أمة واحدة
وجاء الإسلام فوجد الناس يتجمعون على آصرة النسب، أو يتجمعون على آصرة الجنس، أو يتجمعون على آصرة الأرض، او يتجمعون على آصرة المصالح والمنافع القريبة... وكلها عصبيات لا علاقة لها بجوهر الإنسان، إنما هي أعراض طارئة على جوهر الإنسان الكريم.
وقال الإسلام كلمته الحاسمة في هذا الأمر الخطير، الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض تحديداً أخيراً.
قال: إنه لا لون ولا جنس، ولا نسب ولا أرض، ولا مصالح ولا منافع، هي التي تجمع بين الناس او تفرق.. إنما هي العقيدة... هي علاقتهم بربهم التي تحدد علاقتهم بعضهم ببعض؛ فعلاقتهم بالله هي التي منحتهم إنسانيتهم. ومن ثم فهي التي تقرر مصائرهم في الدنيا والآخرة سواء. إن النفخة التي جاءتهم من روح الله هي التي جعلت من الإنسان إنسانا، وهي التي كرمت هذا الإنسان وسخرت له ما في السماوات وما في الأرض . فعلى أساس هذه الحقيقة يتجمع الناس او يفترقون إذن، لا على أساس أي عرض آخر طارئ على حقيقة الانسان.
إن آصرة التجمع هي العقيدة، لأن العقيدة هي أكرم خصائص الروح الانساني. فأما إذا انبتت هذه الوشيجة فلا آصرة، ولا تجمع، ولا كيان!.
إن الإنسانية يجب أن تتجمع على أكرم خصائصها، لا على مثل ما تتجمع عليه البهائم من الكلأ والمرعى، أو من الحد والسياج!.
إن هناك حزبين اثنين في الأرض كلها: حزب الله وحزب الشيطان. حزب الله الذي يقف تحت راية الله ويحمل شارته. وحزب الشيطان وهو يضم كل ملة وكل فريق وكل شعب وكل جنس وكل فرد لا يقف تحت راية الله.
والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة. وهي جنسيتها. وإلا فلا أمة، لأنه ليست هناك آصرة تجمعها... والأرض، والجنس، واللغة، والنسب، والمصالح المادية القريبة، لا تكفي واحدة منها، ولا تكفي كلها لتكوين أمة، إلا ان تربط بينها رابطة العقيدة.
الآصرة فكرة تعمر القلب والعقل، وتصور يفسر الوجود والحياة... ويرتبط بالله، الذي من نفخة روحه صار الانسان إنساناً، وافترق عن البهائم والوحوش، وافترق تجمعه عن تجمعها، وامتاز بالتكريم من الله.
وقال الله للمؤمنين به في كل ارض، وفي كل جيل، ومن كل جنس ولون، ومن كل فريق وقبيل، على مدار القرون؛ من لدن نوح عليه السلام، الى محمد - عليه الصلاة والسلام- وإلى آخر الزمان: " ان هذه أمتكم أمة واحدة، وانا ربكم فاعبدون ". (الأنبياء: 92)
وفاضل بين الناس بعضهم وبعض على اساس العقيدة، مهما تكن روابط النسب بينهم، ووشائج الجنس والأرض. فقال:
" لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم او أبناءهم، او اخوانهم، او عشيرتهم، اولئك كتب في قلوبهم الإيمان،وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. رضي الله عنهم ورضوا عنه. أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون" (المجادلة: 22)
وجعل هنالك سبباً واحداً للقتال- حيثما لا يكون بد من القتال- هو الجهاد في سبيل الله. وحدد هدف المؤمنين وهدف غير المؤمنين تحديداً حاسماً صريحاً:
" الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله - والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. فقاتلوا أولياء الشيطان. ان كيد الشيطان كان ضعيفاً ". (النساء: 76)
وكان غريباً على البشرية كلها في ذلك الزمان، أن يتجمع الناس على عقيدة، وألا يتجمعوا على أرض، ولا على جنس، ولا على لون، ولا على تجارة، ولا على أي عرض من الأعراض الزهيدة!. كانت هذه "المذهبية" بتعبير العصر الحاضر، مسألة غريبة جداً يوم جاء بها الاسلام.. ولكن ها هي ذي البشرية في الأيام الحاضرة تستسيغها ، فتتجمع أوطان وأقوام ولغات وألوان وأجناس شتى.. على... على مذهب!.
حقيقة إنها لا تتجمع على عقيدة في الله، إنما تتجمع على مذهب في الاقتصاد أو الاجتماع... ذلك ان البشرية هابطة، الأعراض القريبة اكرم عليها من الحقيقة الكبيرة. ولكنها على أية حال تدرك ان رابطة التجمع يمكن أن تكون عقيدة، يمكن أن تكون فكرة. يمكن أن تكون رابطة معنوية!.
وهذا تقدم على كل حال!. وبقي أن ترتفع البشرية، وأن تتطلع إلى ما هو أكرم وأعلى. وأن تدرج في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة. على حداء الإسلام في الجولة القادمة. مزودة برصيد الفطرة القديم، ومستعينة كذلك بهذا الرصيد الجديد!.
- * *
ذمة وخلق:
... ولكن الاسلام حين جمع الناس على آصرة العقيدة، وجعلها هي قاعدة التجمع أو قاعدة التفرقة لم يجعل الإكراه على العقيدة قاعدة الحركة فيه، ولا قاعدة التعامل. ولم يجعل شريعة الغاب والناب هي التي تحكم علاقاته بالآخرين، الذي لا يعتنقون عقيدته، ولا يتجمعون على آصرته.
لقد فرض الله الجهاد على المؤمنين؛ لا ليكرهوا الناس على اعتناق الإسلام؛ ولكن ليقيموا في الأرض نظامه الشامخ العادل القويم.. على أن يختار الناس عقيدتهم التي يحبون، في ظل هذا النظام الذي يشمل المسلم وغير المسلم، في عدل تام.
" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم ". (البقرة: 256)
واعتبر الأرض التي يسيطر عليها النظام الإسلامي وتحكمها الشرعية الاسلامية هي "دار الإسلام" سواء كان سكانها من معتنقي عقيدته كلهم او كان بعضهم من معتنقي الديانات الأخرى.. واعتبر الأرض التي لا يسيطر عليها النظام الإسلامي ولا تحكمها الشريعة الإسلامية هي "دار الحرب" أياً كان سكانها!.
لم يترك الأمر لشريعة الغاب والناب في العلاقات بين دار الحرب ودار الاسلام، بل نظم هذه العلاقات تنظيماً دقيقاً، يحكمه الخلق والنظافة والاستقامة.
فدار الإسلام إما أن تكون على عهد وميثاق مع دار الحرب، فهو العهد المرعى والميثاق المحفوظ، لا غدر فيه ولا خيانة، ولا مباغتة ولا مفاجأة، إلا أن ينقضي الأجل، أو ينقض العهد أهل دار الحرب.
وإما أن تكون هناك موادعة - بلا معاهدة مؤقتة - فهي الموادعة إلا أن ينبذ إلى أهل دار الحرب- عند خوف الخيانة - ويعلنوا بانقضاء فترة الموادعة.
وإما أن تكون هي الحرب... وللحرب قيود وضمانات. فإن جنحوا للسلم مؤثرين المعاهدة والجزية والرضا بالنظام الإسلامي، مع حريتهم في اختيار العقيدة ، فلهم ذلك على المسلمين: " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون: الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة، وهم لا يتقون. فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون. وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء. إن الله لا يحب الخائنين. ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون. واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم؛ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. وما تثقفوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وتوكل على الله، انه هو السميع العليم". (الانفال: 55-61)
وأكد على الوفاء بالعهد، مبطلاً حجة "مصلحة الدولة" فإنها لا تجيز نقض العهود: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، أن تكون امة هي أربى من أمة. إنما يبلوكم الله به، وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون"... (النحل: 91-92)
فإذا كانت الحرب فهي الحرب التي لا تهتك فيها حرمة، ولا يقتل فيها صبي ولا شيخ ولا امرأة، ولا يحرق فيها زرع، ولا يتلف فيه ضرع، ولا يمثل فيها بانسان، ولا تصيب إلا المقاتلين الذي يحملون السلاح في وجه المسلمين... وهذه وصية أبى بكر لجيش أسامة وهو ذاهب لمقاتلة الروم:
( لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه،ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة. ولا تذبحوا شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا انفسهم له... اندفعوا باسم الله )..
ولست انوي هنا استقصاء قوانين المعاملات بين دار الاسلام ودار الحرب، ولا بين المسلمين وسائر الأقوام، فهذا البحث المجمل ليس مكان هذا التفصيل.. انما أريد ان أصل إلى الخط العريض الذي أقامه الإسلام في الأرض، للتعامل بين المعسكرات المختلفة، حيث لم يكن لذلك الخط وجود. فما كانت الأمم - يوم جاء - تتعامل إلا بقانون السيف وحده، أو قانون الغاب والناب- فمن كان يملك القوة فكل شيء له حلال، والمغلوب لا حقوق له على الاطلاق!.
هذا الخط الاسلامي العريض لم يذهب ولم يمح من واقع البشرية؛ فقد بدأ العالم في القرن السابع عشر الميلادي (القرن الحادي عشر الهجري) في التعامل على أساس من القانون! وأخذ يخطو خطوات متوالية في "القانون الدولي" وجعل يحاول اقامة هيئات دولية للتحكيم في القرن التاسع عشر، وظلت هذه التشكيلات تتأرجح بين النجاح والفشل حتى اللحظة الحاضرة... ووجدت بحوث قوية وضخمة في القوانين الدولية.
ومن ثم لم تعد الأنظمة التي جاء بها الإسلام غريبة غربتها يوم جاء. حقيقة أن البشرية لم ترتفع قط الى المستوى الأخلاقي الذي بلغته الجماعة المسلمة في التعامل الواقعي.
وحقيقة أن نكسات قوية قد وقعت في هذا العصر حتى في القوانين الدولية النظرية التي وصل إليها الفقه القانوني في العالم العربي. فألغى شرط اعلان الحرب. ونقض المعاهدات، وانهاء الموادعات! وأصبح الأمر غيلة أشد من حالة الوحوش في الغاب!.
وحقيقة إن دوافع الحرب والسلم لم ترتفع قط عن المصالح والمغانم والأسلاب والأسواق، ولم ترق قط الى افق الفكر والعقيدة والخير والعدل والصلاح التي يستهدفها الجهاد في الإسلام.
كل هذا صحيح، ولكن خط التعامل الدولي على أساس من القانون المعروف لجميع الأطراف... قد وجد. أوجده الإسلام لأول مرة. وخطه في حياة البشرية ذلك المنهج الإلهي القويم الرفيع.
فاذا خوطبت البشرية مرة اخرى بهذا المنهج لم يكن هذا الخط غريباً عليها ولا مستنكراً ... قد تظل أسسه الأخلاقية الرفيعة غريبة على البشرية الواغلة في مستنقع الجاهلية، فترة من الزمان. ولكن أصل الخط وصورته لن تكون غريبة ولا مستنكرة.
والإسلام الذي اعتمد اول مرة على رصيد الفطرة وحده في اقرار مبادئه، ورسم خطوطه، سيعتمد في الجولة القادمة على ذلك الرصيد. ويعتمد - إلى جانبه - على تلك التجارب الواقعة المعهودة. وسيكون - باذن الله- أقدر على استئناف خطواته من جديد... بهذا الرصيد.
- * *
وَبَعْـــــد !
وبعد، فاننا لا نملك في هذا البحث المجمل أن نمضي أكثر من هذا في الحديث عن الخطوط العريضة التي خطها الإسلام في حياة البشرية وتاريخها وواقعها، والتي لم تكن معروفة من قبل ولا مألوفة، والتي بقيت منها ملامح وآثار في حياة البشر، مهما تكن باهتة. ومهما تكن منحرفة ، ومهما تكن هابطة عن القمة السامقة التي ارتفع إليها الناس في ظل المنهج الإلهي القويم.
فهذه النماذج القليلة التي أشرنا إليها تصلح إشارة إلى عشرات الخطوط العريضة التي أقرها ذلك المنهج. بعد أن أنشأها إنشاء. ويمكن القياس عليها في شتى جوانب الحياة البشرية خلال أربعمائة وألف عام.
- * *
ولكن الكلمة التي لا بد أن تقال في ختام هذا البحث المجمل، كي لا يغتر الدعاة إلى الله، وإلى منهج الله، بهذه العوامل المساعدة، وينسوا اخذ الأهبة كاملة لأشواك الطريق وعوائقه.
هذه الكلمة ينبغي أن تكون عن الخطوط المضادة، وعن عوائق الطريق الكأداء! إن البشرية بجملتها اليوم... أبعد من الله ...
إن الركام الذي يرين على الفطرة أثقل وأظلم، فالجاهليات القديمة كانت جاهليات جهل وسذاجة وفتوة. اما الجاهلية الحاضرة فجاهلية علم! وتعقيد! واستهتار!.
ان الفتنة بفتوحات العلم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين كانت فتنة طاغية. والهروب من الكنيسة ومن إله الكنيسة الذي تصول باسمه وتجول، وتحرق العلماء، وتعذب المفكرين، وتناهض النهضات... كانت هروباً مجنوناً آبقاً لا يلوى على شيء، ولا يبقى على مقدس!.
حقيقة إن العلم ذاته منذ مطلع هذا القرن قد أخذ يقود كبار العلماء الى الله من جديد. والفطرة التي أشقاها الضرب في التيه قد بدأ يبدو عليها التعب والحنين الى الله من جديد.. ولكن تلك الفتنة ما تزال في عنفوانها. وقد ينقضي هذا القرن كله قبل ان تظهر البوادر الكاملة لعودة القطيع الشارد من التيه البعيد.
- * *
والحياة الدنيا قد اتسعت رقعتها في حس الناس وواقعهم! اتسعت رقعتها بما استحدثته الحضارة من وسائل الحياة والمتاع والاستقرار في الأرض، وأحس الناس بضخامة هذه الحياة في واقعهم وفي مشاعرهم سواء. وأضافت العلوم والثقافات والفنون والهوايات مساحات ضخمة الى رقعة الحياة في واقع الناس وفي مشاعرهم سواء!.
ولو قام هذا كله على أساس من المعرفة بالله، وبخصائص الألوهية وخصائص العبودية، وعلى أساس من الحقيقة العميقة: حقيقة أن الله هو الذي استخلف الانسان في الأرض، وسخر له ما فيها، وزوده بالمواهب والاستعدادات التي تعينه على الخلافة، وتيسر له طيبات الحياة كلها... وانه مبتلى في هذا كله ليحاسب في الآخرة على ما قدم في حياته الدنيا.
لو قام هذا كله على هذا الأساس الصحيح، لكانت هذه المساحات الجديدة التي أضافها العلم وأضافتها الحضارة، لرقعة الحياة في واقع الناس ومشاعرهم... مساحات تضاف إلى رقعة الإيمان، وتزيد الناس قرباً من الله ومنهجه القويم الممثل في الإسلام.
ولكن هذا كله انما قام على أساس الهروب من الكنيسة الطاغية ومن الهها الذي تستطيل به على الناس! فكانت هذه الإضافة الى رقعة الحياة مبعدة عن الله، وعقبة في الطريق اليه، ينبغي أن يحسب حسابها الدعاة!.
حقيقة أن البشرية قد شقيت وتعبت من حمل هذه الحضارة المادية، والمضي في متاعها المترف. وحقيقة أن الفساد والانحلال والأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ العقلي والجنسي، وآثار ذلك كله تنخر في جسم هذه الحضارة، وتشقى الأمم والأفراد، وتفتح الأعين بعنف على الشر والفساد والدمار...
ولكن البشرية ما تزال في هياجها الحيواني، وفي خمارها الجنوني، وفي نشوتها المعربدة... وقد ينقضي هذا القرن كله قبل ان تتفتح العيون فعلاً وتصحو الأدمغة من هذا الخمار، وتكف البشرية او تفكر في ان تكف عن هذا الدوار!.
- * *
وكانت الجاهليات الأولى قريبة العهد بالبداوة، فيها فتوة البداوة وجدها على كل حال.
كانت للناس تقاليد، وكانت أخلاق الفتوة - في الغالب- تحكم تصرفات الناس. وعلى قدر ما كانت هذه الفتوة تجعل المعركة بين أصحاب الدعوة وأصحاب الجاهلية قاسية وعنيفة، فإنها كانت تجعلها مكشوفة وصريحة ... كانت الفطرة قريبة... تلبي وتجيب، من قريب ، من وراء العناد والكبرياء ... وكان هناك الجد الصارم في الكفر او الايمان سواء...
وهذا على كل ما يثيره من المتاعب، خير من الميوعة والاستهتار وعدم المبالاة!..
والبشرية اليوم تعاني من التميع والاستهتار والاستخفاف بكل عقيدة وكل رأى وكل مذهب. كما تعاني من نفاق القلب، وكيد الضعف وخبث الاحتيال!.
وكلها عقبات في طريق الدعوة الى الله، ومعوقات عن الاستقامة على منهج الله.
وغير هذا كثير من لونه، ومن ألوان شتى، ينبغي ألا نهون من شانه، كي لا يغتر الدعاة إلى الله بالعوامل المساعدة، ثم لا يتزودوا كل الزاد.. ولكن ما الزاد؟
انه زاد واحد…. زاد التقوى… انه الشعور بالله على حقيقته... انه التعامل مباشرة مع الله... والثقة المطلقة بوعده الجازم الحاسم: "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين". (الروم: 47)
والأمر كله هو امر العصبة المؤمنة التي تضع يدها في يد الله. ثم تمضي في الطريق. وعد الله لها هو واقعها الذي لا واقع غيره، ومرضاة الله هي هدفها الأول وهدفها الأخير.
وهذه العصبة التي تجرى بها سنة الله في تحقيق منهج الله، وهي التي تنفض ركام الجاهلية عن الفطرة، وهي التي يتمثل فيها قدر الله في ان تعلو كلمته في الأرض، ويتسلم منهجه الزمام:
" قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا لا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. ان يمسسكم قرح فقد مسح القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين" (آل عمران: 137-141)
وصدق الله العظيم
* * * من كتاب "هذا الدين" للشهيد سيد قطب رحمه الله. *