ليست وحدها جبهة تحرير تيجراي، من تخوض تمردا ضد الحكومة الإثيوبية، بل هناك حركات مسلحة تنتمي لعرقيات مختلفة تسعى لاقتحام العاصمة أديس أبابا أو الانفصال تماما عنها.
وحقق متمردو تيجراي تقدما لافتا، منذ يونيو الماضي، واستعادوا السيطرة على معظم أجزاء الإقليم، وشرعوا منذ 22 يوليو في التوغل بإقليمي العفر ثم الأمهرة.
هذا التقدم العسكري شجع متمردي "جيش تحرير أورومو"، على إعلان تحالفهم مع جبهة تحرير تيجراي، في 11 أغسطس الجاري، وتأكيدهم وجود مجموعات أخرى منخرطة في مناقشات مماثلة.
وفي هذا الصدد، قال زعيم جيش تحرير أورومو، كومسا ديريبا، المعروف أيضاً باسم "جال مارو"، في مقابلة مع وكالة أسوشيتيد برس، "سيكون هناك تحالفٌ كبيرٌ ضد نظام آبي أحمد علي".
وهذا ما يدعو للتساؤل حول هوية هذه الحركات المسلحة التي من المحتمل أن تنضم إلى جبهة تيجراي في حربها ضد الحكومة الاتحادية.
1 ـ جيش تحرير أورومو
أعلن جيش تحرير أورومو، رسميا تحالفه مع جبهة تحرير شعب تيجراي، بالرغم من أن المظاهرات العارمة التي قادها الأورومو كانت السبب الرئيسي في سقوط حكم التيجراي وصعود آبي أحمد إلى السلطة في 2018.
وينتمي "جيش تحرير أورومو" إلى أكبر عرقية في البلاد، وأغلب أبنائها من المسلمين.
ويحتضن إقليم أورومو العاصمة أديس أبابا، ويتحدر منه رئيس الوزراء آبي أحمد، من جهة أبيه، لكن المعارضة الأورومية تعتبره أقرب لعرقية الأمهرة، التي تتحدر منها والدته وزوجته.
ويضم "جيش أورومو"، آلافا من العناصر المسلحة، وتنتشر معسكراتهم في المنطقة الغربية من إقليم أورومو وأواسط منطقة شيوا (شمال أديس أبابا)، ويسيطرون منذ سنوات على بعض المحافظات الغربية.
وأعلن جيش تحرير أورومو سيطرته على جزء من الطريق الرئيسي شمال مدينة شيوا (350 كم شمال أديس أبابا)، ما يعني قطعه للإمدادات القادمة من العاصمة إلى جبهات القتال في أمهرة، وهو ما لم تؤكده أو تنفه الحكومة.
ولم يخف زعيم جيش تحرير أورومو، رغبتهم في الإطاحة بحكومة آبي أحمد، قائلا: "الحل الوحيد الآن هو الإطاحة بهذه الحكومة عسكرياً، والتحدث باللغة التي يريدون التحدث بها".
وتصنف حكومة آبي أحمد كلا من جبهة تيجراي وجيش تحرير أورومو كمنظمتين إرهابيتين، ونددت مؤخرا بإعلان تحالفهما.
ويقاتل جيش تحرير أورومو في منطقة بعيدة عن مناطق تقدم جبهة تيجراي، لكنه وبحسب زعيمه العسكري "يتشاركون معلومات ساحة المعركة، ويقاتلون بالتوازي، وفي الوقت الحالي لا يقاتلون جنبًا إلى جنب"
مما يعني أن قطع جيش تحرير أورومو، الطريق الرابط بين العاصمة وإقليم أمهرة، تم بالتنسيق مع جبهة تيجراي، التي تخوض معاركها الرئيسية ضد الأمهرة في أكثر من جبهة، وتسعى لمنع وصول أي دعم عسكري أو إمدادات للجيش الحكومي ومليشياته.
فدفع الجيش الاتحادي بقواته الخاصة إلى جبهات القتال في أمهرة بالشمال من شأنه إضعاف تحصيناته في إقليم أورومو وحول العاصمة، وهذا ما قد يستغله متمردو الإقليم في شن هجمات مباغتة على المنطقة.
ولم يستبعد زعيم "جيش أورومو" أن يقاتل مسلحوه مع جبهة تيجراي جنبا إلى جنب "قريبا"، في إشارة إلى إمكانية التحامهم في جبهة واحدة مع اقتراب متمردي تيجراي من معاقلهم في شمال إقليم أورومو.
وهذا التنسيق يشي عن تجاوز الأورومو والتيجراي خلافاتهم القديمة، عندما تحالفوا لإسقاط حكم مانجستو، لكنهم بعدما حققوا هدفهم في 1991، استأثر تيجراي بالسلطة وتم تهميش الأورومو.
وجيش تحرير أورومو، يمثل الجناح العسكري للجبهة، التي عاد قادتها من المنفى بعفو من آبي أحمد، في 2018، مقابل تخليهم عن المعارضة المسلحة.
لكن الجناح العسكري انفصل عن الحزب بعدما حدث خلاف عميق مع الحكومة حول دمج قوات الحركة في الجيش الاتحادي، بينما وضعت السلطات زعيم الحزب داؤد أبسا، تحت الإقامة الجبرية بالمنزل منذ ثلاث سنوات.
2 ـ الحزب القومي الديمقراطي العفري
أعلن الحزب القومي الديمقراطي العفري، في 17 أغسطس، انضمامه إلى تحالف جبهة تيجراي وجيش أورومو، وطالب الجيش الاتحادي والموالين له في الإقليم بمغادرته.
كما دعا الحزب القوات الخاصة العفرية والشرطة المحلية للانضمام إلى ما أسماها المقاومة، لإسقاط حزب الازدهار، الذي أسسه آبي أحمد.
وتقف إدارة العفر إلى جانب آبي أحمد، لكن جبهة تيجراي تقول إن الأحزاب المعارضة من العفر طلبت منهم دخول قواتهم إلى إقليمهم.
وحسب موقع "الرواية الأولى" السوداني، فإن الجيش الإثيوبي ومليشيات موالية له من الأورومو والأمهرة حاولوا العبور من إقليم العفر إلى تيجراي، الذين صدوا الهجوم وتقدموا وسيطروا على عدة مديريات في العفر، بمساندة قوية من المعارضة العفرية السياسية والعسكرية.
والحزب القومي الديمقراطي العفري، حل نفسه في 2019، وانضم إلى حزب الازدهار الحاكم، لكن على ما يبدو وقع انشقاق داخل الحزب بعد دخول متمردي تيجراي إلى العفر مؤخرا، وحديث عن فرار رئيس الإدارة المحلية إلى أديس أبابا، وانضمام عشرات الآلاف من العفر للقتال إلى جانب آبي أحمد، ما يعني انقساما بين أبناء الإقليم الواحد.
وتجدر الإشارة إلى أن العفر بحسب العديد من المصادر الإعلامية مسلمون من أصول يمنية.
3ـ الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول
في 19 أبريل الماضي، تمكن مسلحون من حركة بني شنقول من السيطرة بشكل كامل على مقاطعة سيدال بالإقليم، بعد تمرد 200 جندي إثيوبي من بني شنقول، واستولوا على أسلحة للجيش في معارك بالإقليم، وانضم إليهم عدد من الأهالي.
وليس من المستبعد أن تنضم الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول، إلى التحالف الذي تشكل بين جبهة تحرير تيجراي وجيش تحرير أورومو، رغم عدم ثقتها في الأولى، بعد تجربة سابقة.
كما أن دعم السودان لحركة تحرير بني شنقول ليس مستبعدا هو الآخر، خاصة بسبب الخلافات بين الطرفين حول سد النهضة.
ففي مايو الماضي، حذرت الخارجية السودانية إثيوبيا من أنها إذا كانت ترفض جميع "الاتفاقات الاستعمارية"، وتحديداً اتفاق 1902، فيجب أن تعيد إلى السودان السيادة على إقليم بني شنقول، الذي تسكنه أغلبية مسلمة تتحدث اللغة العربية.
وتشكلت الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول في 1963 ثم أعيد تأسيسها في 1986، وتطالب بتقرير مصير الإقليم الذي كان تابعا للسودان ولكن بموجب اتفاقية 1902، بين الحبشة (إثيوبيا) وبريطانيا التي كانت تحتل السودان، تم ضم بني شنقول إلى إثيوبيا مقابل عدم بناء الأخيرة سدود على النيل الأزرق.
وسبق للحركة أن تحالفت مع جبهة تحرير شعب تيجراي، ضد حكم منجستو هيلي مريام، وشاركت في القتال بألف مسلح، وبعد سقوطه حصل الإقليم على الحكم الذاتي في 1992، وأيضا على مليشيات معترفة بها تسمى "الجيش الأحمر".
لكن جبهة تيجراي، التي استحوذت على الحكم ما بين 1991 و2018، فككت "الجيش الأحمر" وضمت عناصره للجيش الاتحادي، وسجنت قادته السياسيين.
وفي عهد آبي أحمد، انضمت حركة بني شنقول لدعوات السلام، لكن فيما بعد سجن العديد من قادتها السياسيين، حسب القيادي في الحركة جعفر عباس.
وتُشيّد أديس أبابا سد النهضة على إقليم بني شنقول، وتتهمها الحركة الشعبية بتهجير قبيلة الجمز، وتغيير ديموجرافية المنطقة، وقيام مليشيات من الأمهرة بحرق بيوت أفراد من القبيلة، عارضوا بناء السد على أراضيهم.
4ـ الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين
تعد إحدى الحركات المرجح أنها قد تنضم إلى تحالف جبهة تيجراي وجيش أورومو، بالنظر إلى أن عدوهم واحد وهو حكومة آبي أحمد.
وينشط متمردو الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين في إقليم الصومال الإثيوبي (شرق)، المتنازع عليه مع الصومال، والذي بسببه اندلعت حرب أوجادين بين البلدين، عامي 1977 و1978.
وتسعى الجبهة للانفصال بالإقليم عن إثيوبيا أو الانضمام إلى الصومال.
لكن في خطوة من شأنها التأثير على قرار جبهة تحرير الصومال الغربي بالانضمام إلى التحالف المسلح المناوئ لآبي أحمد، أو التزام الحياد، هاجمت مليشيات من إقليم العفر قرية "غاربا إيسى" بمنطقة سيتّي، في إقليم الصومال الإثيوبي، المتنازع عليه بين الإقليمين.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن مليشيات العفر ارتكبت مذبحة، في 26 يوليو الماضي، راح ضحيتها المئات من المدنيين.
وكانت جبهة تحرير أوجادين وقعت اتفاق سلام مع حكومة آبي أحمد عند وصوله إلى الحكم في 2018، وتم حذف اسمها من قائمة الجماعات الإرهابية، عقب هجوم كبير شنته في 2007 ضد منشأة نفطية بالإقليم يديرها صينيون.
ولم تعلن جبهة تحرير أوجادين بعد استعدادها للتحالف مع تيغراي، خاصة وأنها خسرت معظم قواعدها الخلفية في الصومال وفي الأقاليم التي تشكلت به.
وما يجمع الحركات الثلاثة (جيش تحرير أورومو، وجبهة التحرير الصومال الغربي، والحركة الشعبية لتحرير بني شنقول) أنها ذات غالبية مسلمة، وتسعى للانفصال عن إثيوبيا، أو الانضمام إلى الصومال أو السودان.
وفي حال تحالفت هذه الجماعات الثلاث مع جبهة تيجراي، وانضم إليهم إقليم العفر، وحصلوا على دعم بعض دول الجوار، فإن الوضع في أديس أبابا يصبح حرجا أكثر فأكثر، وقد يحتاج آبي أحمد للبحث عن تحالفات داخلية وخارجية لمنع تفكك بلاده.
وهذا ما يفسر دعوة آبي أحمد للتعبئة العامة، حيث استجاب له كل من إقليم الأمهرة وإقليم الأمم والقوميات والشعوب الجنوبية، وإقليم سيداما (جنوب) الذي تشكل في 2019، أما إقليمي العفر وأورومو فهما منقسمان بين داعم للحكومة أو مساند للمتمردين.
وتوجد في إثيوبيا 10 أقاليم تتمتع بحكم ذاتي، من بين نحو 85 قومية.
الأناضول