكلته أنه قد جاءه الالتزام على طبعه، فلم يشعروا بعمق النعمةِ التي منحها الله إياهم.
كما توضح أن تنوع وسائل الإعلام وسهولة وصول العلم إلى الأذهان جعلهن يفتقرن إلى القراءة والثقافة العميقة.ولهذا فهي تدعو إلى تحسين مستوى الإخوان الموجودين حتى ولو على حساب وقف سيل جذب الآخرين، فالمشكلة في الجيل الحديث تكمن في: كثرة العدد وتجاهل الكيف؛ بالإضافة إلى خطورة عدم التدقيق في اختيار المربيين؛ وزيادة الانفتاح على الآخرين لمحاولة خرس الأبواق المتهمة لهم بالتشدد بالتنازل عن أسباب عزتنا وهو أخذ الدين بقوة. مع ملاحظة افتقار الذاتية في متابعة أحوال الفرد مع ربه بالإضافة إلى أنه إذا فقد من يتابعه قصّر في عمله.
وفي رأيها أنَّ الحل يكمن في التدقيق في عملية اختيار الأفراد وعدم الحرص على الزيادة الأفقية على حساب عمق الفهم وتقوية النظام التربوي والتمسك بهويتنا بالرغم من الانفتاح وعدم التنازل عن التقوى، وعن أخذ الدين بقوةٍ مع التشديدِ على التربية الذاتية العملية.
ضعف الالتزام
وترى يسر سعد- الفرقة الثالثة بكلية تربية- أنَّ الزمن أهم عامل من عوامل الاختلاف فجيل حسن البنا ليس كجيلِ سيف الإسلام الذي يختلف عن الجيلِ الحالي، فهناك متغيرات تطرأ بالطبع على كلِّ جيل، وتعترف بأن جيلها يشوبه الخلل الثقافي والتربوي.
وتقول: أنا مثلاً أعتمد على شرائط الكاسيت والإسطوانات، وأشعر بالملل من قراءةِ الكتب الفقهية، وأعتقد أنَّ هناك شيئًا يعود إلى عمليةِ التأهيل منذ الصغر تتمثل في محاولةِ الآباء فرض ما يريدون على الأبناء إجباريًّا في كثيرٍ من الأمور مما يجعلهم يتمردون بعد ذلك.
هاجر خطاب- تربية قسم دراسات إسلامية- تؤيد رأي أنَّ الجيل الحالي أضعف من الجيل السابق لغياب القدوة والمثل؛ فترى أن الجيل الماضي قد نال حظًّا أفضل في التربيةِ والالتزام العملي في حياتهم، أما الآن فالحياة مرفهة بسيطة لهذا الجيل وقلما نجد أحد اُبتلى ابتلاءً فيتأثر ويكون بمثابةِ واقع عملي على الصبر والتحمل.
ومن هنا تؤكد وجود خللٍ في عمليةِ التوريث يتمثل في أنَّ الجيلَ السابقَ ورَّث بمقدارٍ بسيطٍ وأنَّ جيلها تربَّى نظريًّا وتنقصه التربية العملية، ففي عهد الإمام حسن البنا مثلاً كانت التربية عملية بالنسبة للجيل الذي عاهد هذا العصر.
نهى زيدان- الفرقة الثالثة بكلية الطب- عين شمس: تقول العالم كله مختلف من حولنا، والاختلاف أمرٌ عام على الجيل كله، فحتى أهالي غير الملتزمين يشكون أيضًا من أبنائهم، فمن الطبيعي أن يكون جيل الإخوان أيضًا مختلفًا، جيلنا اليوم أهمل في عملية التربية، وأصبحت العلاقات اليوم علاقات عملية أكثر منها علاقات إنسانية، وأصبح الملتزمون على أساسٍ تربوي قوي ومتين قلةً بالمقارنةِ بالأجيال السابقة التي كانت أكثر التزامًا وفهمًا للدين، فهم تربوا تربيةً جهاديةً صحيحةً، وأعتقد أن هذا ينقصنا اليوم.
ضعف التواصل
من جانبها ترى كبيرة محمد- مسئولة لجنة المرأة بمكتب الأستاذ علي فتح الباب عضو مجلس الشعب- أن العيب ليس في هذا الجيل ولكن في الظروف الصعبة التي يمر بها المجتمع، موضحةً أن الفتيات الموجودات الآن مثل فتيات الجيل السابق مع اختلاف القيادات والأشكال، ولكن هذا الجيل مظلوم وعليه أعباء كثيرة فلا أستطيع أن أضغط عليه كما أنني لا أستطيع أن ألوم الكبير فهو يريد أن يُورِّث ولكن كيف السبيل لهذا.
في هذا الإطار تشير "كبيرة" إلى وسائل التربية عند الإخوان في السنوات السابقة، وكيف كانت متاحة للفتيات، فكان هناك الكتيبة والرحلات والأنشطة الرياضية التي كانت تنظم يوم الجمعة من كل أسبوع إلى جانب التجمعات التي كنا نقوم بها في النقابات المختلفة، أما الآن فلا نجد هذا الاهتمام خاصةً من جانب الفتيات، لا يوجد تقصير لا من الفتيات ولا من الأمهات، ولكن المشكلة في عنصر الوقتِ والزمن الموجودين فيه؛ لأن التربيةَ تحتاج لتواصلٍ واتصالٍ ولُحمةٍ بين الجيلين.
العولمة
تقول الداعية فاطمة فضل: إنَّ العولمةَ والتغييرَ الثقافي كان له الأثر الأكبر على الأسرة المسلمة وخاصةً الإخوة والأخوات؛ حيث تأثروا تأثيرًا كبيرًا بالعولمة والثقافة التي غزت بيوتنا، والبنات للأسف الشديد تغيرت أفكارهن وأصبحن يردن المعلومة سهلة وبلا مشقة، فهم لا يحبون القراءة مثلاً بخلافِ الأجيال السابقة التي كانت تعتبر التلفاز شيئًا ثانويًّا بجانب الأشياء الأساسية كالقراءة، أما الآن ضاعت أوقات الشباب بين التلفاز والكمبيوتر، وأصبحت هي الوسائل التي يستمدون منها ثقافتهم، فالأجيال السابقة علمت نفسها بنفسها من خلال القراءة والإطلاع وتغذية الروح علميًّا وثقافيًّا ودينيًّا ثم بدأت تتحرك للدعوة، فالإيمان هو الذي كان يدفعهم للتحرك دعويًّا، ولكن ما يحدث الآن هو العكس؛ حيث انشغلت الفتيات بالدعوة عن ربِّ الدعوة وهي ظاهرة نجدها في صفوف الدعاة الآن.
وفي هذا الإطار تعرب فاطمة فضل عن أملها في عودةِ الشابات إلى تأصيل الصلة برب الدعوة؛ وذلك بالعودة إلى المنبع الأصيل للقرآن والسنة والتفسير والحديث، فهي الأشياء التي تعلمتها الأجيال السابقة أولاً مع بدايةِ الالتزام.
التأهيل الاجتماعي
وتوضح الدكتورة مكارم الديري- الأستاذ بجامعة الأزهر- أنَّ كلَّ ما يوجد في المجتمع من سلبياتٍ ينعكس بصورةٍ مباشرةٍ على الأبناءِ وعلى الأسرةِ بصفةٍ عامة، ويرجع هذا الأمر إلى الأسرة نفسها التي أصبحت منشغلةً إلى حدٍّ كبيرٍ عن معرفةِ مبادئ التربية الصحيحة بالنسبة للأبناء وخاصة العاملات أو المرأة العاملة وليس معنى ذلك أنها لا تعمل، ولكن المهم أن تولي اهتمامًا أكبر بتربيةِ الطفل منذ البداية؛ لأن الأم في الأسرة هي الجذر الذي يمد الأسرة والعائلة بالحياة، ومن ثَمَّ فهي عليها دور في محاولة تأهيل البنات والشباب قدر الإمكان حتى يكونوا آباء وأمهات صالحين وصالحات يتحملون المسئولية وينهضون بالأعباء.
وتشير الدكتورة مكارم الديري إلى أنه بصفةٍ عامةٍ أصبحت نسبة الطلاق مرتفعة في المجتمع في الفئة العمرية ما بين 20-30 سنة وهم حديثو الزواج، وهذا معناه عدم القدرة على التعايش فيما بينهم أو تقبل عيوب الآخر أو التوافق، وهذا قصورٌ في التربيةِ وقصور في التركيب نفسه وفي فهم مهمةِ الزوج والزوجة وقدرتهم على تحمل المسئوليات المشتركة معًا.
وهنا تؤكد أهمية تأهيل البنات لأن هناك تقصيرًا وإهمالاً جسيمًا معهم، مشيرةً إلى أنَّ معظم التوجيه والتربية ينصب على دور الأخ أو الأخت في داخل الجماعة وداخل الصف أكثر، ومن ثم لا بد من السعي لإيجاد تربية أسرية داخل بنات الصف أنفسهن تربيةً صحيحةً تُولي اهتمامًا كبيرًا بالأسرة وليس العمل الدعوي أو التنظيمي فقط إذ لا بد من السيرِ على جميع المسارات.
العيب فينا
ومن جانبها ترى الداعية سمية رمضان أن السلوكيات التي لا نرضاها من الفتيات اليوم وأيضًا الشباب ترجع إلى المجتمع الذي يعيشون فيه فالطفل أصبح يتلقى الأساسيات في تعليمه من كل الاتجاهات المحيطة به سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين, ولو اقتصرت تربية الطفل على والديه فإنه سيسير على طريق مستقيم ولكن يشارك الوالدين عالم آخر كالنت والتلفاز والمدرسة والأصدقاء فالطفل يتأثر بأسرته إلى أن يصل لسن يتأثر بالنزعة الداخلية التي كانت ساكنة من تعليم الوالدين فإذا خرج للعالم الخارجي تتحول طباعه الساكنة إلى معاداة لأسرته ولقيم الدين فتصرفات الأطفال الصغار مرآة الوالدين فهم مقلدون.
وتضيف سمية رمضان أن الأبوين يعتقدان أن الالتزام بالتمني وليس الفعل ولكن الطفل يقلد الفعل وليس الأمنية والطفل ذكي جدًا يلاحظ الوالدين ملاحظة شديدة ويصدم حين يطلبون منه شيئًا لا يفعلانه، فالطفل يركز على أخطاء الوالدين وتستقر في العقل الباطن وتفاجأ الأسرة بصورة أخرى غير التي تتوقعها والحقيقة أنها الصورة العملية التي رآها الطفل لا التي تمناها والداه.
وعن زيادة المشاكل الأسرية وارتفاع نسب الطلاق ترى سمية رمضان بعض أولياء الأمور يربون أولادهم على الأنانية فكل طرف يهتم بنفسه بسبب الدلال الزائد وعدم التضحية وعدم مشاركة الأولاد مسئوليات البيت فعندما يصبحون أزواجًا وزوجات نجدهم يتعاملون بنفس الأنانية. فدائمًا نجد البنت مرفهة لا تتربى على تحمل المسئوليات ولجهلها بالشريعة تتصور أن تحررها بالطلاق وهذا بالطبع يأتي كنتيجة طبيعية للتربية فنجد الأم في خصام ونزاع مع حماتها والطفلة تتربى على هذا فمجرد زواجها تفتح جبهة مع حماتها أو على الأقل تكون خائفة حذرة مع أن حسن معاشرة الزوج من الثوابت الأساسية لحقوق الزوج.
وتضيف سمية رمضان أنه على جميع المستويات لا يوجد برنامج تربوي له ملامح وخطوات ثابتة وليس هناك من يطبقه خطوة خطوة حتى ينتهي فهم دائمًا يبدأون ويتركون قبل أن ينتهوا فالعيب فينا وليس فيهم ولهذا فأنا أعتذر لهذا الجيل شبابًا وفتيات بالنيابة عن الجيل السابق كله فيما لم نفعله من أجلهم وفيما أورثناهم من حمل ثقيل وبلاد محتلة وعدو في البلاد وهي ثمار نحن نجنيها وأتمنى أن يتداركوا هذه الأخطاء والسلبيات.