رصيد التجـربة
عندما واجه الإسلام البشرية - أول مرة - كان يواجه هذا الواقع برصيد الفطرة وحده. كان رصيد الفطرة مع هذا الدين، على الرغم من الأجيال الطويلة التي انقضت وهي تراكم فوقه أنقاض الواقع الجاهلي العريض... ولكن انتفاض الفطرة كان أقوى من كل ذلك الركام؛ وكانت استجابة الفطرة كافية لنفض ذلك الركام.
وكانت تلك الفترة العجيبة. وكانت تلك القمة السامقة، وكان ذلك الجيل الفارع. وكانت تلك المنارة الوضيئة... كانت - كما قلنا- قدراً من أقدار الله - وتدبيرا من تدبيره، لتتجسم هذه الصورة الفريدة، في أوضاع حياة واقعية، يمكن - فيما بعد- الرجوع اليها في صورتها الواقعية، ومحاولة تكرارها على مدى الزمن، بقدر ما تتهيأ لها البشرية!. إنها لم تكن ثمرة طبيعية لبيئتها - وقتذاك- ولكنها كانت ثمرة الرصيد المتجمع للفطرة؛ عندما وجدت المنهج والقيادة والتربية والحركة التي تجمع هذا الرصيد وتدفعه هذه الدفعة القوية ...
ولكن البشرية - بجملتها - لم تكن قد تهيأت بعد للاستقامة طويلاً على تلك القمة السامقة. التي تسنمتها تلك الجماعة المختارة على عين الله... فلما انساح الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بتلك السرعة العجيبة التي لم يعرف لها التاريخ نظيراً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأصبحت كثرة الأمة الإسلامية ليست هي التي تلقت تلك التربية الفريدة العميقة البطيئة التي تلقتها الجماعة المختارة.
لما وقع هذا كله أخذ ضغط الرواسب الجاهلية في نفوس الجماهير الغفيرة، والكثرة الكاثرة في جموع الأمة التي دانت للإسلام "يثـقـل" ويجذب الجسم كله من تلك القمة السامقة، إلى الأرض المستوية!. الجسم الذي لا يرفعه إلى تلك القمة السمبقة إلا الوثبة الكبرى، التي وثبتها تلك الجماعة المختارة. بدفعة التربية الفريدة العميقة البطيئة، التي جمعت رصيد الفطرة وأطلقته في هذا الاتجاه البعيد!.
ومن ثم استوى المجتمع المسلم - قرابة ألف عام - لا على تلك القمة السامقة؛ ولكن في مستويات متفاوتة، كلها أرفع من مستويات المجتمعات الأخرى في ارجاء الأرض، وذلك مع استمداد تلك المجتمعات من ذلك المجتمع الرفيع، كما شهد التاريخ المنصف. وما أقل التاريخ المنصف!.
* *
تلك الوثبة الكبرى الفريدة في تاريخ البشرية، وهذه الألف عام من المستويات الرفيعة... لم تذهب كلها سدى، ولم تتبدد من عالم الحياة ضياعاً، ولم تترك البشرية بعدها كما تسلمتها من قبل.
كلا! فليس ذلك من سنة الله في الحياة والناس. فالبشرية وحده متماسكة على مدار الزمان، وجسم البشرية جسم حي؛ ينتفع بزاد التجارب، ويدخر رصيد المعرفة، ومهما تجمع فوقه ركام الجاهلية التي ارتدت اليها البشرية؛ ومهما ران عليها العمى والظلام؛ فإن الرصيد باق مكنون، بل هو سار في الجسم على العموم!.
وإذا كانت الدعوة إلى الإسلام في المرة الأولى، لم تجد إلا رصيد الفطرة تواجه به واقع البشرية (وذلك دون أن نغفل الرصيد الضئيل المتبقى كالذبالة من بقايا الرسالات الأولى التي كانت رسالات في اقوام، ولم تكن للبشر كافة كالإسلام) فإنها اليوم تجد إلى جانب رصيد الفطرة المكنون، رصيد الموجة الأولى لهذا المنهج الإلهي في حياة البشرية جمعاء - من آمن بالاسلام، ومن دخل في حكم الاسلام، ومن تأثر على البعد بالمد الإسلامي العريض - كما تجد رصيد التجارب البشرية المريرة، التي عانتها في التيه، حين بعدت عن الله، وعانت في ذلك التيه مرارة الحياة!.
والمبادئ والتصورات، والقيم والموازين، والنظم والأوضاع، التي واجه بها الإسلام البشرية أول مرة وليس معه إلا رصيد الفطرة فأنكرتها أشد الإنكار؛ وتنكرت لها كل التنكر، وقاومتها كل المقاومة، لأنها - يومذاك - كانت غريبة كل الغرابة، وكانت المسافة بينها وبين واقعها سحيقة هائلة...
هذه المبادئ والتصورات، والقيم والموازين، والأنظمة والأوضاع، قد استقرت في حياة جماعة من البشر - وهي في صورتها الكاملة - فترة من الزمان، ثم استقرت في حياة العالم الاسلامي العريض - في مستويات متفاوتة - فترة طويلة اخرى. ثم عرفت في حياة الجماعة البشرية كلها تقريباً، خلاف نيف وثلاثمئة وألف عام... عرفت على الأقل دراسة ورؤية وفرجة! ان لم تعرف مزاولة وعملاً وتجربة! ومن ثم لم تعد غريبة - على البشرية- كما كانت يوم جاءها بها الاسلام اول مرة. ولم تعد منكرة في حسها وعرفها كما كانت يومذاك!.
حقيقة أن البشرية لم تتذوقها قط، كما تذوقتها الجماعة المختارة، وفي تلك الفترة الفريدة. وحقيقة أنها حين حاولت تطبيق بعضها في أزمنة متفاوتة- بما في ذلك العصر الحديث- لم تدرك روحها فقط، ولم تطبقها بهذه الروح. وحقيقة إنها - حتى اللحظة - ما تزال تطلع وهي تدرج في المرتقى الذي وثبت اليه الجماعة المسلمة الأولى.. كل هذا صحيح . ولكن البشرية بجملتها - من الناحية التصورية الفكرية - قد تكون اقرب الى ادراك طبيعة ذلك المنهج، وأقدر على حمله كذلك - منها يوم جاءها أول مرة، غريباً عليها كل الغرابة.
* *
والأمثلة المحددة تقرب هذه الحقيقة وتوضحها. ونحن نكتفي بذكر القليل منها دون الإحاطة بها. وذلك لاعتبارين هامين:
أولهما: طبيعة هذا البحث المجمل المختصر؛ الذي لا يزيد على أن يكون مجرد إشارات دالة إلى عناصر الموضوع الكبير الذي يـتـناوله موضوع "هذا الدين".
وثانيهما: أن الخطوط العريضة التي تركتها موجة المد الطويلة لهذا المنهج، في حياة البشرية كلها، وفي انحاء الأرض جميعاً، اكثر عدداً، وأضخم أثراً، وأوسع مساحة، من أن يحيط بها كاتب واحد، في بحث واحد، وفي عصر واحد، فهذه الآثار قد ترسبت في حياة البشرية كلها، منذ ذلك العهد البعيد؛ وشملت حياة البشرية كلها على نطاق واسع، وتأثرت به جوانب قد لا تكون كلها ظاهرة، وقد لا تكون كلها مما سجلته الملاحظة.
وإنه ليمكن القول - على وجه الإجمال- أن هذه الظاهرة الكونية، التي تجلت على هذا الكوكب الأرضي، وتمت في حياة هذه البشرية... وهي ظاهرة هذا الدين... لم تدع جانباً واحداً من حياة البشرية منذ ذلك التاريخ، إلا وتجلت فيه وتركت فيه تأثيراً تتفاوت درجاته، ولكنه واقع لا شك فيه. وإن كل حركة من حركات التاريخ الكبرى قد استمدت مباشرة أو غير مباشرة من ذلك الحدث الكبير؛ أو - بتعبير أصح - من هذه الظاهرة الكونية الضخمة.
* *
إن حركة الإصلاح الديني، التي قام بها مارتن لوثر وكالفن في أوربا. وحركة الإحياء التي تقتات منها أوربا حتى اليوم- وحركة تحطيم النظام الإقطاعي في أوربا، والانطلاق من حكم الأشراف. وحركة المساواة وإعلان حقوق الإنسان التي تجلت في الماجنا كارتا في انجلترا والثورة الفرنسية في فرنسا. وحركة المذهب التجريبي التي قام عليها مجد أوربا العلمي، وانبعثت منها الفتوحات العلمية الهائلة في العصر الحديث... وأمثالها من الحركات الكبرى، التي يحسبها الناس أصولاً في التطور التاريخي... كلها قد استمدت من ذلك المد الاسلامي الكبير، وتأثرت به تأثراً أساسياً عميقاً...
جاء في كتاب "ضحى الإسلام" للدكتور أحمد أمين:
"ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الاسلام - من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي - أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين- ظهرت في سبتمانيا (Septmania) ( ) حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس وأن ليس للقسس حق في ذلك؛ وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم. والاسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار. فطبيعي ألا يكون فيه اعتراف!.
وكذلك قامت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية (Iconoclasts). ذلك أنه في القرن الثامن والتاسع للميلاد- أي في القرن الثالث والرابع الهجري- ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل. فقد أصدر الامبراطور الروماني "ليو" الثالث أمراً سنة 726م يحرم فيه تقديس الصورة والتماثيل، وأمراً آخر في سنة 730 يعد الإتيان بهذا وثنية. وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع. على حين كان البابا "جريجورى الثاني والثالث" و "جرمانيوس" بطريرك القسطنطينية، والإمبراطورة "ايرينى" من مؤيدي عبادة الصورة. وجرى بين الطائفتين نزاع شديد؛ لا محل لتفصيله. وكل ما نريد أن نذكره ان بعض المؤرخين يذكرون أن الدعوة إلى نبذ الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام. ويقولون إن كلوديوس (Cloudius) أسقف تورين (الذي عين سنة 828م وحول 213هـ) والذي كان يحرق الصور والصلبان، وينهي عن عبادتها في أسقفيتة ولد وربى في الأندلس الاسلامية.. ... "كذلك وجدت طائفة من النصارى، شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية، وأنكرت ألوهية المسيح"( ).
* *
وحينما عادت جيوش الصليبيين المتبربرة مرتدة عن الشرق الإسلامي في القرن الحادي عشر الميلادي، عادت ومعها صورة من حياة المجتمع الإسلامي. وعلى كل ما كان قد وقع من الانحرافات في هذا المجتمع، فإن الظاهرة البارزة فيه - بالقياس إلى ذلك القطيع الصليبي المتبربر- كانت ظاهرة الشريعة الواحدة، التي يخضع لها الحاكم والمحكوم؛ والتي لا تستمد من إرادة الشريف أو هوى صاحب الإقطاعية - كما كان الحال في أوربا؛ وظاهرة الحرية الشخصية في اختيار نوع العمل ومكان الإقامة، وظاهرة الملكية الفردية وحرية الاستثمار، وظاهرة انعدام الطبقية الوراثية واستطاعة كل فرد في أي وقت أن يرتفع بدرجته في المجتمع وفق جده واجتهاده وعمله. هذه الظواهر البارزة، التي لا تخطئها عين الأوربي الذي كان يعيش في نظام الاقطاع، رقيقاً للأرض، قانونه هو ارادة السيد، وطبقته حتمية لأن "الشرف" وراثي!.
ومن هنا - بمساعدة العوامل الاقتصادية الأخرى في حياة المجتمع الأوربي- انطلقت الصيحات التي حطمت النظام الاقطاعي تدريجياً؛ وأعلنت تحرير الأفراد من رق الأرض. وان لم تحررهم من سائر القيود الأخرى. ولم ترفع مجتمعهم الى مستوى المجتمع الاسلامي!
* *
ومن جامعات الأندلس، ومن تأثير حضارة الشرق الإسلامي، التي أصبحت حضارة عالمية، ومن الترجمات الأوربية لتراث العالم الاسلامي انبثقت حركة الإحياء الأوروبية في القرن الرابع عشر وما تلاه. وانبثقت كذلك الحركة العلمية الحديثة، وبخاصة الطريقة التجريبية. يقول "بريفولت" مؤلف كتاب: " بناء الانسانية": (Making of Humanity)
" لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة العربية( ) على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج... إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوربا الحياة. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الاسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية. فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فان هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون، وأهم ما تكون ، في نشأة تلك الطاقة، التي تكوّن ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوى لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية، وروح البحث العلمي".
ويستطرد فيقول:
" إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين هذا العلم إلى الثقافة العربية بأكثر من هذا: إنه يدين لها بوجوده نفسه. فالعالم القديم - كما رأينا -لم يكن للعلم فيه وجود، وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علوماً أجنبية، استجلبوها من خارج بلادهم؛ وأخذوها عن سواهم؛ ولم تتأقلم في يوم من الأيام، فتمتزج امتزاجاً كلياً بالثقافة اليونانية. وقد نظم اليونان المذاهب، وعمموا الأحكام، ووضعوا النظريات. ولكن أساليب البحث في دأب واناة، وجمع المعلومات الايجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي... كل ذلك كان غريباً تماماً عن المزاج اليوناني. اما ما ندعوه " العلم" فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة. من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات الى صورة لم يعرفها اليونان... وهذه الروح، وتلك المناهج العلمية أدخلها العرب الى العالم الأوروبي"( ).
وقبل ذلك يقول :
" وإن "ردجر بيكون" درس اللغة العربية والعلم العربي في مدرسة "أكسفورد" على خلفاء معلميه العرب في الأندلس. وليس لـ "ردجر بيكون" ولا لسميه "فرنسيس بيكون" الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. فلم يكن ردجر بيكون، إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوربا المسيحية. وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي هي طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوربية. وقد كان منهج العرب في عصر "بيكون" قد انتشر انتشاراً واسعاً، وانكب الناس في لهف على تحصيله في ربوع أوربا.
" من أين استقى "ردجر بيكون" ما حصله من العلوم؟
"من الجامعات الإسلامية في الأندلس. والقسم الخامس من كتابه (Cepus Majus) الذي خصصه للبحث في البصريات، هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب "المناظر لابن الهيثم"( ).
ويقول دريبر الأستاذ بجامعة نيويورك في كتابه: "النزاع بين العلم والدين":
" تحقق علماء المسلمين من أن الأسلوب العقلي النظري لا يؤدي إلى التقدم" وأن الأمل في وجدان الحقيقة يجب ان يكون معقوداً بمشاهدة الحوادث ذاتها. ومن هنا كان شعارهم في أبحاثهم، الأسلوب التجريبي، والدستور العملي الحسي.
"إن نتائج هذه الحركة العملية تظهر جلية في التقدم الباهر الذي نالته الصنائع في عصرهم، وإننا لندهش حين نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية، ما كنا نظنه من نتائج العلم في هذا العصر... ومن ذلك ان مذهب النشوء والارتقاء للكائنات العضوية - الذي يعتبر مذهباً حديثاً- كان يدرس في مدارسهم. وقد ذهبوا فيه إلى أبعد مما وصلنا إليه. وذلك بتطبيقه على الجوامد والمعادن( )... وقد استخدموا علم الكيمياء في الطب، ووصلوا في علم الميكانيكا إلى أنهم عرفوا وحددوا قوانين سقوط الأجسام وكانوا عارفين كل المعرفة بعلم الحركة، ووصلوا في نظريات الضوء والابصار إلى أن غيروا الرأي اليوناني القائل بان الابصار يحصل بوصول شعاع من البصر الى الجسم المرئي، وقالوا بالعكس. وكانوا يعرفون نظريات انعكاس الأشعة وانكسارها. وقد اكتشف الحسن ابن الهيثم الشكل المنحنى الذي يأخذه الشعاع في سيره في الجو، وأثبت بذلك أننا نرى القمر والشمس قبل ان يظهرا حقيقة في الأفق، وكذلك نراهما في المغرب بعد أن يغيبا بقليل"( ).
* *
ونكتفي بهذا القدر من الآثار الواقعية للمنهج الإسلامي وللحياة الإسلامية، في تاريخ البشرية، وفي الحركات العالمية الكبرى. نكتفى بهذا القدر بوصفه مجرد إشارة إلى هذه الحقيقة الضخمة الممتدة الأطراف التي كثيراً ما ننساها، ونحن نشهد البناء الحضاري الراهن، ويخيل إلينا- في سذاجة وغفلة - أنه لا نصيب لنا فيه، ولا أثر لنا في نشأته؛ وأنه شيء أضخم منا ومن تاريخنا الذي نجهله مع الأسف الشديد، ثم نتلقاه من أفواه أعدائنا؛ الذين لا هم لهم إلا أن يملأوا قلوبنا باليأس من إمكان الحياة الإسلامية، وفق المنهج الإسلامي. وهم أصحاب مصلحة في هذا اليأس؛ لأنه يؤمنهم من الكرة عليهم، ومن استرداد زمام القيادة العالمية منهم... فما بالنا نحن نرى يا ترى نتلقف ما يقولونه، ونردده كالببغاوات والقرود؟
وعلى أي حال فهذا ليس موضوعنا هنا. إنما نحن نمهد بهذه الاشارة إلى إشارة اخرى نحو الخطوط العريضة التي خطها المد الاسلامي الأول، وعرفها للبشرية؛ فأصبحت البشرية اليوم أقدر على إدراكها وتصورها. وهي الرصيد الجديد الذي يضاف إلى رصيد الفطرة القديم!.